البحرين نجحت في كسب المعركة الدبلوماسية عالميا
الرواية الإيرانية «درامية» والخليجية «واقعية»
الإعلام الرسمي استعاد ثقة الشارع الخليجي وقت الأزمة
لا بد من بناء «مصفوفة تأثير» لحماية الوعي الخليجي
حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود
المملكة بحاجة إلى توثيق هذه المرحلة للأجيال القادمة
لماذا قال السادات إن إيران سقطت بعد سنتين من وصول الخميني إلى الحكم؟

في زمن الأزمات لا تصبح المعركة عسكرية أو سياسية فقط، بل تتحول أيضًا إلى معركة روايات وخطابات وتأثير على الوعي العام. وبينما كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيدًا، برزت أسئلة كثيرة حول طبيعة الخطاب الإعلامي الخليجي، وقدرته على مواجهة الروايات المضادة، ومدى نجاحه في حماية الداخل الخليجي والتأثير في الرأي العام العربي والدولي.
في هذا الحوار، يتحدث إبراهيم التميمي، خبير التقييم المؤسسي، عن تقييمه للأداء الإعلامي الخليجي خلال الأزمة، والفوارق بين الرواية الخليجية والرواية الإيرانية، وكيف نجحت بعض الأطراف في مخاطبة العالم بلغة أكثر تأثيرًا، بينما ظل الخطاب الخليجي فترة طويلة موجهًا إلى الداخل أكثر من الخارج.
ويتطرق الحوار إلى أهمية بناء «مصفوفة تأثير» خليجية قادرة على حماية الوعي الوطني، ودور الإعلام والتعليم والثقافة في تحصين المجتمعات الخليجية، إلى جانب رؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الإعلام وصناعة المحتوى.
وفيما يأتي نص الحوار:
* كيف تقيّم الأداء الإعلامي الخليجي خلال الأزمة على المستوى المحلي؟
** أعتقد أن الأداء الإعلامي الخليجي خلال الأزمة كان جيدًا إلى حد كبير، وخصوصًا الإعلام الرسمي الذي استطاع أن يستعيد ثقة الجمهور بصورة لافتة. في الأزمات عادةً تتجه الجماهير إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتبحث عن المعلومة السريعة، لكن ما حدث هذه المرة كان مختلفًا؛ الناس عادت إلى الإعلام الرسمي والتقليدي؛ لأنها وجدت فيه المعلومة الدقيقة والرواية الموثوقة. في البحرين مثلًا، لعب تلفزيون البحرين والإعلام الأمني دورًا مهمًّا جدًّا في نقل الأحداث بشفافية وهدوء، وكانت هناك أرقام واضحة ومعلومات مباشرة، وهذا خلق حالة من الثقة العالية بين المواطن والمؤسسة الإعلامية الرسمية.
الرواية الرسمية كانت حاضرة بقوة، بل يمكن القول إنها سبقت الروايات غير الرسمية، وهذه نقطة مهمة جدًّا. أعتقد أن المؤسسات الإعلامية الخليجية استفادت من تجارب الأزمات السابقة، وأصبحت أكثر وعيًا بأهمية السرعة والشفافية والتواصل المباشر مع الناس. لذلك رأينا الإعلام الرسمي أكثر حضورًا وتأثيرًا من كثير من المنصات الأخرى.
كذلك لا يمكن تجاهل أن الإعلام الخليجي الرسمي كان يعمل ضمن منظومة حكومية وأمنية متماسكة، وهذا منح الخطاب الإعلامي قدرًا من الاتزان والتنظيم. صحيح أن بعض المؤثرين أو الإعلاميين لم تكن لديهم في البداية المصطلحات الموحدة لوصف ما يحدث، هل هي حرب أم عدوان أم جريمة حرب، لكن رغم ذلك كان هناك شعور وطني عام بأن الجميع يدافع عن استقرار بلده ويحاول حماية مجتمعه من الفوضى الإعلامية والشائعات.
* هل كان هناك تنسيق إعلامي خليجي حقيقي خلال الأزمة؟
** كان هناك تنسيق خليجي واضح، لكنه كان أقوى على المستوى الأمني والعسكري مقارنة بالمستوى الإعلامي. أعتقد أن المؤسسات الأمنية والعسكرية الخليجية كانت أكثر جاهزية من الإعلام في بداية الأزمة، وكان للإعلام الأمني دور محوري في ضبط إيقاع الحدث وتوحيد الخطاب.
في البداية واجه الإعلاميون والمؤثرون مشكلة في تحديد طبيعة الخطاب والمصطلحات المستخدمة. لم تكن هناك «منصة مصطلحات» أو ما يشبه الـ Style Sheetالذي يحدد بدقة ما الذي يمكن قوله وما الذي لا يمكن قوله، وكيف يتم توصيف الأحداث بطريقة موحدة. لذلك كان كل طرف يجتهد وفق رؤيته الخاصة، وهذا خلق شيئًا من التباين في الخطاب الإعلامي الخليجي.
لكن مع مرور الوقت بدأ الخطاب يصبح أكثر وضوحًا واتساقًا، وخصوصًا مع إدراك حجم التهديدات التي تواجه المنطقة. كما أن الإعلام الرسمي الخليجي لعب دورًا مهمًّا في حماية الجبهة الداخلية، والدفاع عن صورة الدولة، ومنع انتشار الروايات المضادة أو الأخبار غير الدقيقة.
أعتقد أن التجربة كشفت حاجة دول الخليج إلى إنشاء آليات تنسيق إعلامي أكثر احترافية في أوقات الأزمات، بحيث تكون هناك رؤية موحدة وخطاب استراتيجي مشترك يخاطب الداخل والخارج في آن واحد.
* لماذا بدا الصوت الخليجي ضعيفًا عالميًّا في بداية الأزمة؟
** لأن الرواية الخليجية بطبيعتها كانت دائمًا رواية داخلية أكثر من كونها رواية عالمية. نحن في الخليج نخاطب أنفسنا بلغتنا المحلية وطريقتنا الخاصة، بينما الرواية الإيرانية مثلا تخاطب العالم بلغته السياسية والإعلامية والحقوقية.
الإيرانيون يجيدون المراوغة السياسية داخل المنظمات الدولية، ويعتمدون على تضخيم القضايا وإعادة تدوير الخطاب الإعلامي، لتحويل أي ملف إلى حملة دعائية تستهدف كسب تعاطف الرأي العام الخارجي، بينما في الخليج كان التركيز الأكبر دائمًا على الداخل الخليجي وعلى طمأنة المجتمع المحلي.
لكن الأزمة الأخيرة كشفت لنا أهمية تطوير خطاب عالمي خليجي قادر على الوصول إلى المجتمع الدولي بلغته وأدواته. رأينا مثلا كيف نجحت البحرين في إيصال خطابها إلى المؤسسات الدولية، وكيف حصلت على دعم واسع داخل مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان. كذلك الإمارات قدمت خطابًا عالميًّا ذكيًّا عندما ركزت على حماية الملاحة الدولية والأمن العالمي، وليس فقط على البعد الإقليمي للأزمة.
هذه التجارب تؤكد أن الخليج قادر على بناء رواية عالمية مؤثرة إذا امتلك الأدوات الصحيحة والخطاب المناسب.
* ما الفرق بين الرواية الخليجية والرواية الإيرانية من الناحية الإعلامية؟
** هناك فرق كبير جدًّا بين العقل الإعلامي الخليجي والعقل الإعلامي الإيراني؛ الرواية الخليجية تعتمد غالبًا على الحقائق والأرقام والمنطق والهدوء، بينما الرواية الإعلامية الإيرانية تقوم غالبا على الدراما والشعارات الثورية، وتبدو أقرب إلى مشاهد مسرحية مكررة منها إلى طرح سياسي واقعي.
المتحدث الإيراني عندما يظهر إعلاميًّا يخاطب العالم بلغة عاطفية مؤثرة، ويستخدم مفردات وشعارات قادرة على جذب الانتباه، حتى لو لم تكن مدعومة بأدلة قوية. بينما الإعلام الخليجي يميل إلى الواقعية والهدوء والاعتماد على الحقائق، وهذا يجعله أحيانًا أقل جاذبية على المستوى الإعلامي.
أنا دائمًا أقول إن العقل الخليجي عقل «حقائق»، أما العقل الإيراني فهو عقل «درامي». الإيرانيون يعرفون كيف يصنعون المشهد، وكيف يحولون الخطاب إلى حالة عاطفية مؤثرة، بينما نحن في الخليج نميل إلى الطرح العقلاني المباشر.
لكن هذا لا يعني أن الرواية الخليجية ضعيفة، بل يعني أننا بحاجة إلى تطوير أدواتنا الإعلامية وقدرتنا على مخاطبة العالم بصورة أكثر تأثيرًا، من دون أن نفقد مصداقيتنا أو هويتنا.
* كيف تنظر إلى طبيعة المشروع الإيراني سياسيًّا وفكريًّا؟
** أعتقد أن المشكلة الأساسية مع إيران ليست فقط سياسية أو اقتصادية، بل هي مشكلة مرتبطة بالعقيدة السياسية والفكرية التي تقوم عليها الدولة الإيرانية منذ عقود. هناك عقل ثوري يحكم هذه الدولة، وهذه العقلية قائمة على فكرة التوسع والتأثير والصراع المستمر.
والخطأ الذي يقع فيه كثيرون عند تحليل إيران هو التركيز على الجانب الاقتصادي فقط، بينما القضية أعمق من ذلك بكثير، وترتبط بطبيعة الدولة الإيرانية وفلسفتها القانونية والسياسية؛ لأن فهم إيران لا يكون فقط عبر قراءة اقتصادها، بل من خلال قراءة «عقل الدولة» والقوانين التي تقوم عليها.
بعض المواد القانونية في إيران تعكس طبيعة الفكر الثوري القائم على الصدام والتعبئة المستمرة، وهذه القوانين تؤسس لفكرة «الاحتراب المجتمعي» ورفع السلاح حتى داخل المجتمع نفسه، ما يعكس طبيعة الدولة الثورية التي قامت عليها إيران منذ البداية.
والرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات قدّم توصيفًا مبكرًا لطبيعة الدولة الإيرانية، وقال إن إيران سقطت بعد سنتين فقط من حكم الخميني الذي تسلم في 1979 دولة تمتلك ثروات وإمكانات ضخمة، وتنتج ملايين البراميل من النفط يوميًّا، لكنه حولها إلى دولة تعاني أزمات معيشية واقتصادية حادة، بسبب طبيعة المشروع السياسي القائم على الثورة والصراع المستمر بدل التنمية والاستقرار.
حتى الخطاب الثقافي والموسيقي والإعلامي الإيراني يحمل طابعًا ثوريًّا واضحًا. عندما تستمع إلى النشيد الوطني الإيراني أو تشاهد الخطاب السياسي والإعلامي هناك ستجد دائمًا مفردات المقاومة والصمود والتوسع والثورة. بينما الخطاب الخليجي قائم على الاستقرار والتنمية والسلام وبناء الدولة.
في الخليج نقول للمواطن: استقر وابنِ وطنك واهتم بالتنمية والتعليم والاقتصاد، بينما الفكر الثوري الإيراني يدفع المواطن باتجاه فكرة الصراع الدائم والتوسع والتأثير خارج الحدود.
لذلك أعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في العقيدة السياسية الإيرانية، وإذا لم تتغير هذه العقيدة فستظل إيران مصدر توتر دائم في المنطقة، مهما تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية.
* وكيف ترى التحولات في المنطقة حاليا؟
** إن التحولات من ناحية الخليج صارت واضحة تماما؛ فقد انكشف الغطاء.
في السابق كنا نقول دائما إن إيران هي دولة جارة، ولم نكن نرى الحرب المعلنة من إيران، وكانت هناك شكوك لدى البعض أن إيران ستحاربنا.
الآن الأمر بات جليا، ولا يمكن إغفاله الآن. إيران أعلنت عداءها لدول الخليج.
وهنا أود أن أستعيد مقابلة نشرتها «أخبار الخليج» في عام 1983 لجلالة الملك المعظم حينما كان وليا للعهد، إذ كان جلالته ينصح إيران بألا تهدر مقدراتها في الحروب، وفي التسلح، وكان ذلك إبان الحرب العراقية الإيرانية، رغم أن إيران في 1982 إيران أقدمت على محاربة البحرين.
ولكن لاحظ أن جلالة الملك يؤكد نهج البحرين الدولة المسالمة التي تشجع على التعايش ونشر السلام، كان ينصح إيران بأن تتوقف عن الحروب، ارجع إلى هذا الخطاب وستجد أن البحرين دائما كانت ناصحة لإيران.
ولكن الحقائق تؤكد أن إيران لم تتعلم ومازالت لم تتعلم، وستبقى هذه العقيدة السياسية الثورية في إيران إلى أن تسقط الدولة بالكامل، ولربما تتقسم إيران، وأتوقع التصدع الداخلي في إيران.
إن الخطاب البحريني كان ولا يزال يعكس قيم الدولة المسالمة، رغم المحاولات الإيرانية المتواصلة للتدخل في الشأن البحريني، ولكن البحرين استطاعت أن تكون سدا منيعا أمام إيران، وتمكنت من أن ترسل رسائل واضحة بأن البحرين عصية على الإيرانيين، وشعب البحرين متماسك مع قيادته.
* كيف يمكن للإعلام الخليجي توثيق هذه المرحلة تاريخيًّا؟
** التوثيق مهم جدًّا، ليس فقط إعلاميًّا، بل تربويًّا وثقافيًّا أيضًا. هذه المرحلة يجب ألا تمر باعتبارها مجرد أزمة عابرة، بل يجب أن تتحول إلى جزء من الذاكرة الوطنية الخليجية.
يجب أن تُوثق الأحداث في الكتب والمناهج الدراسية والأفلام الوثائقية والأعمال الدرامية وحتى في الأنشطة الثقافية والفنية. من المهم أن تعرف الأجيال القادمة كيف واجهت دول الخليج هذه التحديات، وكيف تصدت لها، وكيف حافظت على استقرارها ووحدتها.
كذلك يجب أن يكون هناك تقدير واضح لدور رجال الأمن والدفاع والمؤسسات الوطنية التي لعبت دورًا في حماية المجتمعات الخليجية. مثلما تدرّس بعض الدول حروبها وأزماتها الكبرى للأجيال الجديدة، نحن أيضًا بحاجة إلى بناء ذاكرة وطنية تحفظ هذه التجربة.
التوثيق لا يهدف فقط إلى حفظ التاريخ، بل أيضًا إلى بناء الوعي الوطني وتعزيز الانتماء، حتى يدرك الشباب قيمة الاستقرار والأمن الذي يعيشونه اليوم.
* كيف يمكن تحصين الداخل الخليجي من الاختراقات الفكرية والإعلامية؟
** التحصين لا يكون فقط بالقوانين أو الإجراءات الأمنية، بل يبدأ من بناء الوعي الحقيقي داخل المجتمع. هناك حاجة إلى إعادة التفكير في دور المؤسسات الثقافية والاجتماعية والشبابية والإعلامية.
اليوم التأثير لم يعد يأتي فقط من التلفزيون أو الصحيفة، بل من البودكاست والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والأغنية والدراما والمحتوى القصير. لذلك نحن بحاجة إلى «مصفوفة تأثير» حقيقية تدرس طبيعة المجتمع الخليجي وكيفية الوصول إلى شبابه بلغتهم وأدواتهم الحديثة.
كما أن هناك حاجة إلى دعم المبادرات الوطنية، وصناعة محتوى ثقافي وإعلامي قادر على تعزيز الهوية الوطنية بطريقة ذكية وجذابة. لا يكفي أن نغلق الأبواب أمام الخطاب المتطرف أو المعادي، بل يجب أيضًا أن نملأ الفراغ بخطاب وطني قوي ومؤثر.
الإنسان الخليجي بطبيعته إنسان متسامح ومسالم، لكن أي مجتمع إذا تُرك من دون بناء وعي حقيقي يمكن أن يصبح عرضة للاختراق الفكري أو التضليل الإعلامي، لذلك بناء الوعي أصبح اليوم جزءًا أساسيًّا من الأمن الوطني.
* كيف تنظر إلى ظهور المحلل الإيراني حسن أحمديان في بعض القنوات الإخبارية خلال الأزمة؟ وهل كان مؤثرًا على الرأي العام؟
** أعتقد أن حسن أحمديان كان يعتمد بصورة كبيرة على الكاريزما الإعلامية ولغة الجسد وطريقة الإلقاء أكثر من اعتماده على الحقائق والأدلة. الرجل كان يتحدث العربية بطلاقة، وكانت مخارج الحروف عنده واضحة جدًّا، وهذا بطبيعته يصنع تأثيرًا على المشاهد العربي، وخصوصًا عندما يظهر بثقة عالية على قنوات ذات انتشار واسع. لذلك كان حضوره الإعلامي مؤثرًا عند شريحة من الجمهور، ليس بسبب قوة الطرح أو صحة المعلومات، بل بسبب أسلوب التقديم والقدرة على صناعة المشهد الإعلامي.
المشكلة أن الأمة العربية بطبيعتها تتأثر أحيانًا بالخطاب البياني والعاطفي أكثر من تأثرها بالبرهان والحقائق. لذلك كان أحمديان يقدم خطابًا مليئًا بالشعارات والثقة واللغة المؤثرة، بينما في المقابل لم يكن هناك حضور خليجي بنفس المستوى على المنصات الإيرانية أو حتى على بعض المنصات العربية والدولية.
لكن إذا عدنا إلى الواقع وما حدث فعليًّا على الأرض فسنجد أن كثيرًا مما كان يطرحه أحمديان لم يتحقق. كان يقدم صورة عن إيران باعتبارها الطرف المسيطر والقادر على فرض معادلات جديدة في المنطقة، بينما الواقع كشف حجم الخسائر والتحديات التي واجهتها إيران خلال الحرب، التي وصلت إلى نحو 250 مليار دولار، لذلك أرى أن تأثيره كان تأثيرًا إعلاميًّا عاطفيًّا أكثر من كونه تأثيرًا قائمًا على الوقائع.
وأعتقد أن الخطورة الحقيقية ليست في أحمديان كشخص، بل في قدرة هذا النوع من الخطاب على التأثير في بعض الشباب الذين قد ينبهرون بالنموذج الخطابي أو بالشخصية الإعلامية من دون قراءة عميقة للواقع السياسي والتاريخي. لذلك نحن بحاجة إلى صناعة شخصيات إعلامية خليجية تمتلك القدرة نفسها على التأثير، لكن بخطاب قائم على الوعي والحقائق والقدرة على مخاطبة الناس بلغة يفهمونها ويتفاعلون معها.
كما أن التجربة كشفت أهمية وجود مؤثرين وإعلاميين خليجيين قادرين على الوصول إلى الجمهور العربي والدولي بلغات مختلفة وأساليب حديثة؛ لأن المعركة اليوم لم تعد فقط معركة معلومات، بل أصبحت أيضًا معركة تأثير وصناعة رأي عام.
* هل يحتاج المؤثرون والإعلاميون إلى حماية قانونية أكبر؟
** نعم بالتأكيد؛ لأن كثيرًا من المؤثرين والإعلاميين لديهم خوف حقيقي من أن تتحول أي مبادرة أو اجتهاد إلى أزمة أو قضية رأي عام بسبب سوء الفهم أو التأويل. هذا الخوف يحدّ من الإبداع ويجعل البعض يتردد في تقديم مبادرات وطنية أو محتوى توعوي.
أنا أرى أن هناك حاجة إلى أنظمة قانونية أكثر مرونة، تفرق بين الخطأ غير المقصود والتجاوز المتعمد. في بعض الدول توجد أنظمة تعتمد في البداية على المعالجة الإدارية أو التنبيه أو الغرامات البسيطة قبل الوصول إلى المسار الجنائي، وهذا يساعد على حماية المبادرات الإعلامية وعدم قتل روح الإبداع.
إذا أردنا صناعة تأثير حقيقي فلا بد أن يشعر المؤثر أو الإعلامي بأنه يعمل في بيئة آمنة تسمح له بالمبادرة والاجتهاد من دون خوف دائم من التأويل أو العقوبات القاسية.
* كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي على الإعلام وصناعة المحتوى؟
** الذكاء الاصطناعي أداة مهمة جدًّا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن العقل البشري أو الحكمة الإنسانية. المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في طريقة استخدامنا لها.
اليوم بعض المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتقليل التكاليف وإلغاء الوظائف، وهذا خطأ كبير. المفترض أن يكون الذكاء الاصطناعي وسيلة لتطوير الأداء وتحسين جودة العمل، لا لإلغاء دور الإنسان أو تهميشه.
كذلك الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في كتابة المقالات أو صناعة المحتوى الإعلامي يضعف جودة المحتوى، ويقتل روح الإبداع والبحث والتحليل الحقيقي. الذكاء الاصطناعي يستطيع جمع البيانات والمعلومات، لكنه لا يملك الحس الوطني أو التجربة الإنسانية أو الحكمة التي يمتلكها الإنسان.
هناك أربع مراحل أساسية: البيانات، ثم المعلومات، ثم المعرفة، ثم الحكمة. المشكلة اليوم أن بعض الناس يسلمون كل هذه المراحل للذكاء الاصطناعي، بينما الحكمة يجب أن تبقى عند الإنسان.
* هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع تأثيرًا حقيقيًّا مثل الإنسان؟
** لا أعتقد ذلك. التأثير الحقيقي يرتبط بالإنسان وبالتجربة الإنسانية، وبالقدرة على فهم المجتمع ومشاعره وتاريخه وثقافته. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التحليل أو جمع المعلومات أو تسريع العمل، لكنه لا يستطيع أن يصنع وعيًا حقيقيًّا أو شعورًا وطنيًّا أو تأثيرًا إنسانيًّا عميقًا.
الخطر الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في اعتماد الإنسان الكامل عليه وتحوله إلى أداة للكسل والتلقين. إذا استخدمناه بطريقة صحيحة فسيكون وسيلة تطوير مهمة، أما إذا استخدمناه كبديل للعقل البشري فسنخسر الإبداع والبحث والتفكير النقدي.
* ما الرسالة الأساسية التي يجب أن تخرج بها المجتمعات الخليجية من هذه الأزمة؟
** الرسالة الأهم هي أن أمن الخليج واستقراره مسؤولية جماعية، وأن بناء الوعي الوطني لا يقل أهمية عن بناء القوة العسكرية أو الاقتصادية. لا يمكن حماية الأوطان فقط بالسلاح، بل يجب أيضًا حماية العقول والهوية والثقافة.
كما أن هذه الأزمة أثبتت أن دول الخليج عندما تتماسك وتتعاون تستطيع أن تواجه التحديات وتحافظ على استقرارها. المطلوب اليوم هو الاستمرار في بناء الإنسان الخليجي الواعي، القادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الرواية الوطنية والروايات التي تستهدف زعزعة الاستقرار.
المعركة الحقيقية في المستقبل لن تكون فقط عسكرية أو اقتصادية، بل ستكون معركة وعي وإعلام وتأثير، ولذلك يجب أن نستعد لها ببناء خطاب وطني قوي ومؤثر قادر على مخاطبة الداخل والخارج في الوقت نفسه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك