التماسك الأسري خط الدفاع الأول لحماية الأطفال نفسيا
كتبت: ياسمين العقيدات
في إطار تسليط الضوء على أهمية الأسرة ودورها في تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي، وما يمثله يوم الأسرة العالمي لعام 2026، «الأسر، وأوجه عدم المساواة ورفاهية الطفل» من مناسبة لتأكيد هذه القيم الذي يسلط الضوء على أهمية الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية الطفل نفسيًا واجتماعيًا، أكدت الدكتورة مي مبارك العازمي، أستاذ مشارك بجامعة البحرين ومتخصصة في الإرشاد النفسي والاجتماعي، أن الأزمات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أعادت تشكيل أنماط الحياة والسلوك اليومي داخل الأسرة والمجتمع، وأظهرت بصورة واضحة أهمية التماسك الأسري والاستقرار النفسي في مواجهة التحديات المختلفة، وخصوصًا في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والصحية المتسارعة.
وقالت العازمي: إن مملكة البحرين شهدت خلال الأزمات الأخيرة تحولات واضحة في أنماط الحياة والسلوك اليومي، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، ودعم ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حيث اتسمت الاستجابة بالسرعة والقرارات المتزنة التي وضعت صحة الإنسان واستقراره في مقدمة الأولويات، ما عزز شعور الأمان لدى المجتمع وهيأ بيئة داعمة للتكيف مع التحديات.
وأضافت أن تجربة الأسر في مملكة البحرين خلال السنوات الأخيرة أثبتت أهمية التكيف والتعامل الإيجابي مع الضغوط، موضحة أن قدرة الأسرة على احتواء الأزمات تسهم بشكل كبير في حماية الأطفال من الآثار النفسية والاجتماعية السلبية وتعزيز رفاهيتهم النفسية والاجتماعية، وخاصة أن الطفل يُعد أكثر الفئات تأثرًا بما يحدث داخل الأسرة من توتر أو قلق أو اضطرابات نفسية.
وأوضحت أن التغيرات السلوكية التي ظهرت لدى الأفراد بعد الأزمات يمكن تفسيرها من منظور الإرشاد النفسي باعتبارها استجابة طبيعية لحالة عدم اليقين والضغوط الجماعية، حيث يلجأ الإنسان إلى تفعيل آليات التكيف النفسي التي تساعده على استعادة الشعور بالسيطرة والأمان، فتظهر سلوكيات مثل الادخار، وتقليل الاختلاط، والاعتماد المتزايد على التطبيقات الرقمية، مؤكدة أن هذه السلوكيات ليست سوى محاولات منظمة لإدارة القلق والتعامل مع واقع متغير.
وأشارت إلى أن الأزمات لا تؤثر على الجوانب المعيشية فقط، بل تمتد لتؤثر على الاستقرار النفسي داخل المنزل، وهو ما يجعل الطفل أكثر الفئات تأثرًا بما يحدث داخل الأسرة، لافتة إلى أن الطفل الذي يعيش في بيئة يسودها القلق أو التوتر المستمر قد يواجه صعوبات في التكيف أو التحصيل الدراسي أو بناء العلاقات الاجتماعية، بينما يساعده الاستقرار الأسري على النمو النفسي والاجتماعي السليم.
وأضافت أن مرحلة ما بعد الأزمة أفرزت عدة أنماط نفسية، من أبرزها زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية، وإعادة ترتيب الأولويات لتشمل الصحة والاستقرار والعلاقات القريبة، إلى جانب ظهور قدر من الحذر الاجتماعي والاقتصادي، موضحة أن بعض الأفراد أظهروا مرونة نفسية أعلى وقدرة على التكيف، في حين أصبح آخرون أكثر حساسية تجاه الضغوط نتيجة الخبرات الضاغطة التي مروا بها.
وبينت أن الشعور بعدم اليقين يُعد أحد أهم العوامل المؤثرة في سلوك الأفراد خلال الأزمات، إذ يدفعهم إلى اتخاذ قرارات أكثر تحفظًا وتنظيم مواردهم بشكل أدق، سواء في إدارة الوقت أو العلاقات أو المال، مشيرة إلى أن الكثيرين أصبحوا أكثر انتقائية في علاقاتهم وأكثر وعيًا بكيفية استثمار وقتهم وأكثر حرصًا على الاستقرار المالي.
وأكدت العازمي أن الشعور بالأمان داخل الأسرة أثناء الأزمات يُعد من أهم العوامل التي تحافظ على التوازن النفسي للطفل، موضحة أن الأطفال يستمدون إحساسهم بالطمأنينة من طريقة تعامل الوالدين مع الضغوط والتحديات، فكلما اتسمت العلاقة الأسرية بالهدوء والحوار والدعم العاطفي ازدادت قدرة الطفل على التكيف والشعور بالاستقرار.
وأضافت أن التغيرات السلوكية التي قد تحدث لدى الوالدين أثناء الأزمات تنعكس بصورة مباشرة على الأبناء، فالانفعال المستمر أو التوتر أو غياب الحوار قد يؤدي إلى زيادة مشاعر القلق والخوف لدى الطفل، بينما يمنح الاحتواء والتفاهم الطفل شعورًا بالأمان والثقة.
وأوضحت أن إدارة الأزمات بصورة حكيمة تسهم في الحد من أوجه عدم المساواة داخل الأسرة، وخاصة عندما تتوافر منظومة دعم اجتماعي ونفسي تساعد الأسر على تجاوز التحديات، مشيرة إلى أن توفير الخدمات الاجتماعية والدعم التربوي والصحي للأسر الأكثر احتياجًا يعزز من فرص الأطفال في الحصول على بيئة مستقرة وآمنة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على رفاهيتهم ومستقبلهم.
وبينت أن مملكة البحرين أولت اهتمامًا كبيرًا بحماية الطفل والأسرة من خلال التشريعات والقوانين الوطنية، وفي مقدمتها قانون الطفل البحريني، إضافة إلى قانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة الذي أقره حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، الذي يمثل نقلة نوعية في تعزيز حقوق الطفل وحمايته وفق مبادئ العدالة والرحمة والحماية المجتمعية المستمدة من القيم الإسلامية والإنسانية.
وأشارت إلى أن ما تقوم به وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة يمثل أمثلة على النهج الوطني المتكامل الذي تنتهجه مختلف الجهات الحكومية والخاصة في مملكة البحرين لحماية الطفل وتعزيز رفاهيته النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية، من خلال توفير برامج الدعم النفسي والاجتماعي وتعزيز التوعية الأسرية والخدمات الصحية والتعليمية والإرشادية التي تضمن حماية الأطفال من كل أشكال الإهمال أو العنف أو التأثيرات السلبية الناتجة عن الأزمات.
وأضافت أن وزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز رفاهية الطفل من خلال خدمات الإرشاد الطلابي والبرامج الوقائية والدعم النفسي داخل المدارس، بما يساعد الطلبة على التكيف مع التغيرات والأزمات بطريقة صحية ومتوازنة، إضافة إلى توفير بيئة تعليمية آمنة تعزز الشعور بالاستقرار والانتماء، فيما تواصل وزارة التنمية الاجتماعية جهودها عبر برامج الحماية الاجتماعية والإرشاد الأسري والتدخل المبكر للحالات التي تحتاج إلى دعم نفسي أو اجتماعي، إلى جانب جهود وزارة الصحة في تعزيز الصحة النفسية للأطفال والأسر وتقديم الخدمات العلاجية والإرشادية والتوعوية.
وأوضحت أن الاعتماد المتزايد على الحياة الرقمية يحمل وجهين، فهو من جهة يوفر الراحة ويسهل إنجاز المهام واستمرار التعليم والتواصل، ومن جهة أخرى قد يعكس ميلًا لتجنب الضغوط الواقعية إذا تم استخدامه بشكل مفرط، ما قد يؤثر على المهارات الاجتماعية والتوازن النفسي ويؤدي إلى بعض مظاهر العزلة وضعف التفاعل الاجتماعي.
وشددت على أهمية تحقيق التوازن بين التكيف مع الأزمات والحفاظ على التفاعل الاجتماعي الصحي للأطفال، من خلال تشجيع الأنشطة الأسرية والحوار والتواصل المباشر، وعدم ترك الوسائل الرقمية تحل محل العلاقات الإنسانية الطبيعية داخل الأسرة والمجتمع.
وأكدت أن الاستجابة السريعة للأزمات والتدخل المبكر لمعالجة آثارها النفسية والاجتماعية يمثلان عامل حماية مهمًا لرفاهية الطفل على المدى الطويل، إذ يساعد ذلك في تقليل احتمالية ظهور المشكلات السلوكية أو النفسية مستقبلًا، ويعزز قدرة الطفل على بناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة التحديات.
وشددت على أن رفاهية الطفل لا تتحقق فقط عبر توفير الاحتياجات المادية، بل تبدأ من بناء أسرة مستقرة نفسيًا واجتماعيًا، قادرة على احتواء الأزمات والتعامل معها بوعي وحكمة، مشيرة إلى أن حماية الأسرة تمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة ومتوازنة يصبح أكثر قدرة على النجاح والعطاء والمشاركة الإيجابية في المجتمع، متوقعة أن تستمر بعض السلوكيات الإيجابية التي أفرزتها الأزمات لتشكل جزءًا من نمط حياة أكثر وعيًا واتزانًا في المستقبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك