أشار عدد من الكتاب العرب عمومًا ( كما أشرتُ في مقالات سابقة) إلى كتاب «نظام التفاهة (System of Triviality)» للمفكر الكندي آلان دونو، الذي يثير تساؤلات حول مفهوم «نظام التفاهة» أو «الميديوقراطية»، وسيطرة التفاهة والوسطية على مختلف مجالات الحياة، مع إقصاء القيم والعمق، ما تطلب بحثًا جادًّا في إطاره الفلسفي وكيفية انشغال المجتمعات بالسطحيات على حساب الجوهر، وعبثية حالة الانفصام ما بين الحديث عن الأخلاق وممارستها... وهنا سنحاول وضع مقاربة في البحث عن سياق مصطلح «نظام التفاهة»، والبحث عن آليات مقاومة هذه الظاهرة، وأدوات التصدي الممكنة كوسائل الإعلام والتكنولوجيا، وارتباطه بمفهومي المقاومة والأصالة، وأيضًا من منظور الوعي الجماعي بالقيم الأخلاقية، وإعادة بناء المجتمعات المعاصرة.
يتناول كتاب «نظام التفاهة، أو «La mediocratie» في الأصل الفرنسي، تحولا عميقًا في مجتمعاتنا المعاصرة، إذ لم تعد التفاهة مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى نظام متكامل يحكم الاقتصاد والسياسة والتعليم والإعلام... في ظل هذا النظام، يُعاد تعريف معايير النجاح ليصبح الامتثال والسطحية بدلا من الكفاءة والإبداع، وتتم مكافأة الرداءة بدلا من العمل الجاد... إلا أن دونو يقدم لنا في فلسفته جرس إنذار وليس كتاب تشاؤم، فهو يدعو إلى مساءلة ما يبدو «طبيعيا» في حياتنا، وإلى مقاومة نظام التفاهة واستعادة القيمة والمعنى.
مفهوم «نظام التفاهة» من منظور آلان دونو
لفهم كيفية المقاومة، لا بد أولا من استيعاب طبيعة هذا النظام كما يصفه دونو. إنه ليس مجرد وجود أفراد تافهين في مواقع مهمة، بل هو منظومة متكاملة تدعم قيمة السطحية وتقصي العمق... هذه المنظومة تجعل من الصعب على الأفراد الأكفاء والمبدعين الوصول إلى المناصب المؤثرة، وتستبدل القيم الإنسانية الكبرى بشعارات فارغة ومصالح ضيقة. (مثال: رافعي شعارات حقوق الإنسان في العقود الأخيرة).
سُبل مقاومة نظام التفاهة واستعادة القيمة
والمقاومة هنا، كما يصفها آلان دونو، تتطلب إعادة بناء أنفسنا، فيما يُدعى المقاومة الفردية التي تبدأ من الداخل، من خلال رفض الانصياع غير الناقد لقواعد اللعبة التي يفرضها نظام التفاهة، من خلال: 1- إحياء القيم الإنسانية وأهمها الأخلاقية؛ وهذا يتطلب استعادة جوهر القيم التي يحولها نظام التفاهة إلى شعارات جوفاء، مثل الحق والخير والعدالة والولاء والانتماء، وتجسيدها في السلوك اليومي. 2- التركيز على المحتوى الهادف؛ ويتجسد ذلك بوعي في اختيار ما نقرأ ونشاهد ونستمع إليه، وبرفض استهلاك المحتوى السطحي، ودعم الإنتاج الفكري والأعمال الفنية الجادة والتواصل معها، ونشر الأفكار العميقة في محيطنا. 3- الالتزام بالمعنى لا المظهر؛ وذلك بمقاومة النجاح المتمثل في مجرد امتثال للقوالب السائدة والسوقية، والبحث بدلا من ذلك عن مسارات تحقق قيمة حقيقية للفرد والمجتمع وتعبّر عن التميز والأصالة. 4- بالتفكير النقدي والفضول من خلال تحدي المعلومات الجاهزة والأفكار السائدة، والسعي الدائم للتعلم والفهم العميق بدلا من الاستهلاك السلبي للمعلومات.
أما على مستوى إصلاح المؤسسات التي شكّلت لبنة أساسية في تثبيت نظام التفاهة، وتتحمل مسؤولية كبيرة في مقاومته، فإن العمل الجذري الجاد يجب أن يبدأ باستعادة الجامعات ومراكز البحث دورها النقدي والتنويري بدلا من تحولها إلى «مصانع» تنتج «خبراء» مطيعين لآليات السوق. وهنا يجب على هذه المؤسسات ان تُشجّع التساؤل الجاد والتفكير المستقل، وأن تحمي الباحثين والمفكرين الذين يطرحون أسئلة مختلفة.
أما في صناعة الإعلام فالأمر يتطلب تجاوز السعي وراء الإثارة والاهتمام اللحظي، والعودة إلى التحليل العميق والتغطية المسؤولة التي تخدم المصلحة العامة والوعي المجتمعي.
وفي الفنون؛ كما يذكر آلان دونو، يجب رفض الانغماس في التفاهة، ودعم الإبداع الفني الجاد الذي يلامس الأسئلة الوجودية والجمال الحقيقي.. وصولا إلى الإدارة والسياسة التي يجب أن تعتبر كحقل للفلسفة والأخلاق وليس فقط كإدارة تقنية للأزمات، وتشجيع القيادات ذات الرؤية والنزاهة.
إن نظام التفاهة لا يُهزم فقط بالجهود الفردية المتفرقة، بل بفعلٍ واعٍ وجماعي يبدأ من الفرد ويمتد ليشمل المجتمع بأكمله... نحن بحاجة إلى بناء وعي جمعي نقدي قادر على كشف آليات هذا النظام ومقاومتها، وهذا يتطلب تطوير خطاب عام جاد يتجاوز الشعارات البراقة إلى ممارسات حقيقية؛ ويتطلب تعزيز شبكات التواصل والدعم بين الأفراد والجماعات التي تؤمن بالقيمة والعمق؛ والعمل على خلق ثقافة مضادة تُقَدّر الجودة والتميز والأصالة على حساب الكم والإثارة والتفاهة.
تجارب ثقافية في
مقاومة التفاهة
وهنا أقتبس من الكتاب نموذجا قِيَمِيا يستحق التعريف به، لما وجدت فيه من فلسفة عميقة في سياق ما ندعو إليه من مقاومة متماسكة لنظام التفاهة... إنه نموذج فلسفة الكينتسوغي (Kintsugi) اليابانية، التي يمكن التعمق بها كاستعارة لمقاومة التفاهة، إذ تُمثل قيمًا مضادة لما يروج له نظام التفاهة.
الكينتسوغي تعني «الترميم بالذهب»، هو فن ياباني تقليدي لإصلاح الخزف المكسور باستخدام طلاء ممزوج بمسحوق الذهب، إذ لا يتم إخفاء الشقوق بل يتم إبرازها كجزء من تاريخ القطعة، ما يضفي عليها قيمة وجمالا فريدًا، ولكن قيمته الحقيقية ليست في التقنية بقدر ما تحمله من فلسفة عميقة.
تقوم فلسفة الكينتسوغي على مبدأين جوهريين في الثقافة اليابانية: 1- الوابي سابي (Wabi-sabi)؛ أي تقدير الجمال في النقص وعدم الكمال والزوال... فبدلا من إخفاء الشقوق يتم إبرازها وتزيينها، لتصبح جزءًا من تاريخ القطعة وهويتها. 2- الموجو (Mujo)، وهو مفهوم بوذي عن «عدم الثبات» أو زوال كل شيء؛ إذ يعتبر الكينتسوغي أن كسر القطعة ليس نهايتها، بل هو مرحلة جديدة في رحلة وجودها، تتقبل التغيير والتحول.
يرفض هذا الفن ثقافة الاستهلاك والإنتاج بلا قيمة، ويعيد تعريف الجمال ليرتبط بالتفرد والتاريخ و«العيب النبيل» بدلا من «الكمال السطحي واللامع».
إنه نموذج عملي لإصلاح ما هو مكسور وإعادة إنتاج الجمال بعد الكسر، ما يذكرنا بأن القيمة الحقيقية تكمن في العمق والصدق وليس في المظهر البراق المعد للاستهلاك السريع.
الخلاصة: استعادة القيم الإنسانية في عصر التفاهة
في نهاية المطاف، إن مقاومة نظام التفاهة ليست مجرد معركة ثقافية، بل هي استعادة لإنسانيتنا. إنها الدعوة للعودة إلى ما هو جوهري في حياتنا، إلى التفكير العميق بدل السطحية، إلى الإبداع بدل التقليد، إلى القيم الأصيلة بدل الشعارات الجوفاء. وهنا يحثنا المفكر آلان دونو على «التمييز بين القول والفعل»، لنرفض أن نكون مجرد ترس في آلة تُكَرّس التفاهة، ونعمل معًا على بناء «فعل واعٍ، جماعي، يبدأ من الفرد، وينتهي بإعادة تعريف المجتمع لقيمه العليا».
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك