أكد تقرير حديث صادر عن معهد ستيمسون أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة وجسر استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء المتوسطي، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وسياساته الصناعية والتجارية والدبلوماسية، رغم التحديات المرتبطة بالبطالة وندرة المياه والفوارق الاجتماعية والتوترات الإقليمية.
وأوضح التقرير، المعنون بـ«تقرير السياسات حول المغرب» والصادر في 15 مايو الجاري، أن المملكة انتقلت خلال العقدين الماضيين من اقتصاد قائم على التصنيع منخفض الكلفة إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعًا، يعتمد على الصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة والمعادن الاستراتيجية.
تحول اقتصادي وصعود صناعي
وأشار التقرير إلى أن المغرب نجح في بناء منظومة صناعية متطورة جعلته أكبر مُصنّع للسيارات في إفريقيا، بإنتاج يتجاوز مليون سيارة سنويًا، بدعم من استثمارات شركات عالمية مثل Renault وStellantis، إلى جانب مئات الموردين المرتبطين بقطاع السيارات.
وأضاف أن صادرات السيارات ومكوناتها أصبحت تمثل نحو ربع صادرات المغرب، متجاوزة صادرات الفوسفاط، بما يعكس التحول الهيكلي الذي شهده الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة.
كما سجل التقرير تطور قطاع الصناعات الجوية، حيث تحتضن المملكة أكثر من 140 شركة متخصصة في صناعة أجزاء الطائرات والمعدات المرتبطة بالطيران، من بينها شركات دولية كبرى.
وفي المقابل، لا يزال الفوسفاط يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المغربي، إذ يمتلك المغرب نحو 70% من الاحتياطي العالمي، فيما تحول المكتب الشريف للفوسفاط من مصدر للمواد الخام إلى منتج عالمي للأسمدة ومشتقات الفوسفاط.
طنجة المتوسط.. بوابة تجارية عالمية
وأكد التقرير أن ميناء طنجة المتوسط أصبح من أبرز الموانئ الاستراتيجية عالميًا، بعدما تجاوزت طاقته أكثر من 10 ملايين حاوية خلال عام 2024، متفوقًا على عدد من الموانئ المتوسطية الكبرى.
وأشار إلى أن الميناء تحول إلى منصة صناعية ولوجستية عالمية تضم أكثر من 1200 شركة تنشط في مجالات السيارات والطيران والنسيج والخدمات اللوجستية، مستفيدًا من اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
واعتبر التقرير أن هذا التطور عزز مكانة المغرب كوجهة مفضلة للشركات الأوروبية الساعية إلى نقل جزء من سلاسل التوريد والإنتاج إلى مناطق قريبة من الأسواق الأوروبية.
المعادن الاستراتيجية وصناعة البطاريات
وسلط التقرير الضوء على الدور المتنامي للمغرب في سوق المعادن الاستراتيجية الضرورية لصناعة السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الحديثة، خاصة الكوبالت والنحاس والمنغنيز والنيكل.
وأوضح أن المملكة تتجه للتحول إلى مركز إقليمي لصناعة مكونات البطاريات، عبر مشاريع استثمارية ضخمة تقودها شركات صينية ودولية لإنتاج مواد بطاريات الليثيوم، خصوصًا في الجرف الأصفر والقنيطرة وطنجة.
كما أشار إلى أن شركة مناجم وقعت اتفاقيات مع شركات أوروبية لتزويدها بالكوبالت منخفض الكربون المستخدم في صناعة البطاريات الكهربائية.
الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر
وفي المجال الطاقي، أكد التقرير أن المغرب رسخ مكانته كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين في مجال الطاقات المتجددة، رغم استمرار اعتماده على واردات الطاقة.
وأشار إلى أن المملكة رفعت هدفها المتعلق بالطاقات المتجددة إلى 56% من القدرة الكهربائية بحلول عام 2030، مدعومة بمشاريع كبرى للطاقة الشمسية والريحية، أبرزها مجمع نور ورزازات الشمسي.
كما كشف التقرير عن إطلاق مشاريع بقيمة 32.5 مليار دولار في مجال الهيدروجين الأخضر وإنتاج الأمونيا والوقود الصناعي منخفض الكربون، بهدف التحول إلى مصدر رئيسي للطاقة النظيفة نحو أوروبا.
أزمة المياه والتغيرات المناخية
وحذر التقرير من أن المغرب يواجه واحدة من أخطر أزمات الإجهاد المائي في المنطقة، نتيجة توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية.
وأوضح أن حصة الفرد من المياه تراجعت بشكل حاد مقارنة بستينيات القرن الماضي، ما جعل المملكة ضمن الدول الأكثر عرضة لندرة المياه عالميًا.
وأشار إلى أن الحكومة أطلقت مشاريع ضخمة لتحلية مياه البحر وبناء السدود وربط الأحواض المائية، مع السعي لإنتاج 1.4 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا بحلول عام 2030.
كما نبه التقرير إلى أن التغيرات المناخية تهدد القطاع الفلاحي، الذي يشغل نحو ثلث اليد العاملة المغربية، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة التصحر.
إصلاحات اجتماعية ورقمنة الاقتصاد
وسجل التقرير أن المغرب أطلق خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، أبرزها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.
وأوضح أن نسبة التغطية الصحية بلغت نحو 88% من السكان بحلول عام 2024، مع توسيع برامج الدعم الاجتماعي والتعويضات العائلية.
كما أشار إلى أن المملكة تراهن على الرقمنة والذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، بهدف خلق نحو 240 ألف وظيفة رقمية والمساهمة بما يقارب 10 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي.
وأكد التقرير أن المغرب يسعى للتحول إلى قطب إقليمي في مجال الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وقربه من أوروبا.
تحديات البطالة والفوارق الاجتماعية
ورغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، أكد التقرير أن المغرب لا يزال يواجه تحديات بنيوية معقدة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، حيث تجاوزت 35% في المدن.
كما سجل استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية بين المدن والمناطق القروية، إلى جانب ضعف مشاركة النساء في سوق العمل، والتي لا تتجاوز 22%.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد غير المهيكل لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا، فضلًا عن مشاكل البيروقراطية والفساد وضعف الحوكمة في بعض القطاعات.
الصحراء المغربية في صلب السياسة الخارجية
وفي الجانب الجيوسياسي، اعتبر التقرير أن قضية الصحراء تمثل المحور الرئيسي للسياسة الخارجية المغربية.
وأشار إلى أن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020، إلى جانب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 لسنة 2025، عززا المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي.
كما أبرز أن أكثر من 20 دولة إفريقية افتتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، في وقت تراجع فيه عدد الدول الإفريقية المعترفة بـ«البوليساريو».
علاقات متوازنة مع أوروبا وأمريكا والصين
وأكد التقرير أن الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، مستحوذًا على غالبية المبادلات التجارية والاستثمارات الأجنبية.
كما أشار إلى تنامي الشراكة المغربية الأمريكية، خصوصًا في مجالات الأمن والدفاع والتجارة، إضافة إلى تطور العلاقات مع إسرائيل بعد استئناف العلاقات عام 2020.
وفي المقابل، لفت التقرير إلى توسع الحضور الصيني في مشاريع البنية التحتية والطاقة والصناعات المرتبطة بالبطاريات والمعادن الاستراتيجية، مع حرص المغرب على الحفاظ على توازن علاقاته الدولية.
إصلاحات سياسية وحقوقية
وسجل التقرير أن المغرب شهد إصلاحات سياسية وحقوقية مهمة منذ دستور 2011، شملت توسيع صلاحيات البرلمان والحكومة وتعزيز بعض الحقوق والحريات.
كما أشار إلى تطور وضعية المرأة بعد إصلاح مدونة الأسرة، وارتفاع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، رغم استمرار تحديات مرتبطة بالعنف ضد النساء وضعف المشاركة الاقتصادية.
وفي قطاع التعليم، اعتبر التقرير أن المغرب حقق تقدمًا في نسب التمدرس، لكنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بجودة التعليم والهدر المدرسي والفوارق اللغوية.
المغرب أمام اختبار «رؤية 2035»
وخلص التقرير إلى أن المغرب يقف أمام فرصة استراتيجية لتحويل الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية إلى تنمية شاملة ومستدامة، مؤكدًا أن نجاح «رؤية 2035» سيظل مرتبطًا بقدرة المملكة على خلق فرص العمل، ومواجهة تحديات المناخ والمياه، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وأضاف أن المغرب نجح في تعزيز موقعه كفاعل محوري في شمال إفريقيا، غير أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة الإصلاحات وتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك