دراسات: قد تنخفض معدلات التضخم ولكن «الغلاء الدائم» هو السيناريو الأقرب!
تحقيق: محمد الساعي
في الجزأين الأول والثاني من هذا الملف، استعرضنا جوانب مهمة تتعلق بموضوع التضخم الذي غير قواعد اللعبة الاقتصادية عالميا، وتطرقنا الى بعض مفاهيم التضخم وتأثيرها على الراتب الاسمي والراتب الحقيقي، وعلى تغيير أنماط الاستهلاك بسبب تراجع الدخل الحقيقي. إلى جانب أبرز المؤشرات التي يمكن اعتمادها لمعرفة تأثير التضخم على الدخل. كما بحثنا العلاقة بين ارتفاع الأجور والتضخم، وتأثير هذه المشكلة على الطبقة المتوسطة تحديدا. هنا نجد سؤالا يطرح نفسه بقوة: ما هي القطاعات والوظائف التي تتضرر أكثر من غيرها من التضخم؟ وبالمقابل، ماهي القطاعات الأقل تضررا. في الواقع، يعيد التضخم رسم القطاعات «متضررين ورابحين». ففي حين هناك قطاعات تعتبر هي الأكثر تضررا، نجد أن هناك قطاعات ربما تستفيد لأنه يزيد من قيمة أصولها أو يسمح لها برفع الأسعار من دون فقدان الطلب.
ووفق دراسة اقتصاد التضخم القطاعي Inflation-growth nexus in developing economies: New empirical evidence from a disaggregated approach» والتي شملت 113 اقتصادًا ناميًا، فإن التضخم لا يؤثر على جميع القطاعات بنفس الدرجة، بل تختلف استجابة كل قطاع بحسب طبيعته الاقتصادية. وأظهرت النتائج أن القطاع الصناعي كان الأكثر تأثرًا، إذ يؤدي ارتفاع التضخم إلى تراجع النمو الصناعي بسبب زيادة تكاليف الإنتاج ومدخلات التشغيل.
فيما صنفت دراسات أخرى الأثر وفقا لطبيعة الدخل والنشاط على النحو التالي:
- الموظفون برواتب ثابتة. وهؤلاء يتضررون وان كان بشكل غير مباشر، لأن الرواتب لا ترتفع بنفس سرعة الأسعار، وبالمقابل تتآكل القوة الشرائية تدريجيًا.
- الوظائف منخفضة الأجور مثل العمالة الخدمية ووظائف التجزئة وبعض وظائف الضيافة. فهذه هذه الفئة تتأثر بشدة لأن نسبة كبيرة من دخلها تُنفق على الأساسيات، وأي ارتفاع بسيط في الأسعار يضغط مباشرة على مستوى المعيشة.
- قطاع التجزئة والمطاعم، حيث يتأثر بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل مع ضعف إنفاق المستهلكين على الكماليات، وهذا ما يؤدي الى تقليل الأرباح ثم تسريح العمال أو تقليص ساعات العمل، وكذلك رفع الأسعار وبالتالي فقدان بعض العملاء.
- الوظائف ذات الدخل الثابت أو غير المرتبط بالإنتاجية مثل بعض العقود الإدارية أو الرواتب غير القابلة للتعديل السريع، حيث لا ترتفع الأجور مع الإنتاج رغم الارتفاع المستمر في الأسعار.
بالمقابل هناك قطاعات اقل تضررا مثل قطاعات الطاقة (النفط والغاز)، حيث إن ارتفاع أسعار الوقود يزيد الإيرادات. وكذلك قطاع الأغذية والزراعة، فالطلب على الغذاء ثابت حتى مع ارتفاع الأسعار. يضاف اليها الشركات القادرة على تمرير الكلفة للمستهلك مثل الخدمات.
وأيضا قطاع المعادن السلع الأساسية، والتي يعتبر ارتفاع أسعارها ملاذا آمنا للمستثمرين (ذهب، فضة، نحاس). ويليه القطاع المرتبط بالأصول مثل العقارات الاستثمارية، حيث إن قيمة الأصول الملموسة ترتفع، مع إمكانية رفع الإيجارات.
وهناك قطاعات قد تستفيد من ارتفاعه الأسعار مثل قطاع البنوك والمؤسسات المالية، حيث ان ارتفاع أسعار الفائدة يقود الى زيادة هامش الربح.
تغير الأولويات
أمام تغير الأسعار واستمرار التضخم.. هل تغيرت أولويات الإنفاق لدى الأسر؟
الدراسات تؤكد أن ارتفاع الأسعار لا يغيّر فقط مقدار الإنفاق لدى الأسر، بل يعيد تشكيل أولوياتها بشكل جذري. بحيث تصبح «إدارة الضروريات» هي المحور الأساسي للميزانية، بينما تتراجع الكماليات والإنفاق الترفيهي تدريجيًا.
فمثلا اكدت دراسة OECD – Worries about Affording Essentials in a High-Inflation Environment التي شملت 27 ألف شخص في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن التضخم تسبب في تقلل الإنفاق على الكماليات والترفيه لدى اغلب الاسر التي اضطرت أيضا الى تأجيل شراء الكثير من السلع، وركزت ميزانياتها على الغذاء والطاقة والإيجارات. ونسبة كبيرة منها عمدت الى مدخراتها او اللجوء الى القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وخلص تقرير OECD – Aiming Better: Government Support for Households and Firms During the Energy Crisis
الى ان الكثير من العائلات خفّضت الإنفاق على السفر والمطاعم والأجهزة المنزلية والأنشطة الترفيهية.
من هنا يمكن القول: إن التضخم غير من الأنماط الاستهلاكية لدى الكثير من الاسر من خلال:
- التحول نحو الأساسيات فقط كالسكن والغذاء الأساسي والفواتير والخدمات.
- تقليص الإنفاق على الكماليات كالسفر والترفيه والمطاعم والتسوق غير الضروري.
- تغيير سلوك الاستهلاك وليس فقط كميته، فالأسر لم تعد تقلل الإنفاق فقط، بل تغيّر حتى طريقة التسوق مثل الاعتماد على العروض والتخفيضات، واختيار بدائل أرخص للسلع، وتقليل الهدر الغذائي.
- زيادة الاعتماد على القروض والبطاقات الائتمانية وعروض التقسيط لتغطية الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
- إعادة ترتيب الأولويات داخل نفس السلة، مثل تقليل جودة بعض السلع لصالح السعر، وتأجيل التعليم الخاص أو تقليل نفقاته، وتأجيل بعض القرارات مثل شراء منزل أو سيارة.
- تأثيرات طويلة الأمد مثل انخفاض او انعدام الادخار وضعف القدرة على الاستثمار وارتفاع المخاطر نتيجة أي صدمة اقتصادية.
- اللجوء إلى مصادر دخل إضافية. فالكثير من الافراد بدأوا بالبحث عن عمل إضافي او دخل جانبي مثل مشاريع منزلية او عمل حر.
دائم.. أم مؤقت؟
محور أخير نبحثه في هذا الملف، ولا يقل أهمية عن كل ما سبق، هل ما نشهده حاليا من تضخم، يمثل حالة مؤقتة؟ أم أننا دخلنا مرحلة «الغلاء الدائم»؟
اقتصاديا، التضخم ليس «مؤقتا» أو «دائما» بشكل مطلق. وهناك جوانب او أجزاء تكون مؤقتة وتمثل (صدمات أسعار)، وجوانب للأسف قد تتحول إلى تضخم مستمر وخاصة اذا ما استمرت واستقرت العوامل المسببة له.
بشكل عام، يكون التضخم مؤقتا عندما يكون ناتجًا عن عوامل قصيرة الأجل مثل اضطرابات سلاسل الإمداد، والارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة أو الغذاء، والأزمات العالمية مثل الجائحة أو الحرب، وكذلك زيادة الطلب بعد فترات الركود. ففي هذه الحالات سرعات ما تحدث حركة تصحيحية للأسعار مع تراجع الأسباب.
ولكن قد يتحول التضخم الى غلاء مستمر عندما تستمر الأسعار في الارتفاع لسنوات، وترتفع الأجور والأسعار معًا بشكل متكرر كما تناولناه في الجزء الثاني من الموضوع، حيث تحدث دوامة الأجور الأسعار، وكذلك عندما تتغير توقعات الناس وانماط استهلاكهم. ويزداد الأمر سوءا عندما تصبح العقود والإيجارات والأسعار مرتبطة تلقائيًا بالتضخم. هنا لا يمكن ان يعتبر التضخم أمرا عارضا بل جزءًا من النظام الاقتصادي اليومي.
وللأسف هذا ما حدث الى حد ما بعد جائحة كورونا. فبحسب تحليلات مؤسسات مختصة مثل International Monetary Fund، فإن التضخم بعد جائحة كورونا كان في البداية مدفوعًا بصدمات مؤقتة وخاصة سلاسل الإمدادات والطاقة، ولكنه سرعان ما تحول جزء منه إلى تضخم أكثر «عنادًا» بسبب ارتفاع الإيجارات والخدمات وسوق العمل. وبالتالي حتى لو انخفض التضخم نوعا ما فإن الأسعار نفسها لا تعود إلى الوراء.
وبالتالي يمكن القول: إن التضخم الحالي ليس بالكامل دائمًا ولا بالكامل مؤقتًا، وهو هو مزيج بين صدمات مؤقتة وتأثيرات أصبحت أكثر استمرارية. لذلك حتى عند انخفاضه، فإن مستوى الأسعار لا ينخفض عادة، بل يتوقف عن الارتفاع فقط.
وهذا ما يجعل المستهلك يشعر أنه دخل مرحلة «غلاء دائم»، لأن نقطة العودة إلى الأسعار القديمة نادرًا ما تحدث في الاقتصاد الحديث.
وهذا ما تؤيده التقارير والدراسات الاقتصادية مثل تقارير International Monetary Fund، التابعة لصندوق النقد الدولي، والتي تذهب الى أن مستقبل القوة الشرائية لا يتحدد فقط بمعدل التضخم اللحظي، بل بمدى «استمراريته» وتحوّله إلى جزء من توقعات وسلوك الأفراد والأسواق. ما يعني أن الأثر التراكمي لارتفاع الأسعار يظل قائمًا ويعيد تشكيل مستوى المعيشة على المدى الطويل.
وبالتالي إذا استمر ارتفاع الأسعار بوتيرة أعلى من نمو الأجور، فإن «القوة الشرائية» في السنوات المقبلة لن تنهار فجأة، لكنها ستتآكل تدريجيًا وبشكل تراكمي، وهذا ما يجعل تأثيرها خطيرًا لأنه غير ملحوظ يوميًا لكنه واضح على المدى المتوسط.
وهو ما يعني بحسب الدراسات استمرار تآكل الراتب الحقيقي، وانتقال جزء أكبر من الدخل إلى الضروريات، مع ازدياد اللجوء الى مصادر الدخل المتعددة مثل الوظائف الجانبية. وهو ما يعني تغير في مفهوم «الاستقرار المالي» الذي لن يُقاس فقط بالراتب، بل بالقدرة على حماية القوة الشرائية ووجود أصول أو استثمارات ومرونة مصادر الدخل.
وبالتالي نحن أمام سيناريوهين، الأول هو الاستقرار النسبي إذا ما نجحت السياسات النقدية في خفض التضخم، وحتى في هذه الحالة فإن الأسعار تبقى عند مستويات مرتفعة.
والسيناريو الثاني هو الضغط المستمر بحيث تصبح القوة الشرائية في انخفاض تدريجي مستمر، مع استمرار الغلاء كواقع دائم.
وهنا تؤكد دراسة لصندوق النقد الدولي: «Monetary Policy with Uncertain Inflation Persistence» أن صعوبة تحديد ما إذا كان التضخم «مؤقتًا أو دائمًا» تجعل البنوك المركزية تعتمد سياسات حذرة. وعندما تكون «استمرارية التضخم غير مؤكدة»، فإن الأسعار قد تبقى مرتفعة فترة أطول من المتوقع، وهذا يعني أن القوة الشرائية قد تتآكل تدريجيًا حتى لو بدأ التضخم بالانخفاض.
وتؤكد دراسة أخرى لصندوق النقد الدولي «Expectations and Inflation Persistence» أن توقعات الناس للتضخم تلعب دورًا أساسيًا في استمراره، فإذا اعتقد الناس أن الأسعار سترتفع مستقبلاً، فإنهم يغيرون سلوكهم مثل طلب أجور أعلى، وهذا ما يجعل التضخم أكثر «ثباتًا» وأقل قابلية للعودة بسرعة.
وذهبت دراسة « «Inflation Persistence Across Countries إلى أن التضخم لا يختفي بسرعة في معظم الدول، وبعض مكوناته أكثر «عنادًا» من غيرها. لذلك حتى بعد انخفاض التضخم العام، تبقى الأسعار مرتفعة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك