«ثقافة الاستهلاك» تدعم سياسات الاستدامة وتعزز الاقتصاد الدائري وتخفض البصمة البيئية
كتب: محمد الساعي
شددت الرئيس التنفيذي لجمعية حفظ النعمة، ثورة إبراهيم راشد الظاعن، على أهمية تبني ثقافة الاستهلاك الواعي في الحياة اليومية، مؤكدة ان هدر الموارد الطبيعية وفي مقدمتها الطعام، لا يقتصر على خسارة الموارد المالية فقط، بل يؤثر على البيئة والمجتمع ككل.
وأكدت الظاعن أن ثقافة الاستهلاك وتخفيف الهدر ترتبط بشكل مباشر وعميق بجهود وسياسات الاستدامة، حيث تسهم في خفض البصمة البيئية وانبعاثات الكربون وتساعد على مواجهة تغير المناخ .
كما أن وجود ثقافة استهلاك واعية في أي مجتمع يعزز الاقتصاد الدائري وروح التكافل، إلى جانب إحداث تغيير اجتماعي مهم لتحقيق استدامة طويلة الأمد. فضلا عن أن تبني الأسر لسلوكيات استهلاكية مسؤولة يسهم مباشرة في نجاح السياسات العامة للدولة فيما يخص الاهتمام بالإنسان والبيئة، حيث إن تخفيف الهدر الغذائي يأتي من ضمن الاستراتيجية الوطنية للاستدامة والتي تنعكس في رؤية مملكة البحرين 2030.
ولفتت الرئيس التنفيذي لجمعية حفظ النعمة إلى أن نسبة هدر الطعام في البحرين ارتفعت 23%، وفي حين كان معدل الهدر يبلغ حوالي 400 طن في اليوم الواحد بما يعادل حوالي 94 مليون دينار بحريني، ازداد هذا الهدر منذ عام 2022 حتى وصل إلى 493 طنا في اليوم.
وأضافت في حديث مع «أخبار الخليج»: بالنسبة الى عدد الوجبات، تمكنت جمعية حفظ النعمة من حفظ 329,636 وجبة في سنة 2024م و287,265 وجبة في سنة 2025م. فيما بلغ عدد الوجبات التي تم حفظها منذ تأسيس الجمعية وحتى شهر فبراير 2026 حوالي 3 ملايين وجبة (2,916,287 وجبة).
وأكد الظاعن ان الكلفة الاقتصادية لهدر الطعام كبيرة وتمتد لتشمل أبعاداً مالية وبيئية واجتماعية. فوفقاً لتقارير لمنظمة الأغذية والزراعة Food and Agriculture Organization (FAO)، تُقدَّر الخسائر الاقتصادية العالمية لهدر الطعام بمليارات الدولارات سنوياً، نتيجة فقدان الغذاء عبر سلاسل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. وتشمل هذه الكلفة التالي:
أولاً: الكلفة المالية المباشرة والتي تتمثل في:
* قيمة الغذاء الذي يتم إنتاجه (زراعة، نقل، تخزين، إعداد) ثم يُتلف من دون استفادة.
* خسائر تتحملها الشركات، المطاعم، الفنادق، والأسر.
* إنفاق إضافي على إدارة النفايات والتخلص منها.
ثانياً: كلفة الموارد المهدورة. فعند هدر الطعام، لا يُهدر الغذاء فقط، بل تتسع دائرة الهدر لتشمل أيضًا:
* المياه المستخدمة في الزراعة.
* الطاقة (كهرباء، وقود).
* الأراضي الزراعية.
* الأيدي العاملة وساعات العمل.
ثالثاً: الكلفة البيئية مثل:
* زيادة انبعاثات الغازات الناتجة عن تحلل الطعام في مكب النفايات ومنها غاز الميثان.
* استنزاف الموارد الطبيعية، ما يرفع تكاليف الإنتاج مستقبلًا.
* تكاليف صحية وبيئية تتحملها الحكومة.
في المواسم
ولفتت الظاعن الى ان معدل الهدر يرتفع في المواسم وخاصة في شهر رمضان المبارك، حيث يصل معدل الهدر اليومي الى أكثر من 600 طن في اليوم الواحد. وخلال النصف الأول من شهر رمضان الماضي، بلغ عدد الوجبات المحصلة 37,381 وجبة، وهو ما يعادل 50 طنا من الطعام، أما باقي النسبة فيتم هدرها تماما.
وأضافت: في المواسم نلاحظ ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات هدر الطعام، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل الاجتماعية والسلوكية. فمثلا مع ارتباط الشهر الكريم بقيم الكرم والتجمعات العائلية والعزائم، تميل الأسر والمؤسسات إلى إعداد كميات تفوق الاحتياج الفعلي، تجنباً للنقص وإظهاراً لحسن الضيافة.
كما تسهم العروض الترويجية وكثرة التسوق في زيادة شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة قد لا يتم استهلاكها بالكامل. إضافة إلى ذلك، يؤدي الصيام لساعات طويلة إلى تقدير غير دقيق لحجم الشهية، ما ينتج عنه فائض ملحوظ على موائد الإفطار، سواء في المنازل أو في الفعاليات والبوفيهات المفتوحة.
وبالتالي فإن هذه الممارسات تؤدي إلى خسائر اقتصادية وبيئية واجتماعية كبيرة. وهو ما يبرز أهمية التخطيط المسبق للكميات، وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول بما يتناسب مع هدف رقم 12 من أهداف التنمية المستدامة. وبالإضافة إلى ذلك تفعيل آليات حفظ وإعادة توزيع فائض الطعام لضمان وصوله إلى الأسر المستفيدة بدلًا من تحوله إلى نفايات.
وشددت الظاعن على أهمية تبني ثقافة الاستهلاك الواعي في الحياة اليومية، مؤكدة ان الهدر لا يقتصر على خسارة الموارد المالية فقط، بل يؤثر على البيئة والمجتمع. ومن أبرز معالم هذه الثقافة:
* التسوق أسبوعيا بدلاً عن التسوق الشهري لتقليل الكميات المشتراه.
* التخطيط للوجبات الأسبوعية قبل الشراء لتجنب الكميات الزائدة.
* الحرص على تخزين الطعام بطريقة صحيحة لزيادة فترة صلاحيته.
* التبرع بفائض الطعام وعدم رميه في المخلفات.
* إمكانية إعادة تدوير فائض الطعام الصالح بطرق مبتكرة.
* تعليم الأبناء احترام قيمة الطعام وعدم هدره.
* غرس قيمة التكافل المجتمعي وروح التطوع لدى الأبناء.
*
الاستدامة
من جانب آخر، لفتت الرئيس التنفيذي لجمعية حفظ النعمة الى ان ثقافة الاستهلاك وتخفيف الهدر ترتبط بشكل مباشر وعميق بجهود وسياسات الاستدامة على مستويات عدة، فمن جانب، تسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية، لأن الاستهلاك المفرط يؤدي إلى استنزاف الموارد. في حين ان تقليل الهدر والاستهلاك يساعد على تقليل الضغط على الموارد الطبيعية، ما يتماشى مع أهداف الاستدامة البيئية.
ومن جانب اخر، تسهم هذه الثقافة في خفض البصمة البيئية، حيث إن الطعام المهدر يتحول إلى نفايات تتحلل وتصدر غازات ضارة مثل الميثان. ومن خلال تبني ثقافة الاستهلاك المسؤول، يمكن خفض انبعاثات الكربون والمساهمة في مواجهة تغير المناخ.
يضاف الى ذلك ان وجود ثقافة استهلاك واعية في أي مجتمع يعزز الاقتصاد الدائري. فسياسات الاستدامة تشجع على إعادة استخدام الموارد وإطالة عمر المنتجات. كما أن إعادة توزيع فائض الطعام يساعد على تقليل الهدر ويعزز روح التكافل.
والى جانب ذلك، تسهم هذه الثقافة في احداث التغيير الاجتماعي المطلوب لتحقيق استدامة طويلة الأمد. كما أن كل أسرة أو فرد يطبق ممارسات استهلاك مسؤولة، يسهم في بناء مجتمع مستدام.
وبنفس الوقت، ترتبط الثقافة الاستهلاكية بالسياسات الرسمية للدولة. حيث إن تخفيف الهدر الغذائي يأتي من ضمن الاستراتيجية الوطنية للاستدامة والتي تنعكس في رؤية مملكة البحرين 2030 والتي من أبرز دعائمها الاستدامة. وهذا يعني أن تبني الأسر لسلوكيات استهلاكية مسؤولة يسهم مباشرة في نجاح السياسات العامة للدولة فيما يخص الاهتمام بالإنسان والبيئة.
طموحات وتحديات
وفيما يتعلق بجمعية حفظ النعمة التي تلعب دورا حيويا في الحد من هدر الطعام، أشارت الظاعن الى أن هناك العديد من التحديات التشغيلية والاستراتيجية،. ومن أبرز التحديات:
- الاستدامة المالية لتغطية تكاليف نقل ومعدات سلامة الطعام، وخاصة أن حجم التبرعات يتأثر بالمواسم ويشهد تفاوتاً ملحوظاً خلال العام.
- الخدمات اللوجستية التي تمثل تحدياً أساسياً، إذ يتطلب التعامل مع فائض الطعام سرعة استجابة ومركبات مجهزة وسلسلة تبريد متكاملة لضمان وصول فائض الطعام بجودة وأمان إلى الأسر المستفيدة.
- سلامة الغذاء والامتثال للأنظمة الصحية والرقابية، وهو ما يشمل معايير دقيقة في التسلم والتوزيع وآليات النقل وإعادة التعبئة والتوزيع الآمن مع الحفاظ على جودة الطعام وسمعة الجمعية.
- التنسيق مع الجهات المتبرعة والإبلاغ المبكر لضمان الاستفادة القصوى من الطعام قبل انتهاء صلاحيته ولكي يتسنى للجمعية تنسيق جداول التغطية وعدم الارتباك وتجنب إضاعة بعض الفرص.
- إدارة المتطوعين. فمن أكبر التحديات هو توفير عدد كافٍ من المتطوعين المدربين، وخاصة في المواسم عالية الطلب، وضمان جاهزيتهم للعمل الميداني السريع.
- التوعية المجتمعية. فتغيير سلوكيات الاستهلاك والهدر يتطلب جهودا مستمرة في التثقيف والإعلام بالتعاون مع الجهات المختلفة في الدولة سواء الجهات الرسمية أو الأهلية.
- قياس الأثر والتقارير. فمن أبرز التحديات أيضاً هو توثيق الكميات المتسلمة والموزعة وقياس الأثر الاجتماعي والبيئي لتعزيز الشفافية وكسب ثقة الداعمين وكل هذا يتم يدوياً والمطلوب هو المساندة والدعم التكنولوجي ولكن لا تستطيع الجمعية توفير هذا المطلب بسبب مواردنا المحدودة.
ثقافة الاستدامة
وشددت الرئيس التنفيذي للجمعية على أهمية تحويل مبادرات حفظ النعمة من جهود خيرية تطوعية إلى ثقافة عامة وسياسة وطنية مستدامة تُقاس ضمن مؤشرات التنمية الوطنية، يلزم العمل على أربعة محاور استراتيجية مترابطة:
أولاً: الإطار التشريعي والتنظيمي. وهو ما يشمل:
1. سنّ تشريعات للحد من هدر الطعام.
2. إدراج تقليل الهدر ضمن السياسات الوطنية.
3. ربط المبادرات بأهداف الاستدامة الوطنية وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وخصوصاً الهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان).
ثانياً: الحوكمة والمؤسسية. ويتمثل ذلك في:
1. تحويل جميع مبادرات حفظ النعمة إلى كيانات مؤسسية مستدامة ذات هيكل تنظيمي واضح، مجلس إدارة، سياسات مالية وتشغيلية كما هو الحال في جمعية حفظ النعمة ولا يُسمح لأي مبادرات فردية.
2. شراكات رسمية متعددة القطاعات وتعاون بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.
3. تخصيص ميزانيات وبرامج دعم حكومية يتم إدراجها ضمن برامج المسؤولية المجتمعية والتنمية الاجتماعية.
ثالثاً: القياس وإدارة الأثر، من خلال إنشاء مؤشرات قياس واضحة لقياس أثر الحد من الهدر الغذائي. ويشمل ذلك:
o بناء نظام وطني لقياس الهدر الغذائي (مؤشرات كمية أطنان الطعام المنقذة، عدد المستفيدين).
o ربط النتائج بمؤشرات التنمية الوطنية. ويشمل ذلك مؤشر خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
o تقارير دورية وشفافية. فنشر تقارير أثر سنوية تعزز المصداقية وصنع القرار المبني على البيانات.
رابعاً: التحول الثقافي والتعليمي. وهذا ما يتطلب:
1. دمج ثقافة حفظ النعمة في المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية لتعزيز الاستهلاك الواعي.
2. حملات توعوية وطنية مستمرة، والانتقال من موسمية المبادرات (مثل رمضان) إلى سلوك دائم.
3. تحفيز سلوك المستهلك وتحفيز القطاع الخاص عبر حوافز للمبادرات المسؤولة وحوافز للمنشآت والأسر الملتزمة بتقليل الهدر.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك