توفّر المنصّات الرقمية فرصًا واسعة للعمل، غير أنّ هذه الفرص لا تخلو من مخاطر؛ فقد يواجه العامل غموضًا في وضعه القانوني، وعدم استقرار في الدخل، مع ساعات عمل طويلة، وغيابٍ عن بعض صور الحماية الاجتماعية أو التأمين ضد المخاطر المهنيّة.
وليست العلاقة بين العامل وربّ العمل في الاقتصاد الرقميّ تلك العلاقة التقليديّة التي يعرفها قانون العمل؛ فالعامل في المنصات الرقميّة لا يعمل في مقرّ ثابت، ولا يتلقى أوامره من مدير مباشر، بل يتعامل مع تطبيق يحدّد مهمّاته، ويحسب له المقابل، ويراقب أداءه، وقد يقيّد وصوله إلى فرص العمل أو يعلّق حسابه. ومن هنا؛ كان التساؤل حول عدالة هذه العلاقة الرّقميّة وشفافيّتها وحفظها لكرامة العامل وحقوقه، حيث تصبح الخوارزميّة أداة الإدارة والتقييم وتوزيع فرص العمل. فإذا ما كانت طريقة احتساب الأجر غير واضحة، أو كانت أسباب تعليق الحساب غير معلنة، أو لم تكن هناك آلية تظلّم فعالة؛ فإنّ العامل يغدو ضعيفًا في مواجهة منصّة تملك قدرة كبيرة على التأثير في دخله واستمراره المهنيّ، ما قد يجعل العاملين في المنصّات عرضة للتمييز، والفصل التعسفيّ، وغموض التعويض الماليّ.
ولا تكمن المشكلة في العقد الإلكترونيّ وحده، بل تشمل مدى سيطرة المنصّة على العامل. فإنْ كانت المنصة تتحكّم في طريقة أداء العمل وتراقب العامل، وتؤثّر في دخله وفرصه؛ فإنّ العلاقة تحتاج إلى حماية أوضح بحسب الرؤية الأوروبيّة، ولذلك ركّزت القواعد الأوروبيّة الحديثة على شفافية استخدام الخوارزميّات، وتوعية العامل بأنظمة التقييم الآليّ، مع ضمان تدخّل بشريّ في القرارات المؤثّرة كتعليق الحساب على سبيل المثال.
وأمّا سنغافورة فقدّمت نموذجًا عمليًا آخر من خلال قانون عمال المنصّات الرقميّة لسنة 2024، الذي تتمثّل أهميّته في كونه لم يكتفِ بوجوب صحّة العقد الإلكترونيّ، واعترف إلى جانب هذا بخصوصيّة عامل المنصّة وحاجته إلى حماية مناسبة لطبيعة العمل الرقميّ، وخاصّة فيما يتعلّق بإصابات العمل والإسهامات الادّخاريّة والتقاعديّة.
واستلهمت البحرين من هذه التجارب منهجها في تطوير قواعد مكمّلة لقانون العمل وقانون المعاملات الإلكترونيّة، فنظّم المرسوم بقانون رقم 54 لسنة 2018 بشأن الاتصالات والمعاملات الإلكترونيّة الإطارَ القانونيّ للتعاملات والسجلات والتوقيعات الإلكترونيّة. ويمكن أن يتّجه الإصلاح القانونيّ والتشريعيّ إلى اشتراط شفافية احتساب المقابل الماليّ، وبيان أسباب تعليق الحساب أو إنهائه، وتوفير آلية تظلّم واضحة، والنظر في حماية العامل من المخاطر المهنيّة أثناء أداء الخدمة عبر التطبيق. وهذا ينسجم مع ما تشير إليه الأدبيّات الدوليّة فيما يتعلّق بأهميّة التنظيم المصمّم خصيصًا لعاملي المنصّات، بحيث يوازن بين الحماية والواقعيّة، ويتجنّب فرض نماذج لا تناسب طبيعة السوق أو قدرة التطبيق.
إنّ حماية العامل في الاقتصاد الرقميّ شرط لجعل الابتكار أكثر عدالة واستدامة. وينبغي أن تكون التكنولوجيا أداة للتمكين لا وسيلة لإضعاف الحماية. والعامل في المنصّة الرّقميّة يحتاج إلى إطار يحميه من الغموض والتعسّف والضرر، ويضمن أن تبقى العلاقة الرقميّة علاقة عادلة تحفظ الكرامة والحقوق، فضلًا عن حاجته إلى تطبيق يصله بالعمل.
محاضر رئيس في معهد البحرين للدراسات المالية والمصرفية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك