في وجدان كل بحريني، يظل مقام حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه مقاماً راسخاً، نحفظ له قدره، ونخاطبه بثقة تليق به، ونرى في حضوره طمأنينة هذا الوطن واستقراره. وحين تضيق المواقف أو يعلو فيها الصوت، نعود إلى هذا الثبات، فنهدأ، ونفهم، ونُحسن التقدير قبل أن نتحدث.
ومن هذا الثبات، تتشكل طريقة فهمنا للقرارات التي تمس الوطن. وقد أكد جلالته، حفظه الله، أن الوطن فوق الجميع، وأن مملكة البحرين أمانة في أعناق أبنائه، فكان ذلك ميزاناً واضحاً تُقاس به المواقف، وتُفهم من خلاله حدود المسؤولية، خاصة في القضايا التي تمس أمن الدولة واستقرارها.
وفي ضوء هذا الميزان، شهدت المملكة مؤخراً محطة مفصلية كشفت طبيعة المرحلة، وأكدت أن الأمن الوطني يُدار ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح، يقوم على أسس راسخة من التشريع والانضباط. ومن هنا، فإن هذه القضايا لا تُقرأ على نحو عابر، وإنما تحتاج إلى فهم دقيق، وتقدير واعٍ، وقراءة متأنية تتجاوز الانطباع السريع.
وفي هذا السياق، جاء القرار السيادي بسحب الجنسية ضمن إطار قانوني قائم، ينظم الحالات التي يُعد فيها الإخلال بواجب الولاء أو الإضرار بمصالح الدولة سبباً لاتخاذ إجراء محدد. وهو بذلك يمثل تفعيلاً لنصوص قانونية معروفة، تُطبّق عند تحقق شروطها، وفق إجراءات مؤسسية تضمن حماية الأمن والاستقرار، وتحافظ في الوقت ذاته على تماسك المجتمع.
وانطلاقاً من هذا النهج، فإن نشر أسماء من شملتهم هذه الإجراءات يعكس التزاماً بالشفافية، ويضع المجتمع أمام الوقائع كما هي، ويؤكد أن القرارات تُبنى على معطيات محددة، وأن المواطنة مسؤولية تُقاس بالفعل.
وفي هذه المساحة تحديداً، يتحدد معنى التعامل المدني مع القرار السيادي؛ فهو يقوم على فهم القرار في سياقه، واحترام إطاره، وضبط الخطاب بما يعكس المسؤولية. فالكلمة في القضايا السيادية ليست تفصيلاً، وكلما كان موقع المتحدث أعلى، كانت مسؤوليته أكبر، وكان أثر كلمته أعمق.
وبهذا المعنى، ومن الناحية الدستورية، فإن عضو مجلس النواب يتمتع بحق التعبير عن الرأي، وهو حق مكفول، يُمارس ضمن حدود الدستور والقانون، وبما لا يتعارض مع المصلحة العامة أو يمس أمن الدولة. كما أن اليمين الدستورية التي يؤديها عضو المجلس تضع عليه التزاماً واضحاً بالحفاظ على مصالح الوطن واحترام القوانين، وهو ما يفرض عليه قدراً أعلى من الاتزان في الطرح والتقدير.
وفي هذا الإطار، طُرحت بعض المداخلات التي لم تنسجم مع طبيعة القرار ولا مع حساسية توقيته، حيث عكست طرحاً سبق الفهم، ولم يُحط بأبعاده على النحو الكافي. وقد بلغ أثر هذه المداخلات حداً من الغضب، انعكس في وضوح الموقف الرسمي، وما تبعه من توضيح أعاد ضبط الخطاب ووضعه في سياقه الصحيح.
ويُعد الاعتذار اللاحق خطوة مهمة، تعكس إدراكاً لحساسية الموقف، وتسهم في إعادة التوازن. غير أن طبيعة العمل العام لا تقف عند حدود الاعتذار، وإنما تمتد إلى مراجعة أعمق في الفهم، وارتفاع في مستوى المسؤولية، بما ينسجم مع طبيعة الملفات السيادية ودقة التقدير الواجب فيها.
ومن هنا، فإن المجتمع في مثل هذه اللحظات يحتاج إلى كلمة تُطمئن، وموقف يُعزز الثقة، وخطاب يعكس فهماً لا انفعالاً. وما اعتدناه في البحرين نهج واضح يقوم على الحزم حين يتطلب الأمر، وعلى الاحتواء حين يكون ذلك ممكناً، وهو توازن يمنح المجتمع شعوره بالاطمئنان، ويؤكد أن الأمور تُدار بوعي ومسؤولية.
وفي خضم ذلك، تتجلى الحقيقة الأهم: في لحظات كهذه، لا تُختبر القرارات، وإنما تُختبر المواقف منها.
سيدي، نحن لا نرضى أن يصلك منّا ما قد يبعث على الغضب، ولا أن يُرفع إليكم صوت لا يليق بمقامكم، ولا أن تُعرض أمامكم مواقف لا تعكس وعي هذا الوطن ولا قدره. نحن نعرف موقعكم، ونحفظ مكانتكم، ونحرص أن تبقى الصورة كما تليق بكم، وبالبحرين التي تقودونها بثبات.
ولا نرضى، سيدي، أن يُختزل هذا الوطن في كلمات عابرة، أو مواقف لا تزن الأمور بميزانها الصحيح. ولا نرضى أن يختل صفه، أو أن يعلو فيه طرح لا يعكس ما عُرف عن أهله من اتزان وولاء.
ما نرضاه، سيدي، هو موقف يثبت عند الاختبار، وكلمة تُحسن التقدير، وخطاب يليق بمقامكم، وولاء لا يتبدل.
سمعاً وطاعة سيدي… وموقفنا ثابت في مسؤوليتنا تجاه الوطن واستقراره.
البحرين أمانة… وستبقى أمانة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك