العدد : ١٧٥٩٢ - السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٢ - السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

لوطنك ولاؤك… ومن دونه سقوط انتمائك

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

إنّ‭ ‬للأوطانِ‭ ‬ميزانًا‭ ‬لا‭ ‬يختلّ،‭ ‬وإن‭ ‬اختلطت‭ ‬الأصوات،‭ ‬ولا‭ ‬يضلّ‭ ‬وإن‭ ‬كثرت‭ ‬الدعوات؛‭ ‬ميزانُهُ‭ ‬القلوبُ‭ ‬قبل‭ ‬الألسن،‭ ‬والولاءُ‭ ‬قبل‭ ‬الادّعاء،‭ ‬والصدقُ‭ ‬قبل‭ ‬الشعار‭. ‬فإذا‭ ‬استقام‭ ‬القلبُ‭ ‬على‭ ‬وطنه،‭ ‬استقام‭ ‬أمرُ‭ ‬صاحبه،‭ ‬وإذا‭ ‬اضطرب،‭ ‬لم‭ ‬تُغنِ‭ ‬عنه‭ ‬كثرةُ‭ ‬القول‭ ‬ولا‭ ‬زخرفُ‭ ‬البيان‭.‬

ولقد‭ ‬جاءت‭ ‬أوامرُ‭ ‬وتوجيهاتُ‭ ‬حضرةِ‭ ‬صاحبِ‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬فاصلةً‭ ‬لا‭ ‬التباس‭ ‬فيها،‭ ‬حاسمةً‭ ‬لا‭ ‬مواربة‭ ‬معها،‭ ‬وتضعُ‭ ‬الأمورَ‭ ‬في‭ ‬نصابها؛‭ ‬إذ‭ ‬بيّنت‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬مساحةً‭ ‬تُسكن،‭ ‬بل‭ ‬أمانةٌ‭ ‬تُصان،‭ ‬وأن‭ ‬المواطنة‭ ‬عهدٌ‭ ‬يُوفى،‭ ‬وأنّ‭ ‬من‭ ‬أخلّ‭ ‬بالعهد‭ ‬سقط‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬تعلّق‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دعوى‭.‬

وما‭ ‬أكثرَ‭ ‬من‭ ‬لبسوا‭ ‬لبوسَ‭ ‬الانتماء،‭ ‬وقلوبُهم‭ ‬موزّعةٌ‭ ‬بين‭ ‬راياتٍ‭ ‬شتّى،‭ ‬فإذا‭ ‬نادى‭ ‬الوطنُ‭ ‬خفَتَ‭ ‬صوتهم،‭ ‬وإذا‭ ‬تحدّث‭ ‬الغريبُ‭ ‬ارتفع‭ ‬شأنُهم‭! ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬جعلوا‭ ‬ولاءهم‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الدار،‭ ‬يقدّمونه‭ ‬في‭ ‬السمع‭ ‬والطاعة،‭ ‬ثم‭ ‬إذا‭ ‬سُئلوا‭ ‬قالوا‭: ‬نحن‭ ‬من‭ ‬أهلها‭! ‬فأيُّ‭ ‬أهلٍ‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وقد‭ ‬باعوا‭ ‬المعنى‭ ‬وأبقوا‭ ‬الاسم؟

وهنا‭ ‬وجب‭ ‬البيانُ‭ ‬الصريحُ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬موضعًا‭ ‬للالتباس؛‭ ‬فإنّ‭ ‬خيانةَ‭ ‬الوطن‭ ‬هي‭ ‬أفعالٌ‭ ‬يختارها‭ ‬أفراد،‭ ‬قدّموا‭ ‬الولاءَ‭ ‬لجهاتٍ‭ ‬خارجية‭ ‬على‭ ‬حقّ‭ ‬الوطن‭ ‬عليهم،‭ ‬وخانوا‭ ‬الوطن‭ ‬وغدروا‭ ‬به‭. ‬ولذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُؤخذ‭ ‬المرءُ‭ ‬بفعله؛‭ ‬فمن‭ ‬صان‭ ‬الوطن‭ ‬فهو‭ ‬منه،‭ ‬ومن‭ ‬اعتدى‭ ‬عليه‭ ‬فقد‭ ‬حدّد‭ ‬موقعه‭ ‬بيده‭.‬

وإنّ‭ ‬من‭ ‬أعجبِ‭ ‬العجب،‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬يُقيم‭ ‬بيننا‭ ‬جسدًا،‭ ‬ويُقيم‭ ‬قلبه‭ ‬عند‭ ‬غيرنا‭ ‬منزلًا،‭ ‬ينهل‭ ‬من‭ ‬خطابٍ‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ويستمدّ‭ ‬وجهته‭ ‬من‭ ‬خارجها،‭ ‬ثم‭ ‬يطلب‭ ‬أن‭ ‬يُحسب‭ ‬من‭ ‬أهلها‭! ‬لا‭ ‬هو‭ ‬استقرّ‭ ‬على‭ ‬صدقٍ‭ ‬يُعلن،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬انصرف‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يميل‭ ‬قلبه‭ ‬فيُعرف؛‭ ‬بل‭ ‬أقام‭ ‬في‭ ‬منزلةٍ‭ ‬بين‭ ‬منزلتين،‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بها‭ ‬أوطان،‭ ‬ولا‭ ‬تُصان‭ ‬بها‭ ‬حدود‭.‬

فإن‭ ‬كان‭ ‬الهوى‭ ‬قد‭ ‬استقرّ‭ ‬هناك،‭ ‬والولاء‭ ‬قد‭ ‬انعقد‭ ‬لغير‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬الإنصاف‭ ‬أن‭ ‬يُحمَّل‭ ‬الوطنُ‭ ‬تبعاتَ‭ ‬قلبٍ‭ ‬لم‭ ‬يختره،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تُفرض‭ ‬عليه‭ ‬تبعاتُ‭ ‬ولاءٍ‭ ‬لم‭ ‬يُعقد‭ ‬له‭. ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬القلوب‭ ‬المعلّقة،‭ ‬ولا‭ ‬تُحمى‭ ‬بالانتماءات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬تُصان‭ ‬بمن‭ ‬جعلها‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اعتبار،‭ ‬وأعلى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ولاء،‭ ‬وأصدق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شعار‭.‬

ومن‭ ‬العدل،‭ ‬أن‭ ‬يُميَّز‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬صدق‭ ‬في‭ ‬انتمائه،‭ ‬ومن‭ ‬اتخذ‭ ‬الوطن‭ ‬ستارًا‭ ‬لغيره؛‭ ‬فلا‭ ‬يُساوى‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يحرس‭ ‬الباب،‭ ‬ومن‭ ‬يفتحُه‭ ‬لغير‭ ‬أهله،‭ ‬ولا‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يصون‭ ‬العهد،‭ ‬ومن‭ ‬ينقضه‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬امتحان‭. ‬فإذا‭ ‬تقرّر‭ ‬هذا،‭ ‬كان‭ ‬الحزم‭ ‬عدلًا،‭ ‬وكان‭ ‬الفصل‭ ‬ضرورة،‭ ‬وكان‭ ‬إعمال‭ ‬القانون‭ ‬حفظًا‭ ‬للدار‭ ‬لا‭ ‬تعدّيًا‭ ‬عليها‭.‬

ولا‭ ‬يقفُ‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬أضمر‭ ‬ولاءً‭ ‬لغير‭ ‬وطنه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتعدّاه‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬سوّلت‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬ذلك‭ ‬خيانةً‭ ‬قولًا‭ ‬أو‭ ‬فعلًا،‭ ‬ومسًّا‭ ‬بأمن‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬انتقاصًا‭ ‬من‭ ‬استقراره؛‭ ‬فهؤلاء‭ ‬قد‭ ‬خرجوا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الادّعاء‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬الفعل‭. ‬وهم‭ ‬أولى‭ ‬بالحزم‭ ‬وأجدر‭ ‬بالفصل؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يُستباح‭ ‬أمن‭ ‬وطن،‭ ‬ولا‭ ‬تُخدش‭ ‬طمأنينته،‭ ‬ثم‭ ‬يُطلب‭ ‬لهؤلاء‭ ‬سترٌ‭ ‬أو‭ ‬تساهلٌ‭. ‬فالوطن‭ ‬لا‭ ‬يُصان‭ ‬بالنيات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بحماية‭ ‬حدوده‭ ‬وصون‭ ‬أمنه،‭ ‬ومن‭ ‬اعتدى‭ ‬عليه‭ ‬فقد‭ ‬قدّم‭ ‬حجّته‭ ‬بيده،‭ ‬واستوجب‭ ‬ما‭ ‬يليق‭ ‬بفعله‭ ‬من‭ ‬حسابٍ‭ ‬وعدلٍ‭ ‬لا‭ ‬هوادة‭ ‬فيه‭.‬

وهنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬حكمة‭ ‬القيادة،‭ ‬حين‭ ‬تقرن‭ ‬الحزم‭ ‬بالعدل،‭ ‬والوضوح‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬فتُعلي‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الانتماء‭ ‬الصادق،‭ ‬وتضع‭ ‬حدًا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬التبس‭ ‬عليه‭ ‬الطريق،‭ ‬أو‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الوطن‭ ‬ساحةً‭ ‬لولاءاتٍ‭ ‬متنازعة،‭ ‬لا‭ ‬يجمعها‭ ‬جامع،‭ ‬ولا‭ ‬يضبطها‭ ‬ميزان‭.‬

فالوطن،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬أرضًا‭ ‬تسكنها،‭ ‬بل‭ ‬معنىً‭ ‬يُعاش؛‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يعشه‭ ‬صدقًا،‭ ‬فلن‭ ‬تنفعه‭ ‬مظاهرُه،‭ ‬ولن‭ ‬تستره‭ ‬عناوينُه،‭ ‬وسيبقى‭ ‬غريبًا‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬مكشوفًا‭ ‬في‭ ‬موقفه‭.‬

لوطنِكَ‭ ‬ولاؤُكَ‮…‬‭ ‬ومن‭ ‬دونه‭ ‬سقوطُ‭ ‬انتمائِك‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا