في ظل وعي متزايد بأن النصائح الصحية العامة التي تعتمد نهجاً موحداً يناسب الجميع غالباً ما تفشل في تحقيق النتائج المرجوة، يشرح استشاري طب الأسرة في البحرين الدكتور حسن عبدالجبار كيف تُحدث الرعاية المُخصصة والخالية من النظرة السلبية تحولاً في الممارسة الطبية.
ويؤكد أن هذا التوجه لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المجتمعات وتنوع الخلفيات والسلوكيات الصحية، إلى جانب التحديات المتزايدة المرتبطة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وقضايا السمنة والتدخين. كما يسلّط الضوء على أهمية الانتقال من تقديم النصائح العامة إلى تصميم خطط صحية تنسجم مع واقع حياة المرضى، مع التركيز على بناء علاقة قائمة على الاحترام والشراكة، وتوفير بيئة علاجية آمنة خالية من الأحكام، بما يعزز ثقة المرضى ويشجعهم على طلب الدعم واتخاذ خطوات واقعية نحو تحسين صحتهم.
الرعاية المُخصصة… حجر
الأساس للرعاية الفعالة
وأوضح أن الرعاية المُخصصة أصبحت بسرعة حجر الأساس للرعاية الفعالة، وأعتقد أنها تكتسب أهمية خاصة في منطقة الخليج. فمرضانا ينتمون إلى خلفيات متنوعة، ويحملون معتقدات وتقاليد وسلوكيات صحية مختلفة. ومن خلال عملي، لاحظت مراراً أن النصائح العامة مثل «قلل من تناول الطعام» أو «مارس الرياضة أكثر» نادراً ما تؤدي إلى تغيير مستدام.
في المقابل، يستجيب المرضى بشكل أفضل عندما نمنح الوقت لفهم ظروفهم الخاصة: جداول عملهم، مسؤولياتهم العائلية، عاداتهم وتقاليدهم، حتى دوافعهم ومخاوفهم. التخصيص يعني تصميم خطط صحية تنسجم مع واقع حياتهم اليومية، لا أن تقتصر فقط على ما هو مدون في ملفاتهم الطبية. ألاحظ على وسائل التواصل الاجتماعي مدى تقدير الناس للنصائح التي يشعرون بأنها موجهة إليهم شخصياً، لذلك أحرص على استخدام منصتي لمشاركة إرشادات عملية تراعي الخصوصية الثقافية ويمكن تطبيقها فعلياً. في النهاية، الرعاية المُخصصة تقوم على الاحترام والشراكة، فهي تعني أن نسير إلى جانب مرضانا، لا أن نكتفي بإعطائهم التعليمات من بعيد.
المؤشرات الحيوية… نافذة لفهم
تأثير نمط الحياة
وفيما يتعلق بالطب الدقيق، أشار إلى دراسة بارزة صدرت عام 2025 بعنوان (مستقبل الطب الدقيق: العلاجات الموجهة، والطب المخصص، واستراتيجيات التصنيع الدوائي - MDPI)، مؤكداً أن الرعاية المخصصة المبنية على المؤشرات الحيوية أصبحت الآن مدعومة بالأدلة الطبية للأمراض التي تُشكل العبء الأكبر على نظام الرعاية الصحية في البحرين. وأوضح أن فكرة أن عاداتنا تترك آثاراً بيولوجية فكرة رائعة وملهمة في آنٍ واحد. تُتيح لنا المؤشرات الحيوية نافذة نطل منها على كيفية تأثير خيارات نمط الحياة - سواءً كانت جيدة أم سيئة - على أجسامنا، أحياناً قبل ظهور الأعراض. في البحرين، حيث تنتشر الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب، يمكن أن يساعدنا استخدام المؤشرات الحيوية في اكتشاف المشاكل مبكراً وتصميم خطط وقائية لكل فرد. بالنسبة للمرضى، يمكن أن يكون الاطلاع على بيانات حقيقية حول صحتهم حافزاً قوياً لإجراء تغييرات. إنه العلم في خدمة الأمل، وأعتقد أنه سيغير طريقة تعاملنا مع الوقاية في عياداتنا ومجتمعاتنا.
كسر الوصمة.. بيئة آمنة خالية من الأحكام
وأكد أن التحيّز والنظرة السلبية يشكلان عائقين كبيرين في الرعاية الصحية، لا سيما فيما يتعلق بقضايا مثل السمنة والتدخين. من واقع خبرتي، غالباً ما يكون التحيز والنظرة السلبية بمثابة عوائق خفية تمنع المرضى من طلب المساعدة أو التحدث بصراحة عن معاناتهم. في البحرين، حيث الروابط المجتمعية والأسرية متينة، قد يكون الخوف من الحكم عليهم أكثر حدة. لقد تعاملت مع مرضى تأخروا في زيارة العيادة لسنوات لأنهم شعروا بالخجل من أوزانهم أو من عاداتهم في التدخين، أو أخفوا معاناتهم حتى عن أقرب الناس إليهم. كأطباء، تقع على عاتقنا مسؤولية توفير بيئة آمنة وخالية من إصدار الأحكام، يشعر فيها المريض بأنه مرئي ومسموع كإنسان، لا كمجرد «حالة» طبية. ويبدأ ذلك باللغة التي نستخدمها - بتجنب أوصاف مثل «غير ملتزم» أو «كسول» - ويمتد إلى لغة الجسد وطريقة الإصغاء والتفاعل. كما أؤمن بأهمية مشاركة التجارب، سواء في العيادة أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لإضفاء طابع إنساني على هذه التحديات وإظهار أن التغيير ممكن. ومن خلال مشاركة تجارب حقيقية لمرضى تجاوزوا الأحكام المسبقة أو مازالوا في رحلة التعافي يمكننا مساعدة الآخرين على الشعور بأنهم ليسوا وحدهم وتشجيعهم على طلب الدعم.
السمنة.. تحدٍ معقد ونهج
الحد من المخاطر
وفيما يتعلق بإدارة السمنة، أوضح أنها تُعد واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية من الناحية العاطفية التي نواجهها في طب الأسرة. في عيادتي المتخصصة بالسمنة، ألتقي بمرضى جرّبوا كل الحميات الغذائية وبرامج التمارين الرياضية، وغالباً ما يلومون أنفسهم على «الفشل»، بينما تكون المشكلة في الواقع أكثر تعقيداً بكثير. يكمن التحدي الأكبر في كسر حلقة الشعور بالذنب والإحباط، ومساعدة المرضى على إدراك أن التقدم ممكن، حتى وإن لم يكن مثالياً.
فالرعاية المتكاملة التي تركز على المريض تعني النظر إلى ما هو أبعد من مجرد الوزن - عبر الاهتمام بالصحة النفسية، والنوم، والدعم الاجتماعي، وحتى العوائق الاقتصادية التي قد تحول دون تبنّي نمط حياة صحي. يُعد الحد من المخاطر، بشكل عام، نهجاً يُقر بأن النتيجة المثالية قد لا يكون ممكناً للجميع على الفور، لكن لا يزال بإمكاننا إحراز تحسينات ملموسة من خلال الحد من الآثار السلبية للسلوكيات غير الصحية. ويلعب هذا النهج دوراً محورياً هنا، سواء عبر استبدال وجبة غير صحية يومياً بخيار أكثر قيمة غذائية، أو من خلال دمج علاجات طبية مبتكرة قائمة على الأدلة، بما في ذلك مثبطات الشهية القابلة للحقن. وعلى الرغم من أن هذه التدخلات ليست خالية من المخاطر، فقد أظهرت الدراسات السريرية أنها تحقق فوائد ملموسة في خفض الوزن والسيطرة على الإفراط في تناول الطعام. وبشكل عام، فإن تأثيرها الإيجابي يفوق المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة بالسمنة وزيادة الوزن.
التدخين.. الحد من المخاطر
كخطوة انتقالية
أما بالنسبة للتدخين، فأوضح أن نهج الحد من المخاطر يُشكل استراتيجية عملية وإنسانية، لا سيما لأولئك الذين حاولوا الإقلاع عن التدخين بالطرق التقليدية دون جدوى. وفي مملكة البحرين، حيث يمثل التدخين تحدياً صحياً كبيراً، يبرز تقديم بدائل أقل ضرراً ليس كبديل عن الإقلاع، بل كوسيلة لفهم واقع المدخنين ومساعدتهم على تقليل الأضرار أثناء سعيهم للتوقف النهائي. وعلى الرغم من أن منتجات مثل أكياس النيكوتين، والتبغ المسخن، والسجائر الإلكترونية ليست خالية تماماً من المخاطر، إلا أنها تظل أقل ضرراً بكثير من السجائر التقليدية كونها تقضي على عملية احتراق التبغ.
ومن الضروري في هذا السياق تصحيح المفهوم الخاطئ الشائع، فالنيكوتين بحد ذاته ليس مادة مسرطنة، وهو أمر مثبت طبياً من خلال استخدام لصقات وعلكة النيكوتين لعقود دون ارتباط بالسرطان، ويظل التثقيف والدعم المستمر ركيزتين أساسيتين مع بقاء الإقلاع التام هو الهدف المنشود، ولكن يبقى للحد من المخاطر دور جوهري في البيئة المحلية كخطوة انتقالية فعالة.
ويُعد الدكتور حسن عبد الجبار استشاري طب الأسرة في مملكة البحرين، من الكفاءات الطبية البارزة في مجال الرعاية الصحية الأولية، حيث يشغل حالياً منصب استشاري في مستشفى الإرسالية الأمريكية، بعد مسيرة مهنية في المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة.
ويمتلك خبرة واسعة في إدارة الأمراض المزمنة وتعزيز مفاهيم الصحة الوقائية، كما كان من الكوادر الطبية في الصفوف الأمامية خلال جائحة كورونا، وأسهم في تقديم الرعاية الصحية في ظروف استثنائية. إلى جانب ذلك، يحمل تأهيلاً أكاديمياً متقدماً، وشارك في إعداد ونشر عدد من الدراسات العلمية في مجلات طبية دولية، فضلاً عن إسهاماته في التوعية المجتمعية عبر المحاضرات ووسائل الإعلام
في ظل وعي متزايد بأن النصائح الصحية العامة التي تعتمد نهجاً موحداً يناسب الجميع غالباً ما تفشل في تحقيق النتائج المرجوة، يشرح استشاري طب الأسرة في البحرين الدكتور حسن عبد الجبار كيف تُحدث الرعاية المُخصصة والخالية من النظرة السلبية تحولاً في الممارسة الطبية.
ويؤكد أن هذا التوجه لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المجتمعات وتنوع الخلفيات والسلوكيات الصحية، إلى جانب التحديات المتزايدة المرتبطة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وقضايا السمنة والتدخين. كما يسلّط الضوء على أهمية الانتقال من تقديم النصائح العامة إلى تصميم خطط صحية تنسجم مع واقع حياة المرضى، مع التركيز على بناء علاقة قائمة على الاحترام والشراكة، وتوفير بيئة علاجية آمنة خالية من الأحكام، بما يعزز ثقة المرضى ويشجعهم على طلب الدعم واتخاذ خطوات واقعية نحو تحسين صحتهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك