لم يكن النزال الرياضي الذي جمع فريقي دار كليب والأهلي مجرد مباراة مؤجلة من الجولة التاسعة عشرة في دوري عيسى بن راشد للكرة الطائرة، بل كانت محطة مفصلية في رسم ملامح بطل الموسم. لقاء بحجم هذه المواجهة لا يقاس فقط بنتيجته، بل بما يكشفه من فروق ذهنية وتكتيكية بين فريقين يتطلعان إلى القمة، وفي هذا الاختبار، أكد دار كليب أنه الفريق الأكثر نضجا وثباتا، بعدما كرر تفوقه على الأهلي بنتيجة (3-2) وهي نتيجة الدور الأول ذاتها، ليواصل صدارته من دون أي خسارة، ويقصي منافسا مباشرا من سباق اللقب.
في المقابل، خسر الأهلي أكثر من مجرد مباراة، خسر فرصة البقاء في قلب المنافسة، وترك الباب مفتوحا أمام صراع ثنائي أكثر وضوحا بين دار كليب والمحرق، في مشهد يبدو أنه سيتحدد بشكل كبير في المواجهة المرتقبة بينهما المقرر لها 14 أبريل الجاري ضمن منافسات الجولة الخامسة والعشرين الجولة ما قبل الأخيرة.
إحصائية هجومية
اقتصرت إحصائيتنا على ثلاثة لاعبين فقط وهم الكيني إينوك لاعب مركز2 في صفوف دار كليب، وعلي إبراهيم لاعب مركز2 في صفوف الأهلي وزميله البرازيلي لوكاس لاعب مركز 4، مع تقديرنا لبقية الضاربين الذين كان لهم حضور ملموس في المباراة أمثال الكابتن محمود عبد الواحد وزميله حسن الورقاء وحسن عباس وعلي محمد عبد النبي (دار كليب) ومحمود عبد الحسين وهاني عليوي ومحمد حبيب وحسن الشاخوري (الأهلي).
وقد سحب الكيني إينوك البساط من تحت الجميع، إذ رأيناه لا يكل ولا يمل من تسجيل النقاط التي بلغت تقديريا 41 نقطة، واصطاده حائط صد الأهلي في قرابة 8 مناسبات. يليه البرازيلي لوكاس الذي سجل قرابة 24 نقطة مباشرة، ثم زميله علي إبراهيم الذي منح فريقه قرابة 16 نقطة مباشرة.
لعبة البايب
عدد مرات الهجوم من مركز6 على طريقة لعبة البايب جاء شحيحا جدا، إذ بلغ 6 طلعات هجومية، 3 لكل فريق.
الهجوم من مركز 3
حقق الأهلي 11 نقطة مباشرة من الهجوم من مركز3، مقابل 8 نقاط مباشرة لدار كليب.
قرارات فنية تحت المجهر
الزج بصانع اللعب المخضرم محمود حسن وزميله حسن الشاخوري لاعبا الأهلي قد أنعش أداء فريقهما، غير أنّ إخراج محمود خلال الشوط الفاصل قد ترك علامة استفهام كبيرة، علما بأنّ مثل هذه المباريات وخاصة في تفاصيلها الحاسمة تحتاج إلى معد متمرس وصاحب خبرة، وعرك مثل هذه المواقف، ولذلك رأينا الأهلي ينهار في الشوط بعد أن كان الفارق نقطة واحدة لصالح دار كليب 8-7.
الأرقام لا تكذب لكنها ..
عند النظر إلى أرقام المباراة التقريبية، قد يبدو لنا أن الأهلي كان الطرف الأفضل، إذ أظهر قوة واضحة على مستوى حائط الصد (14 مقابل 7). إلا أن هذه الأفضلية على مستوى الأرقام لم تترجم إلى فوز، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز الأرقام إلى طبيعة توزيعها وتوقيتها.
أن الفارق بين الفريقين لم يكن في القدرة على إنهاء الهجمات، بل في إدارة اللحظات الحساسة. وهنا يظهر العامل الحاسم: الأخطاء، إذ ارتكب الأهلي 31 خطأ مباشرا مقابل 22 فقط لدار كليب، وهو فارق كبير في مباراة امتدت إلى خمسة أشواط.
الحقيقة التي تؤكدها هذه الأرقام: أن المباريات الكبرى لا يفوز بها من يسجل أكثر فقط، بل من يخطئ أقل في التوقيت الحرج.
معركة الأطراف
تكتيكيا، دخل الفريقان المباراة بخطة قد تكزن متشابهة، قوامها الضغط بالإرسال على أطراف الاستقبال، ومحاولة إبعاد صانع الألعاب عن خياراته المريحة، لكن الفارق الحقيقي ظهر في كيفية استثمار هذه الخطة.
دار كليب من خلال صانع ألعابه علي حبيب لعب بمبدأ (اللي تفوز به العب به) إذ وجه كراته بنسبة كبيرة نحو الضارب الأكثر جاهزية، الكيني إينوك، الذي قدم أداء استثنائيا مسجلا قرابة 41 نقطة، في واحدة من أبرز العروض الفردية هذا الموسم.
في المقابل، افتقد الأهلي لهذا الوضوح، صحيح أنه امتلك تنوعا هجوميا نسبيا عبر لوكاس وعلي إبراهيم ومحمود عبد الحسين، وتدخلات هاني عليوي ومحمد حبيب (حسن الشاخوري) إلا أن هذا التنوع لم يتحول إلى أفضلية حقيقية، بل بدا في بعض الفترات كأنه تشتت في الخيارات، خاصة في النقاط الحاسمة.
لماذا أخفق الأهلي في إيقاف إينوك؟
رغم وضوح اعتماد دار كليب بنسبة كبيرة ومكشوفة على إينوك، إلا أن الأهلي لم ينجح في الحد من خطورته، وهو ما يطرح تساؤلا فنيا مهما، والإجابة تكمن في عدة عوامل مترابطة:
ضعف التمركز في حائط الصد، خاصة في إغلاق الزوايا الحادة، تأخر في قراءة اتجاه الضرب، ما أفقد الصد فعاليته، غياب التغطية الدفاعية خلف حائط الصد، ما سمح بمرور الكرات المرتدة بسهولة، هذه العوامل مجتمعة جعلت من إينوك لاعبا شبه حر في الهجوم بلا اعتبار، وهو أمر نادر في مباريات بهذا المستوى.
الإرسال ينقلب على الأهلي
إذا كان هناك عامل واحد يمكن اعتباره نقطة التحول في المباراة، فهو بلا شك الإرسال، فالأهلي ارتكب قرابة 31 خطأ، منها أن لاعبيه أضاعوا 17 إرسالا، وهو رقم مرتفع جدا في مباراة متكافئة.
هذه الأخطاء لم تكن مجرد نقاط مهدرة، بل منحت دار كليب نقاطا مجانية، وراحة في الاستقبال، أفضلية نفسية في اللحظات الحاسمة.
في المقابل، كان دار كليب أكثر توازنا في مخاطرة الإرسال، فلم يفرط في القوة على حساب الدقة، في مباريات الأشواط الخمسة، الإرسال سلاح استراتيجي قد يحسم النتيجة.
عقلية تصنع الفارق
دار كليب لم يكن متفوقا في كل الجوانب، لكنه كان الأفضل في الجوانب التي تصنع الانتصارات مثل تقليل الأخطاء، استثمار اللاعب الأكثر تأثيرا، إدارة اللحظات الحاسمة بذكاء، أما الأهلي، فدفع ثمن التذبذب وكثرة الأخطاء، إلى جانب بعض القرارات التي لم تخدمه في التوقيت المناسب.
نظرة مستقبلية
المشهد الآن يتجه نحو مواجهة حاسمة بين دار كليب والمحرق مقرر لها يوم 14 أبريل الجاري ضمن الجولة الخامسة والعشرين من المسابقة، مباراة قد لا تكون مجرد لقاء عادي، بل مواجهة ينتظر لها أن تكون على كف عفريت إن صح الوصف، وإذا استمر دار كليب بهذا المستوى من التركيز والنضج، فإنه لا يملك فقط أفضلية فنية، بل يمتلك ما هو أهم عقلية البطل.
لقطة فنية
قاد حكام المباراة الدوليون منير مكي (حكما أول) وجعفر المعلم وخالد الشوملي (حكما ثانيا) المواجهة إلى بر الأمان رغم المناقشات الجانبية، إلا أنّ المباراة في شوطها الأول وتحديدا عن النتيجة 22-19 لصالح الأهلي عندما وجه البرازيلي لوكاس لاعب الأهلي كرة هجومية على طريقة الدفع، ورأينا كثيرا مثل هذه الكرات وشبيها لها في الدوريات الأوروبية والأممية، ولا يقف عندها الحكام، غير أنّ الدولي منير مكي اعتبرها حملا على ما يبدو، وفي كل الأحوال ربما هي كرة تقديرية يختلف تقديرها من حكم لآخر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك