عقيدة الخلود تجاوزت حدود حضارة دلمون إلى الحضارات المجاورة
كتبت: زينب إسماعيل
يستعرض الإصدار الجديد «دلمون مملكة الحضارة» للباحث في آثار وتاريخ البحرين الأستاذ الجامعي الدكتور عبدالعزيز صويلح، معابد باربار، كأقدم معابد المنطقة وأهمها، التي ترتبط بالفترة الحضارية في المنطقة، وتمتد من منتصف الألف الثالث إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد.
ويقدم شرحا تفصيليا في فصله الرابع حول المعبد وارتباطاته بالحضارات الأخرى من بينها حضارة بلاد الرافدين والحضارة الفرعونية، لما له من أهمية دينية حضارية ومكانة خلال فترة حضارة دلمون، عندما كانت المركز الديني والمقر السياسي والإداري.
ويذكر الكاتب المتخصص في علم التاريخ وآثار منطقة الخليج العربي القديم، صويلح أن «أغلب الباحثين يطلقون على فترة المعابد بفترة باربار، إذ إن إنسان حضارة باربار وصل إلى مرحلة فكرية متطورة واعتنق عقيدة لعبت دورا أساسيا في حياته اليومية سواء الاقتصادية أو الفكرية».
ولم يكن المعبد محاطا بمدينة بل ببيوت قليلة متواضعة من نفس عصر المعبد عند التل الذي تقع عليه بيوت باربار القديمة. ويتكون من 3 معابد أنشئت فوق بعضها البعض عبر مراحل زمنية مختلفة عاشتها حضارة دلمون وتطلبها الحاجة بسبب زيادة أعداد العباد وزوار المعبد من المؤمنين بالعقيدة الدلمونية.
يحمل المعبد تأثيرات سومرية إحداها تتعلق بطريقة الإنشاء والأخرى تتمثل في احتفالية الإنشاء عبر ممارسة تعبدية تعبيرية، إلى جانب دفن الودائع التي قدمت كقرابين أو نذور لآلهة في الأرضية التي أسس عليها على نحو طقوسي. كما تأثرت المعابد بالتقاليد الدينية في المعابد الكنعانية الفينيقية التي يضاف اليها بئر الماء المقدسة وما يرتبط بها من طقوس الاغتسال والوضوء قبل التوجه إلى أداء الشعائر.
ويتحدث الكتاب عن «انتشار الديانة الدلمونية في حضارة دلمون والحضارات المجاورة، وهي عقيدة الخلود»، وأشار إلى أن «المعبد كان كعبة يزورها المؤمنون بعقيدة الخلود من الدلمونيين وغير الدلمونيين من مختلف مراكز الحضارات الأخرى للتقرب من الآلهة وكسب رضاها وبركتها في مختلف الأنشطة الدنيوية، ويقدمون مع قرابينهم». ويضيف «هناك مؤمنون بهذه الديانة من مصر الفرعونية قدموا إلى هذا المكان المقدس للزيارة، وقدموا الهدايا تقربا لآلهة المعبد».
وأكد الكاتب صويلح أن «المتعلمين والعلماء كان معبد باربار هو ما يحتضنهم، على اعتبار أنه المؤسسة التي تنمي قدراتهم وتهتم بتعليمهم في أول الأمر قبل أن يظهر القصر ومن ثم المدارس، كما وصل هؤلاء المثقفون إلى مناطق حضارات متعددة لنشر العلم والمعرفة منها مدن حضارة بلاد الرافدين».
وأفاد بأن «الدلمونيين كانوا متدينين ومحافظين على معتقداتهم وكل ما له صلة بها، كما كانوا يحرصون على تقديم القرابين الثمينة كوسيلة لطلب الشفاعة من الآلهة».
وكان لتمر دلمون قداسة خاصة لدى الحضارات المجاورة، وبالتحديد لدى حضارة بلاد الرافدين، حيث «كان يقدم كوجبات طعام لآلهة مدينة الوركاء إلى جانب التمر الاعتيادي» بحسب الكاتب.
لم يمارس الدلمونيون طقوسهم في دلمون فقط، بل امتدت إلى المدن المجاورة، حيث «تربط علاقة دينية متطورة بين شعبي دلمون ومدينة أور. وشيد في مدينة أور معبد خاص بالدلمونيين أحاطته الإلهة عشتار برعايتها وحمايتها. وهو ما يدل على وجود جالية دلمونية في أور ترعى المصالح التجارية بين الطرفين».
ومن بين الرموز الدينية ضمن الدين الدلموني، الأفعى خلال فترة السيطرة الأشورية على دلمون، والتي كانت تعتبر جزءا من ديانتها. وربما كانت تذبح في مناسبات عائلية خاصة أو ربما كانت تقدم كعطايا وقرابين من قبل المتعبدين. وربما كان يتم ذبحها عند موت أو ميلاد فرد من أفراد العائلة. والبناية التي اكتشفت بها لم تكن قصرا للسكن بل معبدا أو بناية تقوم بالوظيفتين. كما أن أواني الأفاعي هي عطايا المتعبدين الذين ينشدون الصحة وطول العمر. أما اللؤلؤة فكانت رمزا للتخلص من المرض والشيخوخة والموت.
ويفترض الكتاب اعتماد الموسيقى «كجزء من ممارسة مهمة في الاحتفالات الدينية في الحضارات القديمة لما لها من تأثير نفسي على المتعبدين، فإننا نفترض أيضا أن الاحتفالات الدينية في معبد باربار، لا بد وأن رافق حداء الكهنة أصوات المزامير والقيثارات والناي وآلات إيقاع بما فيها الطبول والخشخاش والصنوج».
لم يكن التبرك محصورا بتقديم القرابين للآلهة، بل نصبت مراسي للسفن في المعبد طلبا لبركة الآلهة لتسهيل مهمة الرحلات التجارية ونجاحها، وهي كذلك بمثابة نذور بعد عودة السفن سالمة من هذه الرحلات. كما كان يتم توزيع الماء المقدس من المعبد على المزارع المنتشرة حوله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك