إن التاريخ مرآةٌ كاشفةُ تتجلى فيها ملامح الحاضر بصورةٍ لا تقبل المصادفة، إذ تتطابق المشاهد لا في تفاصيلها الظاهرة وحسب، بل في دوافعها العميقة، وفي طبيعة القوى التي تُحركها من وراء ستار، وحين نتأمل بعمقٍ ما يجري اليوم في منطقة الخليج العربي، من اعتداءاتٍ إيرانيةٍ آثمةٍ تستهدف المنشآت النفطية والصناعية، لا نملك إلا أن نعود بالذاكرة إلى الوراء، لنستحضر مشهدًا تاريخيا شبيهًا وقع في خضم الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م). إن الجغرافيا السياسية تفرض أحكامها الصارمة، والخليج العربي كان ولا يزال محورًا استراتيجيًا تتكسر عليه أطماع الطامحين.
دعونا نتوقف قليلًا أمام صفحات التاريخ؛ ففي 18 – 19 أكتوبر 1940م، وفي ذروة الصراع العالمي، انطلقت طائرات إيطاليا الفاشية بقيادة القائد العسكري إيتوري ميوتي، لتقطع آلاف الكيلومترات من جزيرة رودوس، في محاولةٍ يائسةٍ ومغامرةٍ غير محسوبةٍ لقصف مصفاة نفط البحرين. كانت تلك الغارة، التي فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، تعبيرًا دقيقًا عن أزمة نظامٍ فاشيٍ مستبد، فقد شعبيته في الداخل، وعجز عن تلبية طموحات شعبه، فراح يبحث عن انتصاراتٍ وهميةٍ في الخارج، محاولًا إثبات وجوده عبر استهداف شرايين الطاقة العالمية.
واليوم، نجد أن التاريخ يُعيد إنتاج نفسه بوجوهٍ جديدةٍ وأدواتٍ مختلفة، ولكن بالعقلية ذاتها، فالنظام الإيراني، الذي يطلق صواريخه الباليستية وطائراته المسيرة نحو المنشآت الحيوية والصناعية في مملكة البحرين ودول الخليج العربي، إنما يُمارس ذات السلوك الفاشي الذي عرفه العالم في منتصف القرن العشرين الميلادي.
إن القراءة المتأنية والمقارنة الموضوعية بين فاشية الأمس وعنجهية اليوم تكشف عن تطابقٍ مذهلٍ يُثير الانتباه؛ فكلا النظامين، الفاشي الإيطالي والإيراني الحالي، هما نظامان يقومان على القمع ومصادرة الحريات، ولا يحظيان بشعبيةٍ حقيقيةٍ بين أهل بلادهما، وكلاهما يعيش في عزلةٍ تامةٍ عن تطلعات شعبيهما، وكلاهما لا يُقيم وزنًا لسيادة الدوXل، ولا يحترمان المواثيق والأعراف الدولية. إن الأنظمة التي تفقد شرعيتها في الداخل، تلجأ دائمًا إلى تصدير أزماتها، متوهمةً أن استعراض القوة الغاشمة يُمكن أن يعوض النقص الفادح في القبول الشعبي. لقد ظن موسوليني وقادته أن استهداف عصب الطاقة في البحرين سيغير مسار الحرب، لكن النتيجة كانت خيبة أملٍ مدوية، وانتهى المطاف بقادة الفاشية إلى نهايةٍ مأساوية. وبالمثل، يظن النظام الإيراني اليوم أن استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية سيفرض إرادته التوسعية على المنطقة، متناسيًا أن هذه الهجمات العشوائية لا تعدو كونها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ودليلًا قاطعًا على إفلاسٍ سياسي وأخلاقي عميق.
وليس من قبيل الصدفة أن تقف البحرين، كما كانت دائمًا عبر تاريخها الطويل، عصيةً على الانكسار، شامخةً في وجه العواصف والأنواء، ففي عام 1940م، لم تزد الغارة الفاشية أهل البحرين إلا تلاحمًا وصلابةً، ووقف أهل البحرين صفًا واحدًا حول المغفور له بإذن الله تعالى، صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه (1932 – 1942م). واليوم، تتجلى هذه الروح الوطنية الوثابة في أبهى صورها، حيث تتصدى المملكة بكل حزمٍ ويقظةٍ لهذه الاعتداءات الإيرانية السافرة، مسطرةً ملحمةً جديدةً من ملاحم الصمود والتحدي.
إن هذا الصمود الأسطوري، وهذا الثبات الراسخ، لم يكن ليتحقق لولا الرؤية الثاقبة والقيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، حيث أرسى جلالته، أيده الله تعالى، دعائم دولة المؤسسات والقانون، وقاد المسيرة التنموية الشاملة بكل اقتدارٍ وحكمة، جاعلًا من البحرين واحةً للأمن والاستقرار. وإلى جانبه، يقف سندًا وعضدًا، صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، الذي يُترجم هذه الرؤى الملكية السامية إلى واقعٍ ملموس، ويدير دفة العمل الحكومي بكفاءةٍ عاليةٍ واقتدارٍ مشهود، لضمان استمرار عجلة البناء والنماء، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة رغم كل التحديات الإقليمية.
ولا يُمكن في هذا المقام التحليلي، ونحن نتحدث عن حماية الأوطان والذود عن حياضها، إلا أن نقف إجلالًا وتقديرًا للقوات المسلحة البحرينية الباسلة، ممثلةً في قوة دفاع البحرين، التي أثبتت للعالم أجمع جاهزيةً قتاليةً متقدمةً وكفاءة عملياتيةٍ نادرة. لقد نجحت منظومات الدفاع الجوي البحرينية، بكل بسالةٍ واحترافية، في اعتراض وتدمير مئات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، لتؤكد بالدليل القاطع أن سماء البحرين مصونة، وأن ترابها محرمٌ على المعتدين، كما نوجه تحية اعتزازٍ وفخرٍ إلى وحدات الأمن العام، التي تسهر ليل نهار على راحة المواطنين والمقيمين، وتحفظ الجبهة الداخلية متماسكةً وقويةً ومنيعةً في مواجهة أي محاولاتٍ للمساس بأمن المجتمع.
في النهاية، وكما طوت الأيام صفحة الفاشية الإيطالية وأحالتها إلى مجرد ذكرى للعبرة، فإن مصير كل معتدٍ أثيمٍ لن يختلف كثيرًا، وستبقى البحرين، بقيادتها الفذة وشعبها الوفي وقواتها الباسلة، صخرةً تتحطم عليها المؤامرات، ومنارةً للسلام والازدهار في الخليج العربي، تمضي في طريقها نحو المستقبل بخطىً واثقة، لا تلتفت إلى الوراء، ولا تُرهبها تهديدات العابثين.
عميد كلية عبدالله بن خالد للدراسات الإسلامية


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك