مستخدمون: أوفر اقتصاديا ويجمع كل القنوات في منصة واحدة
مزودون: الأسعار تتراوح بين 5 و10 دنانير سنويا.. والإقبال على المسلسلات والأفلام والمباريات
قانونيًا.. بث محتوى IPTV من دون ترخيص يعرّض مرتكبيه للحبس والغرامة التي تصل إلى 4 آلاف دينار ومصادرة الأجهزة
تحقيق: علي عبدالخالق
لم يعد الوصول إلى القنوات الرياضية والأفلام والمسلسلات المشفرة حكرًا على الاشتراكات الرسمية المرتفعة الكلفة، إذ تنتشر في عدد من محلات الإلكترونيات والستلايتات خدمات تُعرف باسم «IPTV»، تتيح للمشتركين مقابل مبلغ شهري رمزي فتح مئات – بل آلاف – القنوات، من بينها قنوات رياضية عالمية ومنصات ترفيه مدفوعة.
وتبدأ أسعار هذه الاشتراكات – بحسب أحد مزودي الخدمة – من نحو 5 إلى 10 دنانير سنويًا، في مقابل خدمات تتيح متابعة بطولات كبرى ومحتوى حصري يُفترض أن يكون محصورًا على المشتركين عبر القنوات الرسمية مثل شبكة beIN Sports وغيرها من المنصات العالمية.
وبين الإقبال الواسع والجدل القانوني، يبرز سؤال جوهري: هل تمثل هذه الخدمات حلاً اقتصادياً مشروعاً؟ أم أنها شكل من أشكال القرصنة الرقمية التي تعرّض مزوديها ومستخدميها للمساءلة؟
«السعر يحسم القرار»
أجمع عدد من الشباب – في استطلاع أجرته أخبار الخليج – على أن العامل الاقتصادي هو السبب الأول وراء التوجه إلى خدمات IPTV.
يقول حسين خليل، وهو شاب يعمل في القطاع الصحي ويستخدم منصة IPTV، إن الإقبال على هذه الخدمات شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، خاصة بين فئة الشباب، نظرًا الى ما توفره من إمكانية متابعة المباريات والمسلسلات والأفلام في مكان واحد. وأوضح أن المنصة تتيح مشاهدة مختلف البطولات الرياضية إلى جانب المسلسلات العربية والأجنبية، لاسيما خلال الموسم الرمضاني الذي يشهد كثافة في الإنتاج الدرامي.
وأضاف أن العامل الأبرز الذي يدفع المستخدمين إلى هذه المنصات هو السعر المناسب مقارنة بالاشتراكات الرسمية، مشيرًا إلى أن بعض الباقات الأصلية تفرض رسومًا مرتفعة للحصول على محتوى محدود، في حين توفر خدمات IPTV معظم البطولات العالمية والدوريات الكبرى، مثل البطولات الأوروبية والعالمية، إضافة إلى محتوى ترفيهي متنوع بجودة عالية ومن دون إعلانات مزعجة.
كما أشار إلى أن المنصة توفر أيضًا محتوى متنوعًا للأطفال، بما في ذلك المسلسلات الكرتونية القديمة التي لم تعد تُعرض على القنوات الفضائية، ما يجعلها خيارًا مفضلًا للعائلات. وفيما يتعلق بالجانب القانوني، أقرّ بأن هذه الخدمات تُعد غير رسمية من حيث حقوق البث، لكنه أوضح أنه كمستخدم لم يواجه أي مشكلات قانونية مباشرة نتيجة استخدامه لهذه المنصات.
من جانبها، أكدت الإعلامية شيماء عبدالعزيز أن الإقبال على منصات IPTV أصبح واضحًا، خاصة بين الشباب الذين يفضلون الحلول الرقمية السريعة التي تتيح الوصول إلى محتوى متنوع عبر منصة واحدة وبطريقة سهلة. وأوضحت أن طبيعة الجيل الحالي تميل إلى استخدام التطبيقات والخدمات الرقمية التي توفر مرونة في المشاهدة، من دون التقيد بالأجهزة التقليدية أو الاشتراكات المعقدة.
وأشارت إلى أن عامل التكلفة يلعب دورًا رئيسيًا في هذا التوجه، حيث توفر هذه المنصات محتوى واسعًا ضمن اشتراك واحد منخفض الكلفة، مقارنة بالاشتراكات الرسمية التي قد تتطلب دفع رسوم منفصلة لكل نوع من المحتوى. وأضافت أن من المزايا الأخرى إمكانية استخدام الخدمة عبر أكثر من جهاز، سواء الهاتف أو التلفزيون الذكي، ما يمنح المستخدم مرونة أكبر في اختيار وقت وطريقة المشاهدة.
وفيما يتعلق بالجانب القانوني، شددت على أن أي منصة تبث محتوى دون حقوق رسمية قد تكون عرضة للمساءلة القانونية، نظرًا لأن حقوق البث والملكية الفكرية تخضع لحماية قانونية صارمة. وأوضحت أنه رغم ذلك، لم تواجه شخصيًا أي مشكلة قانونية نتيجة استخدامها لهذه الخدمة، لكنها تدرك أن هذا الجانب يظل محل جدل قانوني وتنظيمي.
بدوره، قال محمد حبيب، وهو موظف في القطاع الرياضي وأحد مستخدمي منصة IPTV، إن هذه الخدمات أصبحت خيارًا شائعًا بين محبي الرياضة، خاصة لمن يرغبون في متابعة البطولات العالمية بشكل مستمر. وأوضح أن المنصة تتيح له مشاهدة مختلف الدوريات الأوروبية والعربية والبطولات القارية، من دون الحاجة إلى الاشتراك في أكثر من خدمة منفصلة.
وأضاف أن أحد أبرز الأسباب التي دفعته لاستخدام IPTV هو سهولة الوصول إلى المحتوى وتوفيره في مكان واحد، إلى جانب الكلفة المنخفضة مقارنة بالاشتراكات الرسمية، التي قد تكون مرتفعة بالنسبة لفئة الشباب أو الموظفين في بداية حياتهم المهنية. وأشار إلى أن جودة البث أصبحت أفضل بكثير مقارنة بالسابق، ما جعل تجربة المشاهدة أكثر استقرارًا ووضوحًا.
وأوضح أن انتشار هذه الخدمات يعكس وجود طلب حقيقي من المستخدمين على خيارات مشاهدة مرنة وبأسعار مناسبة. وفيما يتعلق بالجانب القانوني، أشار إلى أنه يدرك أن بعض هذه الخدمات قد لا تكون مرخصة رسميًا، لكنه يرى أن كثيرًا من المستخدمين يلجأون إليها باعتبارها الخيار الأكثر عملية من الناحية الاقتصادية، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لم يواجه أي مساءلة أو مشكلة قانونية نتيجة استخدامه لهذه المنصة.
بديلٌ يلبي حاجة السوق
وللوقوف على وجهة النظر الأخرى، تواصلت الصحيفة مع أحد مزودي خدمة IPTV في البحرين - رفض الكشف عن هويته – وقال إن الإقبال كبير جداً، سواء من المواطنين أو المقيمين، خصوصاً فئة الشباب، مؤكدًا أن الطلب يرتفع بشكل ملحوظ خلال المواسم الرياضية الكبرى مثل البطولات الأوروبية وكأس العالم، بالإضافة إلى محبي الأفلام والمسلسلات حيث يتم إضافة أحدث المسلسلات والأفلام بشكل دوري، مشيراً إلى أن الناس تبحث عن وسيلة ميسورة التكلفة لمتابعة المحتوى».
وحول ما الذي يجعل الشباب يتجهون إلى هذه المنصات بدلًا من الاشتراك مباشرة في القنوات الرسمية، يرى أن السبب واضح: الأسعار. قائلاً، «الاشتراك الرسمي في بعض الشبكات مرتفع، خصوصاً إذا كان المشترك يريد باقة رياضية كاملة إضافة إلى منصات الأفلام، ولكن IPTVيجمع كل ذلك في اشتراك واحد منخفض التكلفة، ويوفر مرونة أكبر حيث بإمكان المستخدم متابعة المحتوى من المنزل على التلفزيون أو على الهاتف من أي مكان».
وفيما يخص الناحية القانونية، أجاب بحذر: «هناك جدل قانوني حول بعض الخدمات، نحن نحاول العمل عبر مزودين خارجيين، لكن بلا شك هناك مخاطر قانونية في هذا المجال، بعض الدول شددت الرقابة، وهناك حالات ملاحقة وإغلاق، وقد تصل إلى السجن، حتى الآن لم نواجه قضية مباشرة الحمدلله، لكننا نعلم أن القنوات الرسمية تسعى لحماية حقوقها، ولكن في النهاية هدفنا توفير خدمة ذات مبلغ زهيد ومتوافر لغالبية الناس».
قانونيًا.. متى يكون IPTV مخالفة؟
أكّد المحامي تقي حسين تقي أن مملكة البحرين تمتلك منظومة قانونية واضحة وصارمة تُنظّم بثّ البرامج والقنوات التلفزيونية وأي محتوى مدفوع، بما في ذلك خدمات IPTV والبث عبر الإنترنت، وذلك في إطار حماية حقوق الملكية الفكرية وحقوق البث، محذرًا من أن أي بث أو إعادة بث للمحتوى من دون ترخيص رسمي يُعد انتهاكًا قانونيًا جسيمًا يترتب عليه مسؤوليات جنائية ومدنية.
وأوضح أن قانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة رقم (22) لسنة 2006 كفل حماية الحقوق الأدبية والاقتصادية للمؤلفين والهيئات الإعلامية، بما يشمل البرامج التلفزيونية والمحتوى المرئي المرخّص، مشيرًا إلى أن المادة (17) من القانون تمنح هيئات البث حقوقًا حصرية تشمل تسجيل برامجها، وإعادة بثّها، ونقلها إلى الجمهور، ومنح الإذن بالبث العام، مؤكدًا أنه لا يجوز لأي جهة أو شخص بثّ أو إعادة بثّ هذا المحتوى إلا بعد الحصول على موافقة خطّية من صاحب الحق.
وبيّن أن المادة (65) من القانون نصّت على معاقبة كل من يتعدى عمدًا على حقوق المؤلف أو الحقوق المجاورة بهدف مادي أو تجاري، بالحبس لمدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة، و/أو غرامة مالية تتراوح بين 500 و4000 دينار بحريني، إضافة إلى إمكانية صدور حكم قضائي بمصادرة أو إتلاف الأجهزة والمواد المستخدمة في المخالفة.
وأضاف أن قانون العقوبات رقم (15) لسنة 1976 يتضمن كذلك نصوصًا عامة تُجرّم استنساخ أو توزيع أو بث محتوى محمي بحقوق نشر دون إذن، أو استغلاله لتحقيق أرباح تجارية من دون ترخيص، ما يعزز الإطار القانوني الرادع لمثل هذه الممارسات.
وأشار إلى أن المسؤولية لا تقتصر على العقوبات الجنائية فحسب، بل تمتد إلى المسؤولية المدنية، حيث يحق لأصحاب الحقوق، سواء كانوا منتجين أو قنوات أو جهات مالكة لحقوق البث، رفع دعاوى للمطالبة بتعويضات مالية عن الأضرار، ووقف البث المخالف، والمطالبة بالأرباح المتحققة نتيجة الاستخدام غير المشروع.
وشدد على أن المبدأ القانوني في البحرين يشترط الحصول على ترخيص خطّي صريح من صاحب حقوق المحتوى لأي عملية بث أو إعادة بث أو توزيع، سواء عبر القنوات التقليدية أو المنصات الرقمية أو خدمات IPTV، مؤكدًا أن الوسيلة التقنية المستخدمة لا تُغيّر من الطبيعة القانونية للمخالفة في حال غياب الترخيص الرسمي.
وختم بالتأكيد على أن حماية حقوق الملكية الفكرية تمثل ركيزة أساسية لضمان استدامة قطاع الإعلام والإنتاج، وصون حقوق الجهات المالكة للمحتوى من أي استغلال غير قانوني.
قرصنة شرعية
الوصف الذي يتردد على ألسنة بعض المستخدمين هو «قرصنة شرعية»، في إشارة إلى توفر الخدمة بشكل علني في المحلات، لكن قانونياً، العلنية لا تعني المشروعية، فمتى ما كان المحتوى يُبث دون ترخيص من صاحب الحق، فإنه يُعد مخالفة، بغض النظر عن انتشار الخدمة أو انخفاض سعرها.
ويبقى الشباب بين خيارين: اشتراكات رسمية مرتفعة الكلفة، أو بدائل منخفضة السعر تحمل في طياتها مخاطرة قانونية وأخلاقية.
وفي ظل تسارع الرقمنة وتشديد الرقابة عالمياً، يبدو أن مستقبل IPTV غير المرخص سيظل رهيناً بصراع مستمر بين حماية الحقوق من جهة، والطلب المتزايد على محتوى منخفض التكلفة من جهة أخرى.. فلمن الغلبة؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك