العدد : ١٧٥٠١ - السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠١ - السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ رمضان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

«الأقوياء الجدد» ودكتاتورية التحكم في المعلومات (1) :
التحول من الدول إلى المنصات

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

يهتم‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬بالتحولات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬هياكل‭ ‬القوة‭ ‬ضمن‭ ‬الصناعة‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الرئيسية‭ ‬والتأثيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأوسع‭ ‬لهذه‭ ‬القوة‭... ‬فمَن‭ ‬هم‭ ‬‮«‬الأقوياء‭ ‬الجدد»؟‭ ‬وما‭ ‬المقصود‭ ‬بالتحكم‭ ‬في‭ ‬المعلومات؟‭ ‬والتحول‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬المنصات؟

المقدمة‭: ‬التحول

‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬القوة

لقد‭ ‬شهد‭ ‬العقدان‭ ‬الماضيان‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬القوة‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الكبرى‭ ‬كفاعلين‭ ‬جدد‭ ‬يتمتعون‭ ‬بنفوذ‭ ‬يفوق‭ ‬كثيراً‭ ‬النفوذ‭ ‬التقليدي‭ ‬للدول،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القوة‭ ‬مقصورة‭ ‬على‭ ‬الجيوش‭ ‬والحدود،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬البيانات‭ ‬والخوارزميات‭ ‬والمنصات‭.‬

‮«‬الأقوياء‭ ‬الجدد‮»‬‭ ‬هم‭ ‬المتحكمون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وهم‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬شركات،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬مهندسو‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجديد‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المعلومات‭ ‬والخوارزميات؛‭ ‬لا‭ ‬يحددون‭ ‬فقط‭ ‬كيف‭ ‬نتواصل،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬نفكر،‭ ‬كيف‭ ‬نشتري،‭ ‬كيف‭ ‬نتحرك،‭ ‬وحتى‭ ‬كيف‭ ‬نكره‭ ‬ولا‭ ‬نُحب‭... ‬هم‭ ‬مَن‭ ‬يصنع‭ ‬مجتمعاً‭ ‬بشرياً‭ ‬جديداً،‭ ‬متحكماً‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬ويُستمد‭ ‬منه‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ‭.‬

‮«‬الأقوياء‭ ‬الجدد‮»‬‭ ‬هم‭ ‬عمالقة‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُدعى‭ ‬باللغات‭ ‬الأخرى‭ ‬‮«‬The‭ ‬Big‭ ‬Tech‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أصحاب‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتميزة‭ ‬برأسمال‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬وهم‭ ‬بالتحديد‭: ‬شركة‭ ‬أمازون‭ ‬Amazon،‭ ‬شركة‭ ‬جوجل‭ ‬Google،‭ ‬شركة‭ ‬ميتا‭ ‬Meta‭ (‬فيسبوك،‭ ‬إنستجرام،‭ ‬واتساب‭)‬،‭ ‬شركة‭ ‬مايكروسوفت،‭ ‬وشركة‭ ‬أبل‭ (‬Apple‭).. ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تسيطر‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬العالمية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬السحابية،‭ ‬وصناعة‭ ‬خدمات‭ ‬الترفيه،‭ ‬وتحتكر‭ ‬محرك‭ ‬البحث،‭ ‬والمعلومات،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والواقع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية،‭ ‬وبرمجيات‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وخدمات‭ ‬رقمية‭ ‬متكاملة‭.‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬شركات‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متخصصة‭ ‬مثل‭ ‬تسلا،‭ ‬انفيديا،‭ ‬وأوبر،‭ ‬ونيتفلكس‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬صناعة‭ ‬الترفيه‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وهناك‭ ‬منصات‭ ‬صينية‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تحديدها‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬علي‭ ‬بابا،‭ ‬وشركة‭ ‬تينسنت‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات‭ ‬التقنية‭ ‬العالمية،‭ ‬منها‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الصينية‭ ‬WeChatt‭ (‬البديل‭ ‬الصيني‭ ‬للواتساب‭)‬،‭ ‬وشركة‭ ‬هواوي‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬ذكية‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬للاتصالات‭ (‬G5‭)‬،‭ ‬وشركات‭ ‬أخرى؛‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعيدة‭ ‬نسبياً‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الأمريكية‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المعلومات‭ ‬والخوارزميات‭.‬

القوة‭ ‬الجديدة

‭ ‬‮«‬للأقوياء‭ ‬الجدد‮»‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لشركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الكبرى،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬لشركات‭ ‬مثل‭ ‬أبل‭ ‬ومايكروسوفت‭ (‬Apple‭ ‬&‭ ‬Microsoft‭) ‬تتجاوز‭ ‬قيمة‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الدول؛‭ ‬وسيولتها‭ ‬المالية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستحواذ‭ ‬والاستثمار‭ ‬بدرجات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ (‬المصدر‭: ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬Bloomberg‭ ‬Terminal‭- ‬2025‭).‬

تعد‭ ‬قوة‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬مثيل‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬حيث‭ ‬تتعامل‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬والبيانات،‭ ‬التي‭ ‬تجمعها‭ ‬من‭ ‬مليارات‭ ‬المستخدمين،‭ ‬كسلعة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬قوائم‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والأفراد،‭ ‬والحكومات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحديد‭ ‬وتوجيه‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الناس‭ ‬وما‭ ‬يقرؤونه‭ ‬ويناقشونه‭ (‬المصدر‭: ‬إحصاءات‭ ‬ودراسات‭ ‬السوق‭ ‬International‭ ‬Data‭ ‬Corporation‭ ‬IDC‭- ‬2025‭)... ‬كما‭ ‬تتمثل‭ ‬قوة‭ ‬وأهمية‭ ‬المعلومات‭ ‬والبيانات‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬رقمية،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬قياسية‭.‬

بجانب‭ ‬ذلك‭ ‬تعد‭ ‬قدرة‭ ‬تنظيم‭ ‬الذات‭ ‬مصدرا‭ ‬رئيسيا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬الأقوياء‭ ‬الجدد‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬عملت‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬أنظمتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وقوانين‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬الرقمية،‭ ‬وبرامجها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬للتحكيم‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مسموح‭ ‬وممنوع‭ ‬على‭ ‬منصاتها،‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تعمل‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬هندسة‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تصميم‭ ‬مؤثرات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭.‬

في‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬يعد‭ ‬انغلاق‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬أنظمتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وبشفافية‭ ‬محدودة‭ ‬جداً،‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬سلبياتها،‭ ‬فتقرر‭ ‬بإرادتها‭ ‬حدود‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬بالتحكم‭ ‬عبر‭ ‬الخوارزميات‭ ‬المغلقة‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬كيفية‭ ‬عملها؛‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬الاحتكار‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬المنافسة،‭ ‬بإنهاء‭ ‬وإضعاف‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬عبر‭ ‬الاستحواذ‭ ‬أو‭ ‬تقليد‭ ‬منتجاتها؛‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬قوتها‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬وقدرة‭ ‬تحدي‭ ‬سلطة‭ ‬الدول،‭ ‬والعمل‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬الوطنية‭.‬

ولربما‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬أدوار‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الجديدة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تعمله‭ ‬الخوارزميات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬واضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬بنشر‭ ‬الأخبار‭ ‬الكاذبة،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والمراقبة‭ ‬الجماعية‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬الأفراد‭.‬

اضطرابات‭ ‬المعلومات

‭ ‬وتحولات‭ ‬الرأي‭ ‬العام

تعد‭ ‬اضطرابات‭ ‬المعلومات‭ ‬ظاهرة‭ ‬معقدة‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭. ‬

مفاهيمياً،‭ ‬يشمل‭ ‬اضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبعاد‭: ‬1‭- ‬المعلومات‭ ‬المضللة،‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قصد‭ ‬ضار‭. ‬2‭- ‬المعلومات‭ ‬الخادعة،‭ ‬وهي‭ ‬أخبار‭ ‬كاذبة‭ ‬تنشر‭ ‬عمداً‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭. ‬3‭- ‬المعلومات‭ ‬الضارة،‭ ‬وهي‭ ‬معلومات‭ ‬حقيقية‭ ‬يتم‭ ‬سرقتها‭ ‬بالاختراقات‭ ‬وتنشر‭ ‬بغرض‭ ‬الإضرار‭.‬

ولاضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬أدوات‭ ‬خاصة‭ ‬أهمها‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التزييف‭ ‬العميق‭ (‬Deep‭ ‬fakes‭)‬؛‭ ‬ولهذا‭ ‬الاضطراب‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬تحولات‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسييس‭ ‬المعلومات‭ ‬وتأجيج‭ ‬الاستقطاب،‭ ‬وتقويض‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬التقليدية‭ ‬للأخبار‭ ‬والمعلومات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬واقع‭ ‬مواز‭ ‬للمصادر‭ ‬الرسمية،‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬مجموعات‭ ‬مختلفة‭ ‬تتبنى‭ ‬روايات‭ ‬متناقضة‭ ‬بهدف‭ ‬التضليل‭ ‬وخلق‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭ (‬تقرير‭ ‬رويترز‭  ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والسوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬والمؤثرون‮»‬،‭ ‬2025‭- ‬مركز‭ ‬الأبحاث‭ ‬‮«‬رويترز‮»‬‭ ‬لدراسة‭ ‬الصحافة‭ ‬‮«‬Reuters‭ ‬Institute‮»‬‭).‬

من‭ ‬أجل‭ ‬فهم‭ ‬أعمق‭ ‬للآليات‭ ‬غير‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬آراء‭ ‬الناس

يعد‭ ‬استغلال‭ ‬الجانب‭ ‬السيكولوجي‭ ‬الآلية‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬مؤثرات‭ ‬اضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بحيث،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يتم‭ ‬استغلال‭ ‬ميل‭ ‬الأفراد‭ ‬لتقبّل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬معتقداتهم‭ ‬المسبقة،‭ ‬واستغلال‭ ‬المشاعر‭ ‬القوية،‭ ‬مثل‭ ‬الخوف‭ ‬والغضب‭ ‬والانتماءات‭ ‬والولاءات،‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬قابلية‭ ‬تصديق‭ ‬المعلومات‭ ‬المتوافقة‭ ‬معها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المعلومات‭ ‬لمواجهة‭ ‬القلق‭ ‬الوجودي،‭ ‬واستخدام‭ ‬التفكير‭ ‬العاطفي‭ ‬بدل‭ ‬العقلاني‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ (‬‮«‬سيكولوجية‭ ‬الإشاعة‭: ‬كيف‭ ‬تتشكل‭ ‬المعتقدات‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‮»‬،‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬شعبان،‭ ‬القاهرة‭ ‬2020‭).‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬يتم‭ ‬اتباع‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التأثير‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آليات‭ ‬التكرار‭ ‬والتطبيع‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬تدريجياً‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬مقبولاً،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬سابقاً‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬أفكار‭ ‬المثليين‭ ‬بهدف‭ ‬التطبيع،‭ ‬وكما‭ ‬يحدث‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬أفكار‭ ‬البيدوفيليا‭ (‬جنس‭ ‬الاطفال‭) ‬في‭ ‬قضية‭ ‬جزيرة‭ ‬إبستين‭... ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إغراق‭ ‬الفضاء‭ ‬المعلوماتي‭ ‬بروايات‭ ‬متناقضة‭ ‬لإثارة‭ ‬الشكوك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬واستخدام‭ ‬اسلوب‭ ‬التواصل‭ ‬السردي‭ ‬العاطفي‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬عبر‭ ‬القصص‭ ‬الشخصية‭ ‬المؤثرة،‭ ‬والسرديات‭ ‬البسيطة‭ ‬ذات‭ ‬الأبطال‭ ‬والأشرار‭.‬

إن‭ ‬اضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬فقط‭ ‬قدراتنا‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬الحقائق،‭ ‬بل‭ ‬ينفذ‭ ‬إلى‭ ‬العمليات‭ ‬النفسية‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬إدراكنا‭ ‬للواقع‭ ‬وهُوِيّاتنا‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ويعد‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬هو‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬دفاعات‭ ‬معرفية‭ ‬شخصية‭ ‬وجماعية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭.‬

إن‭ ‬اضطرابات‭ ‬المعلومات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مشكلة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تحدٍّ‭ ‬ديمقراطي‭ ‬ومعرفي‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬كيفية‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬بينما‭ ‬تختلف‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬معها،‭ ‬من‭ ‬النمط‭ ‬التنظيمي‭ ‬الصارم‭ ‬إلى‭ ‬النمط‭ ‬التعددي،‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬الهدف‭ ‬المشترك‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تقييد‭ ‬الحوار‭ ‬البناء‭.‬

هناك‭ ‬جهود‭ ‬متنوعة‭ ‬للمواجهة‭ ‬عالمياً،‭ ‬تتمثل‭ ‬أهمها‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬تركز‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬السيبراني‮»‬‭ ‬و«الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬النظيف‮»‬‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬وتتبنى‭ ‬آليات‭ ‬مثل‭ ‬تنظيم‭ ‬المحتوى‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬الموجه‭ ‬لتوحيد‭ ‬الخطاب،‭ ‬كما‭ ‬تهتم‭ ‬بالتربية‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬دمج‭ ‬مفاهيم‭ ‬الأمن‭ ‬المعلوماتي‭ ‬في‭ ‬التعليم‭.‬

ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬يقودنا‭ ‬إليه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬هو‭: ‬من‭ ‬هي‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬هذا؟‭ ‬ولماذا؟

اضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬لهندسة‭ ‬

الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجديد

يلعب‭ ‬‮«‬الأقوياء‭ ‬الجدد،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يُدعون‭ ‬بـالفاعلين‭ ‬الأقوياء‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الحكوماتNon‭-‬state‭ ‬powerful‭ ‬actors‮»‬‭ ‬دوراً‭ ‬متعاظماً‭ ‬ومهماً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬بيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشركات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الكبرى‭ (‬Big‭ ‬Tech‭) ‬بقدراتها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬وانتشاره،‭ ‬وما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومصالح،‭ ‬وما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬ضخمة‭ ‬وتحليلات‭ ‬السلوك‭ ‬لتوجيه‭ ‬المحتوى‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ (‬‮«‬الإمبراطورية‭ ‬الرقمية‭: ‬كيف‭ ‬تسيطر‭ ‬عمالقة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬على‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬د‭ ‬وليد‭ ‬عبدالحي‭/ ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬2021‭).‬

ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬لم‭ ‬يعملوا‭ ‬من‭ ‬عدم،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجموعات‭ ‬الضغط‭ ‬واللوبيات‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬مصالح‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬المنسقة‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬التأثير‭ ‬والمنصات،‭ ‬التي‭ ‬تمول‭ ‬أبحاثا‭ ‬موجهة‭ ‬لدعم‭ ‬أجندات‭ ‬محددة‭... ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬الواسع‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬التأثير‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬اضطراب‭ ‬المعلومات‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬العابر‭ ‬للحدود،‭ ‬بهدف‭ ‬هندسة‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬جديد‭.‬

إن‭ ‬الأقوياء‭ ‬الجدد‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬مشاركين‭ ‬ثانويين،‭ ‬بل‭ ‬أصبحوا‭ ‬مهندسين‭ ‬أساسيين‭ ‬لاضطراب‭ ‬المعلومات،‭ ‬باستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬وصول‭ ‬مباشر‭ ‬للجماهير،‭ ‬وقدرات‭ ‬تحليل‭ ‬بيانات‭ ‬متطورة،‭ ‬ومرونة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تتفوق‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭. ‬فهم‭ ‬يعيدون‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القوة‮»‬‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬حيث‭ ‬تشمل‭ ‬قوة‭ ‬تشكيل‭ ‬التصورات‭ ‬وصناعة‭ ‬المعتقدات‭.‬

هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والسيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين؛‭ ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬التاريخي‭ ‬لدور‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬المنصات‭ ‬يتطلب‭ ‬تفكيراً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬السيادة،‭ ‬والمواطنة،‭ ‬والحقوق،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يكمل‭ ‬بعد‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬معالجته‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ‭.‬

إن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬هو‭ ‬كيفية‭ ‬تطوير‭ ‬أطر‭ ‬جديدة‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬تخدم‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الجديدة‭ ‬المصالح‭ ‬العامة‭ ‬للإنسانية،‭ ‬ولا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬هيمنة‭ ‬غير‭ ‬خاضعة‭ ‬للمساءلة‭.‬

في‭ ‬الجزء‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬المقال‭ ‬سوف‭ ‬أحاول‭ ‬تفسير‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المعلومات‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬المعقد‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مقال‭ ‬متفرد‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا