يهتم هذا المقال بالتحولات الدولية في هياكل القوة ضمن الصناعة التكنولوجية، مع التركيز على الاتجاهات الرئيسية والتأثيرات الاجتماعية الأوسع لهذه القوة... فمَن هم «الأقوياء الجدد»؟ وما المقصود بالتحكم في المعلومات؟ والتحول من الدول إلى المنصات؟
المقدمة: التحول
في مراكز القوة
لقد شهد العقدان الماضيان تحولاً جذرياً في خريطة القوة العالمية، حيث برزت شركات التكنولوجيا الكبرى كفاعلين جدد يتمتعون بنفوذ يفوق كثيراً النفوذ التقليدي للدول، إذ لم تعد القوة مقصورة على الجيوش والحدود، بل أصبحت في البيانات والخوارزميات والمنصات.
«الأقوياء الجدد» هم المتحكمون في عالم التكنولوجيا، وهم ليسوا مجرد شركات، بل هم مهندسو الواقع الاجتماعي الجديد عبر التحكم في المعلومات والخوارزميات؛ لا يحددون فقط كيف نتواصل، بل كيف نفكر، كيف نشتري، كيف نتحرك، وحتى كيف نكره ولا نُحب... هم مَن يصنع مجتمعاً بشرياً جديداً، متحكماً به عن بُعد، ويُستمد منه القوة والنفوذ.
«الأقوياء الجدد» هم عمالقة المنصات الرقمية، أو ما يُدعى باللغات الأخرى «The Big Tech»، أي أصحاب شركات التكنولوجيا المتميزة برأسمال يزيد على تريليون دولار، وهم بالتحديد: شركة أمازون Amazon، شركة جوجل Google، شركة ميتا Meta (فيسبوك، إنستجرام، واتساب)، شركة مايكروسوفت، وشركة أبل (Apple).. هذه الشركات الأمريكية تسيطر اليوم على التجارة الإلكترونية العالمية، والبنية التحتية السحابية، وصناعة خدمات الترفيه، وتحتكر محرك البحث، والمعلومات، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والحوسبة السحابية، وبرمجيات المؤسسات، وخدمات رقمية متكاملة.
ويضاف إلى كل ذلك شركات تعمل في مجالات متخصصة مثل تسلا، انفيديا، وأوبر، ونيتفلكس التي تعمل على إعادة تشكيل صناعة الترفيه في العالم.
وهناك منصات صينية من الممكن تحديدها في شركة علي بابا، وشركة تينسنت التي تعمل في الاستثمارات التقنية العالمية، منها وسائل التواصل الصينية WeChatt (البديل الصيني للواتساب)، وشركة هواوي بما تملكه من أجهزة ذكية وبنية تحتية للاتصالات (G5)، وشركات أخرى؛ ولكن هذه المنصات لا تزال بعيدة نسبياً عن الدور الذي تؤديه شركات التكنولوجيا الأمريكية عبر التحكم في المعلومات والخوارزميات.
القوة الجديدة
«للأقوياء الجدد»
مما لا شك فيه أن العامل الاقتصادي هو أحد مصادر القوة الرئيسية لشركات التكنولوجيا الكبرى، إذ إن القيمة السوقية لشركات مثل أبل ومايكروسوفت (Apple & Microsoft) تتجاوز قيمة الناتج القومي للعديد من الدول؛ وسيولتها المالية قادرة على الاستحواذ والاستثمار بدرجات غير مسبوقة (المصدر: قاعدة بيانات Bloomberg Terminal- 2025).
تعد قوة المعلومات من مصادر القوة الجديدة التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ، حيث تتعامل هذه الشركات مع المعلومات والبيانات، التي تجمعها من مليارات المستخدمين، كسلعة، وتستخدم قوائم تحليل البيانات في صناعة التأثير على الرأي العام، والمجتمعات والأفراد، والحكومات وغيرها من المؤسسات، من خلال تحديد وتوجيه ما يراه الناس وما يقرؤونه ويناقشونه (المصدر: إحصاءات ودراسات السوق International Data Corporation IDC- 2025)... كما تتمثل قوة وأهمية المعلومات والبيانات في مدى قدرتها على إعادة تشكيل الإعلام، وتحويله إلى منصات رقمية، في فترة قياسية.
بجانب ذلك تعد قدرة تنظيم الذات مصدرا رئيسيا من مصادر قوة «الأقوياء الجدد»، حيث عملت هذه الفئة على إنشاء أنظمتها الخاصة، وقوانين مجتمعاتها الرقمية، وبرامجها الخوارزمية للتحكيم في النزاعات من خلال تحديد ما هو مسموح وممنوع على منصاتها، وفي نهاية المطاف تعمل هذه الشركات على هندسة المجتمع من خلال تصميم مؤثرات مباشرة على السلوك البشري.
في الطرف الآخر يعد انغلاق هذه الشركات على أنظمتها الخاصة، وبشفافية محدودة جداً، من أخطر سلبياتها، فتقرر بإرادتها حدود حرية التعبير، بالتحكم عبر الخوارزميات المغلقة التي تؤثر على حياتنا من دون أن نعرف كيفية عملها؛ وتعمل على الاحتكار والتقليل من المنافسة، بإنهاء وإضعاف الشركات الناشئة عبر الاستحواذ أو تقليد منتجاتها؛ حتى باتت قوتها ذات تأثير على السيادة الوطنية وقدرة تحدي سلطة الدول، والعمل خارج الأطر القانونية الوطنية.
ولربما من أخطر أدوار هذه القوة الجديدة هو ما تعمله الخوارزميات في مجال التضليل الإعلامي واضطراب المعلومات بنشر الأخبار الكاذبة، والاستقطاب الاجتماعي، والمراقبة الجماعية بما تملكه من قدرات غير مسبوقة على تتبع الأفراد.
اضطرابات المعلومات
وتحولات الرأي العام
تعد اضطرابات المعلومات ظاهرة معقدة تؤثر على المجتمعات عالميًا في العصر الرقمي.
مفاهيمياً، يشمل اضطراب المعلومات ثلاثة أبعاد: 1- المعلومات المضللة، التي تنشر من دون قصد ضار. 2- المعلومات الخادعة، وهي أخبار كاذبة تنشر عمداً لتحقيق أهداف. 3- المعلومات الضارة، وهي معلومات حقيقية يتم سرقتها بالاختراقات وتنشر بغرض الإضرار.
ولاضطراب المعلومات أدوات خاصة أهمها شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي الذي يتم استخدامه في صناعة التزييف العميق (Deep fakes)؛ ولهذا الاضطراب تأثير على تحولات الرأي العام، من خلال تسييس المعلومات وتأجيج الاستقطاب، وتقويض الثقة في المصادر التقليدية للأخبار والمعلومات، إضافة إلى خلق واقع مواز للمصادر الرسمية، تتكون من مجموعات مختلفة تتبنى روايات متناقضة بهدف التضليل وخلق المزيد من الاضطراب (تقرير رويترز «الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا والمؤثرون»، 2025- مركز الأبحاث «رويترز» لدراسة الصحافة «Reuters Institute»).
من أجل فهم أعمق للآليات غير الواضحة في تشكيل آراء الناس
يعد استغلال الجانب السيكولوجي الآلية الأهم في مؤثرات اضطراب المعلومات على تشكيل الرأي العام، بحيث، على سبيل المثال، يتم استغلال ميل الأفراد لتقبّل المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم المسبقة، واستغلال المشاعر القوية، مثل الخوف والغضب والانتماءات والولاءات، التي تزيد قابلية تصديق المعلومات المتوافقة معها، إضافة إلى استخدام المعلومات لمواجهة القلق الوجودي، واستخدام التفكير العاطفي بدل العقلاني في حالات الضغط النفسي («سيكولوجية الإشاعة: كيف تتشكل المعتقدات في العصر الرقمي»، د. محمد شعبان، القاهرة 2020).
وفي هذا يتم اتباع استراتيجيات التأثير النفسي في تشكيل الرأي العام، من خلال آليات التكرار والتطبيع عبر تقديم المعلومات تدريجياً حتى يصبح مقبولاً، كما حدث سابقاً مع نشر أفكار المثليين بهدف التطبيع، وكما يحدث حالياً في نشر أفكار البيدوفيليا (جنس الاطفال) في قضية جزيرة إبستين... إضافة إلى إغراق الفضاء المعلوماتي بروايات متناقضة لإثارة الشكوك في كل شيء، واستخدام اسلوب التواصل السردي العاطفي الذي يتم عبر القصص الشخصية المؤثرة، والسرديات البسيطة ذات الأبطال والأشرار.
إن اضطراب المعلومات لا يستهدف فقط قدراتنا على تقييم الحقائق، بل ينفذ إلى العمليات النفسية الأساسية التي تشكل إدراكنا للواقع وهُوِيّاتنا الاجتماعية. ويعد فهم هذه الآليات هو الخطوة الأولى نحو بناء دفاعات معرفية شخصية وجماعية في العصر الرقمي.
إن اضطرابات المعلومات ليست مجرد مشكلة تقنية، بل هي تحدٍّ ديمقراطي ومعرفي يعيد تعريف كيفية تشكيل الرأي العام. بينما تختلف الدول في تعاملها معها، من النمط التنظيمي الصارم إلى النمط التعددي، ولكن يبقى الهدف المشترك هو حماية التماسك المجتمعي من دون تقييد الحوار البناء.
هناك جهود متنوعة للمواجهة عالمياً، تتمثل أهمها في التجربة الصينية التي تركز كثيراً على «الأمن السيبراني» و«الفضاء الإلكتروني النظيف» كجزء من أمنها الوطني، وتتبنى آليات مثل تنظيم المحتوى وتعزيز الرواية الرسمية، والتركيز على الإعلام الموجه لتوحيد الخطاب، كما تهتم بالتربية الوطنية عبر دمج مفاهيم الأمن المعلوماتي في التعليم.
ولكن السؤال المهم الذي يقودنا إليه كل ما سبق بشكل طبيعي هو: من هي الجهات التي تقف وراء كل هذا؟ ولماذا؟
اضطراب المعلومات لهندسة
الواقع الاجتماعي الجديد
يلعب «الأقوياء الجدد، أو من يُدعون بـالفاعلين الأقوياء من غير الحكوماتNon-state powerful actors» دوراً متعاظماً ومهماً في تشكيل بيئة المعلومات المعاصرة، وذلك من خلال الشركات التكنولوجية الكبرى (Big Tech) بقدراتها الخوارزمية التي تتحكم في المحتوى وانتشاره، وما تملكه من قوة اقتصادية ومصالح، وما تملكه من بيانات ضخمة وتحليلات السلوك لتوجيه المحتوى بشكل دقيق («الإمبراطورية الرقمية: كيف تسيطر عمالقة التكنولوجيا على العالم»، د وليد عبدالحي/ المركز العربي للأبحاث 2021).
ولكن من المؤكد إن هؤلاء لم يعملوا من عدم، بل لا بد أن هناك مجموعات الضغط واللوبيات العالمية التي لها مصالح في تنفيذ هذه الحملات المنسقة عبر شبكات التأثير والمنصات، التي تمول أبحاثا موجهة لدعم أجندات محددة... ولا بد أن خلف كل هذا الأداء الواسع غير المعلن سلسلة من آليات التأثير المستخدمة في صناعة اضطراب المعلومات الذي يعيشه العالم، الذي يتجاوز السيادة الوطنية عبر الفضاء الإلكتروني العابر للحدود، بهدف هندسة واقع اجتماعي جديد.
إن الأقوياء الجدد ليسوا مجرد مشاركين ثانويين، بل أصبحوا مهندسين أساسيين لاضطراب المعلومات، باستخدام أدوات وصول مباشر للجماهير، وقدرات تحليل بيانات متطورة، ومرونة تنظيمية تتفوق على المؤسسات التقليدية. فهم يعيدون تعريف مفهوم «القوة» في العصر الرقمي، حيث تشمل قوة تشكيل التصورات وصناعة المعتقدات.
هذه الديناميكية تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الديمقراطية، والسيادة الوطنية، وطبيعة الحقيقة نفسها في القرن الحادي والعشرين؛ وهذا التحول التاريخي لدور القوة من الدول إلى المنصات يتطلب تفكيراً جديداً في مفاهيم السيادة، والمواطنة، والحقوق، والمسؤولية في العصر الرقمي، وهو أمر لم يكمل بعد أي مجتمع معالجته بشكل كافٍ.
إن التحدي الأكبر للمجتمع الدولي هو كيفية تطوير أطر جديدة تضمن أن تخدم هذه القوة الجديدة المصالح العامة للإنسانية، ولا تتحول إلى أدوات هيمنة غير خاضعة للمساءلة.
في الجزء القادم من المقال سوف أحاول تفسير مفهوم «التحكم في المعلومات»، وهو الأمر المعقد الذي يحتاج إلى مقال متفرد.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك