علميًّا، لا يمكن افتراض حتمية العلاقة العكسية بين حرية التعبير والأمن كمسَلّمة علمية، بل يُعَدُ هذا الافتراض خيارًا أيديولوجيا وسياسيا يخدم مصالح سياسية أكثر مما يستند إلى أدلة تجريبية، ويتجاهل التكاليف الأمنية للقمع نفسه، الذي يكون سببًا رئيسيًّا في تآكل الثقة بين المواطن والدولة (تقرير «الديمقراطية والأمن الوطني: منظور استراتيجي «Democracy and National Security: A Strategic Perspective، المؤلفون Thomas Wright, Michael O’Hanlon- معهد بروكينجز 2019/ وتقرير «حرية التعبير في المجتمعات المنقسمة «Free Expression in Divided Societies، المؤلفون Thomas Carothers, Richard Youngs- معهد كارنيجي 2020).
لذا، الجدل الحقيقي ليس حول إما حرية التعبير وإما الأمن، بل حول كيفية تحقيق أمن حقيقي يتسع لحرية تعبير مسؤولة، وكيفية بناء حرية تعبير لا تضحي بالأمن المشروع للمجتمع؛ إذ تؤكد تلك التقارير أن المجتمعات التي تسمح بحرية التعبير المُنَظّمَة، مع ضوابط محدودة ومعقولة لحماية الحقوق الأساسية للآخرين، تميل إلى أن تكون أكثر استقرارًا وابتكارًا وازدهارًا على المدى الطويل.
إن المقياس الحقيقي لحرية الصحافة لا يكمن فقط في غياب القمع المباشر، بل في وجود شروط تمكين حقيقية تسمح للصحفيين بممارسة عملهم من دون خوف، والتحقيق في القضايا العامة، وتقديم معلومات دقيقة ومتوازنة من دون أن تضحي بالأمن المشروع للمجتمع.
في الجانب الآخر، يعد مؤشر المقياس الحقيقي لحرية الصحافة مسؤولاً عن إعطاء حق حرية التعبير عن الرأي إلى صحفيين يتسمون بالحس السليم لمفهوم الحرية المسؤولة، ويملكون متطلبات الموضوعية والدقة والعمق، وتاريخًا ثقافيًّا جديرًا بممارسة هذا الحق.
الحريات في الفضاء الرقمي
في العقدين الأخيرين، شهدت حرية التعبير تراجعًا ملحوظًا على مستوى العالم، ولم تعد التقارير الدولية تغطي هذا التراجع المنظم لكونه، في الغالب، يشمل مناطق الديمقراطيات... ومن الواضح أن هذا التراجع في حرية التعبير ليس ظاهرة عشوائية، بل هو نتاج تحولات هيكلية جيوسياسية وتكنولوجية متداخلة.
ومن أهم بقع هذه التحولات هي الصعوبات التي يواجهها الصحفيون في غزة منذ أكتوبر 2023، التي صدرت عنها تقارير موثقة من منظمات مثل «مراسلون بلا حدود»؛ وقضية الاحتجاجات الطلابية في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وما صدر في إطارها من تقارير عن توتر في حرم الجامعات مع اتهامات من كلا الطرفين، حيث ردود فعل الجامعات هي الأكثر تعقيدًا، باختلاف السياسات المؤسسية والعوامل القانونية والإدارية المتعددة، وما واجهته بعض الجامعات من ضغوط خارجية من مانحين أو سياسيين.
رغم اختلاف سياقات وظروف كل هذه الأحداث فإن هناك قاسمًا مشتركًا بينها؛ هو العلاقة المتوترة بين حرية التعبير والحساسيات السياسية، حيث في كلتا الحالتين تم تسييس حرية التعبير، لتصبح رهينة لصراع سياسي أوسع؛ وتم استخدام ذرائع أمنية، سواء ذريعة «الأمن القومي» في غزة، أو «حماية الطلاب» في الجامعات، لتبرير القمع وفرض القيود... كما بات تأثير الضغوط الخارجية من جهات فاعلة غير أكاديمية مؤثرًا مباشرًا على بيئة حرية التعبير.
إن الإشكالية العالمية التي تجسدها هذه الحالات تُظهر أن حرية التعبير تتعرض لضغوط متزايدة في سياقات مختلفة، وبدرجات وآليات مختلفة، لتكشف أن الصراعات السياسية العالية الحساسية تختبر حدود التزام المجتمعات والدول بمبادئ حرية التعبير التي تعلنها.
الخوارزميات.. جديد الرقابة والقمع
تحولت كثير من الحكومات، في مختلف أنحاء العالم، من القمع المباشر (الإغلاق، والاعتقال الواضح) إلى قمع أكثر دهاءً، أخطرها هو الرقابة الخوارزمية، والقوانين الغامضة، والضغوط الاقتصادية، وسمومية الخطاب العام لجعل النقد الاجتماعي خطيرًا أو غير مقبول.
وفي المقابل هناك مقاومة من المجتمع المدني والصحافة المستقلة، وهناك تطور في أدوات الخصوصية والتشفير؛ ولكن موازين القوى حاليا تميل إلى صالح من يملكون أدوات المراقبة والتحكم في الفضاء الرقمي، ما يؤكد أن مستقبل حرية التعبير سيتحدد في الصراع بين تكنولوجيا التحكم وتكنولوجيا التحرر.. بين إرادة التحكم، وإرادة التحرر.
وهذا يذكرنا بأن حرية التعبير ليست مبدأً مجردًا، بل تُمارس في سياقات سياسية واجتماعية معقدة، حيث تتقاطع مع مصالح وأجندات متعددة، ما يجعل حمايتها عملية مستمرة ومعقدة تتطلب يقظة دائمة.
رؤية سياسية جديدة
ترفض شرط حرية التعبير
هذا التراجع العالمي ضد حرية التعبير يعكس تحولاً فلسفيًّا عميقًا في مفهوم الدولة وعلاقتها بالمواطن، إذ لم يعد القمع مجرد أداة لما يُدعى «حماية الأمن»، بل أصبح جزءًا من رؤية سياسية جديدة ترفض فكرة أن حرية التعبير شرط ضروري للصالح العام. وبدلاً من ذلك، تُصوَّر هذه الحريات كتهديد للنمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والهوية الوطنية.
وما يجعل هذا التراجع مقلقًا بشكل خاص هو أنه مُمنهج ومُقنَّن عبر قوانين ومؤسسات، وليس فقط عبر ممارسات تعسفية... وهذا يخلق واقعًا جديدًا حيث تقييد حرية التعبير ليس حالة استثنائية، بل جزءًا مقبولا، وأحيانًا مرحبًا به في بعض الأوساط، من النظام السياسي المعاصر.
المفارقة هي أن هذا يحدث في عصر المعلومات، ما يشير إلى أن مشكلة حرية التعبير اليوم ليست نقص المعلومات، بل فائض المعلومات المُتحكم به وتوجيهه لخدمة السلطة.
حرية التعبير والعوامل
المعرفية والقيادية
في مراجعة لظاهرة تراجع حرية التعبير عالميًّا، يمكن النظر إلى العوامل المعرفية والثقافية والقيادية كأحد الأبعاد المهمة في منظومة معقدة من العوامل؛ مثال عامل اختلاف الدول والثقافات، والاعتبارات المتعددة التي تتدخل في القرارات السياسية.
من أهم العوامل المعرفية والقيادية هو القصور الثقافي، وعلاقته بسوء فهم طبيعة المجتمعات الحديثة، الذي يؤدي إلى الاعتقاد أن السيطرة على المعلومات تؤدي إلى الاستقرار، بينما التاريخ يظهر أن الكبت يولّد انفجارًا.
وعامل آخر يتمثل في قصور الوعي بالديناميكيات الاجتماعية، الذي يؤدي إلى عدم إدراك أن الحوار والنقد الصحي يعملان كصمام أمان، لا كتهديد... يضاف إلى ذلك عامل الرؤية الآلية للمجتمع الذي يظهر في التعامل معه كآلة يمكن التحكم فيها بدقة، لا ككائن حي معقد.
سياقات حرية التعبير في القيم المعرفية
إن للمعرفة تأثيرات مباشرة على القيم وممارساتها، وللقصور القيمي تأثيرات سلبية ومعقدة على استيعاب سياقات حرية التعبير في جدلية الفهم الضَيّق للأمن القومي.
إن عدم استيعاب قيم حرية التعبير يؤدي إلى خلق نظرة استعلائية، باعتبار أن عامة الناس غير مؤهلين لتلقي معلومات كاملة والحق في المشاركة في نقاشات معقدة، ما يجعل للسلطة مفهوما فوقيًّا، باعتقاد من يملك السلطة أنه يملك تفوقًا معرفيًّا في كل المجالات، فيبتعد عن الواقع الحي، ويبقى محصورًا داخل عزلة فكرية وفقاعة معلوماتية تمنع وصوله إلى تفاصيل الواقع، لتصبح السلطة محاطة بصفوة موالية وغير ناقدة، ومنفصلة عن حياة المواطنين العاديين وتحدياتهم اليومية.
إن القصور في استيعاب سياقات حرية التعبير بالقيم المعرفية المعاصرة يخلق فجوة الخبرة والتجربة التاريخية، وقصورًا في الثقافة السياسية، وانعدام الرؤية الاستراتيجية، فتبقى الرؤية محصورة في المدى القصير، وفي عدم فهم التكاليف طويلة الأمد لتقييد حرية التعبير، وعدم القدرة على تحقيق توازن بين الحريات والمسؤوليات.
في تقييم وتحليل موضوعي..
فيما يتعلق بالعلاقة العكسية المزعومة بين حرية التعبير والأمن، من الضروري الاعتراف بأنها قضية معقدة تتجاوز التبسيط الثنائي، وأن البيانات البحثية التجريبية لا تدعم بشكل قاطع هذه العلاقة العكسية الحتمية، إذ إن العديد من المجتمعات المفتوحة تحافظ على الاستقرار مع ضمان الحريات؛ ومع ذلك، من المهم تجنب التعميمات المفرطة، لأن السياقات تختلف، وقد تتطلب بعض الحالات الاستثنائية تدابير مؤقتة لحماية الأمن العام.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك