العدد : ١٧٤٨٧ - السبت ٠٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٧ - السبت ٠٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شعبان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

سياقات حرية التعبير في عصر المعلومات

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٠٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

علميًّا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬افتراض‭ ‬حتمية‭ ‬العلاقة‭ ‬العكسية‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والأمن‭ ‬كمسَلّمة‭ ‬علمية،‭ ‬بل‭ ‬يُعَدُ‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬خيارًا‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬سياسية أكثر‭ ‬مما‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬أدلة‭ ‬تجريبية،‭ ‬ويتجاهل‭ ‬التكاليف‭ ‬الأمنية‭ ‬للقمع‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬سببًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والدولة‭ (‬تقرير‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬والأمن‭ ‬الوطني‭: ‬منظور‭ ‬استراتيجي‭ ‬‮«‬Democracy‭ ‬and‭ ‬National‭ ‬Security‭: ‬A‭ ‬Strategic‭ ‬Perspective،‭ ‬المؤلفون‭  ‬Thomas‭ ‬Wright‭, ‬Michael‭ ‬OHanlon‭- ‬معهد‭ ‬بروكينجز‭ ‬2019‭/ ‬وتقرير‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المنقسمة‭ ‬‮«‬Free‭ ‬Expression‭ ‬in‭ ‬Divided‭ ‬Societies،‭ ‬المؤلفون‭ ‬Thomas‭ ‬Carothers‭, ‬Richard‭ ‬Youngs‭- ‬معهد‭ ‬كارنيجي‭ ‬2020‭).‬

لذا،‭ ‬الجدل‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬حول‭ ‬إما‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وإما‭ ‬الأمن،‭ ‬بل‭ ‬حول كيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬أمن‭ ‬حقيقي‭ ‬يتسع‭ ‬لحرية‭ ‬تعبير‭ ‬مسؤولة،‭ ‬وكيفية‭ ‬بناء‭ ‬حرية‭ ‬تعبير‭ ‬لا‭ ‬تضحي‭ ‬بالأمن‭ ‬المشروع‭ ‬للمجتمع؛‭ ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬تلك‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بحرية‭ ‬التعبير‭ ‬المُنَظّمَة،‭ ‬مع‭ ‬ضوابط‭ ‬محدودة‭ ‬ومعقولة‭ ‬لحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للآخرين،‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬وابتكارًا‭ ‬وازدهارًا‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

إن‭ ‬المقياس‭ ‬الحقيقي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬القمع‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وجود شروط‭ ‬تمكين حقيقية‭ ‬تسمح‭ ‬للصحفيين‭ ‬بممارسة‭ ‬عملهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف،‭ ‬والتحقيق‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬العامة،‭ ‬وتقديم‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬ومتوازنة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضحي‭ ‬بالأمن‭ ‬المشروع‭ ‬للمجتمع‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬يعد‭ ‬مؤشر‭ ‬المقياس‭ ‬الحقيقي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬مسؤولاً‭ ‬عن‭ ‬إعطاء‭ ‬حق‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬إلى‭ ‬صحفيين‭ ‬يتسمون‭ ‬بالحس‭ ‬السليم‭ ‬لمفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬المسؤولة،‭ ‬ويملكون‭ ‬متطلبات‭ ‬الموضوعية‭ ‬والدقة‭ ‬والعمق،‭ ‬وتاريخًا‭ ‬ثقافيًّا‭ ‬جديرًا‭ ‬بممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭.‬

الحريات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي

في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬شهدت‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬التقارير‭ ‬الدولية‭ ‬تغطي‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬المنظم‭ ‬لكونه،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬يشمل‭ ‬مناطق‭ ‬الديمقراطيات‭... ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬عشوائية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬تحولات‭ ‬هيكلية‭ ‬جيوسياسية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬متداخلة‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬بقع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬هي‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الصحفيون‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عنها‭ ‬تقارير‭ ‬موثقة‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مراسلون‭ ‬بلا‭ ‬حدود»؛‭ ‬وقضية‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الطلابية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وما‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬من‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬توتر‭ ‬في‭ ‬حرم‭ ‬الجامعات‭ ‬مع‭ ‬اتهامات‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين،‭ ‬حيث‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬الجامعات‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬باختلاف‭ ‬السياسات‭ ‬المؤسسية‭ ‬والعوامل‭ ‬القانونية‭ ‬والإدارية‭ ‬المتعددة،‭ ‬وما‭ ‬واجهته‭ ‬بعض‭ ‬الجامعات‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬خارجية‭ ‬من‭ ‬مانحين‭ ‬أو‭ ‬سياسيين‭.‬

رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬سياقات‭ ‬وظروف‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬قاسمًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬بينها؛‭ ‬هو‭ ‬العلاقة‭ ‬المتوترة‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والحساسيات‭ ‬السياسية،‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬تم‭ ‬تسييس‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬لتصبح‭ ‬رهينة‭ ‬لصراع‭ ‬سياسي‭ ‬أوسع؛‭ ‬وتم‭ ‬استخدام‭ ‬ذرائع‭ ‬أمنية،‭ ‬سواء‭ ‬ذريعة‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬القومي‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬الطلاب‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬لتبرير‭ ‬القمع‭ ‬وفرض‭ ‬القيود‭... ‬كما‭ ‬بات‭ ‬تأثير‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬فاعلة‭ ‬غير‭ ‬أكاديمية‭ ‬مؤثرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭.‬

إن‭ ‬الإشكالية‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬تُظهر‭ ‬أن حرية‭ ‬التعبير‭ ‬تتعرض‭ ‬لضغوط‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبدرجات‭ ‬وآليات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لتكشف‭ ‬أن الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬العالية‭ ‬الحساسية‭ ‬تختبر‭ ‬حدود‭ ‬التزام‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬بمبادئ‭ ‬حرية‭ ‬التعبير التي‭ ‬تعلنها‭.‬

الخوارزميات‭.. ‬جديد‭ ‬الرقابة‭ ‬والقمع

تحولت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحكومات،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬من القمع‭ ‬المباشر‮ ‬‭(‬الإغلاق،‭ ‬والاعتقال‭ ‬الواضح‭) ‬إلى قمع‭ ‬أكثر‭ ‬دهاءً،‭ ‬أخطرها‭ ‬هو‭ ‬الرقابة‭ ‬الخوارزمية،‭ ‬والقوانين‭ ‬الغامضة،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وسمومية‭ ‬الخطاب‭ ‬العام‭ ‬لجعل‭ ‬النقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬خطيرًا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬هناك‭ ‬مقاومة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والصحافة‭ ‬المستقلة،‭ ‬وهناك‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الخصوصية‭ ‬والتشفير؛‭ ‬ولكن‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬حاليا‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬صالح‭ ‬من‭ ‬يملكون‭ ‬أدوات‭ ‬المراقبة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬سيتحدد‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬التحكم‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬التحرر‭.. ‬بين‭ ‬إرادة‭ ‬التحكم،‭ ‬وإرادة‭ ‬التحرر‭.‬

وهذا‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬ليست‭ ‬مبدأً‭ ‬مجردًا،‭ ‬بل‭ ‬تُمارس‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬معقدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬وأجندات‭ ‬متعددة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حمايتها‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬ومعقدة‭ ‬تتطلب‭ ‬يقظة‭ ‬دائمة‭.‬

رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬

ترفض‭ ‬شرط‭ ‬حرية‭ ‬التعبير

هذا‭ ‬التراجع‭ ‬العالمي‭ ‬ضد‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬يعكس تحولاً‭ ‬فلسفيًّا‭ ‬عميقًا في‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالمواطن،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬القمع‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لما‭ ‬يُدعى‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬الأمن‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬ترفض‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬شرط‭ ‬ضروري‭ ‬للصالح‭ ‬العام‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تُصوَّر‭ ‬هذه‭ ‬الحريات‭ ‬كتهديد‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

وما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬مقلقًا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬هو‭ ‬أنه مُمنهج‭ ‬ومُقنَّن عبر‭ ‬قوانين‭ ‬ومؤسسات،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬ممارسات‭ ‬تعسفية‭... ‬وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬واقعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬حيث‭ ‬تقييد‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية،‭ ‬بل‭ ‬جزءًا‭ ‬مقبولا،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬مرحبًا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط،‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬المعاصر‭.‬

المفارقة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مشكلة‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل فائض‭ ‬المعلومات‭ ‬المُتحكم‭ ‬به‭ ‬وتوجيهه‮ ‬لخدمة‭ ‬السلطة‭.‬

حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والعوامل‭ ‬

المعرفية‭ ‬والقيادية

في‭ ‬مراجعة‭ ‬لظاهرة‭ ‬تراجع‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬عالميًّا،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى العوامل‭ ‬المعرفية‭ ‬والثقافية‭ ‬والقيادية كأحد‭ ‬الأبعاد‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬العوامل؛‭ ‬مثال‭ ‬عامل‭ ‬اختلاف‭ ‬الدول‭ ‬والثقافات،‭ ‬والاعتبارات‭ ‬المتعددة‭ ‬التي‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬السياسية‭.‬

من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬المعرفية‭ ‬والقيادية‭ ‬هو‭ ‬القصور‭ ‬الثقافي،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بسوء‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار،‭ ‬بينما‭ ‬التاريخ‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الكبت‭ ‬يولّد‭ ‬انفجارًا‭.‬

وعامل‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قصور‭ ‬الوعي‭ ‬بالديناميكيات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬والنقد‭ ‬الصحي‭ ‬يعملان‭ ‬كصمام‭ ‬أمان،‭ ‬لا‭ ‬كتهديد‭... ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عامل‭ ‬الرؤية‭ ‬الآلية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬كآلة‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬بدقة،‭ ‬لا‭ ‬ككائن‭ ‬حي‭ ‬معقد‭.‬

سياقات‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬المعرفية

إن‭ ‬للمعرفة‭ ‬تأثيرات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬وممارساتها،‭ ‬وللقصور‭ ‬القيمي‭ ‬تأثيرات‭ ‬سلبية‭ ‬ومعقدة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬سياقات‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬جدلية‭ ‬الفهم‭ ‬الضَيّق‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭.‬

إن‭ ‬عدم‭ ‬استيعاب‭ ‬قيم‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬نظرة‭ ‬استعلائية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬غير‭ ‬مؤهلين‭ ‬لتلقي‭ ‬معلومات‭ ‬كاملة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭ ‬معقدة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬للسلطة‭ ‬مفهوما‭ ‬فوقيًّا،‭ ‬باعتقاد‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬السلطة‭ ‬أنه‭ ‬يملك‭ ‬تفوقًا‭ ‬معرفيًّا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات،‭ ‬فيبتعد‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الحي،‭ ‬ويبقى‭ ‬محصورًا‭ ‬داخل‭ ‬عزلة‭ ‬فكرية‭ ‬وفقاعة‭ ‬معلوماتية‭ ‬تمنع‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬الواقع،‭ ‬لتصبح‭ ‬السلطة‭ ‬محاطة‭ ‬بصفوة‭ ‬موالية‭ ‬وغير‭ ‬ناقدة،‭ ‬ومنفصلة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬وتحدياتهم‭ ‬اليومية‭.‬

إن‭ ‬القصور‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬سياقات‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬بالقيم‭ ‬المعرفية‭ ‬المعاصرة‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬الخبرة‭ ‬والتجربة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وقصورًا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية،‭ ‬وانعدام‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬فتبقى‭ ‬الرؤية‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬وفي‭ ‬عدم‭ ‬فهم‭ ‬التكاليف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لتقييد‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الحريات‭ ‬والمسؤوليات‭.‬

في‭ ‬تقييم‭ ‬وتحليل‭ ‬موضوعي‭..‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعلاقة‭ ‬العكسية‭ ‬المزعومة‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬والأمن،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأنها‭ ‬قضية‭ ‬معقدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬التبسيط‭ ‬الثنائي،‭ ‬وأن‭ ‬البيانات‭ ‬البحثية‭ ‬التجريبية‭ ‬لا‭ ‬تدعم‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬العكسية‭ ‬الحتمية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬المفتوحة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬الحريات؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬تجنب‭ ‬التعميمات‭ ‬المفرطة،‭ ‬لأن‭ ‬السياقات‭ ‬تختلف،‭ ‬وقد‭ ‬تتطلب‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬تدابير‭ ‬مؤقتة‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭.‬

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا