ماذا دار بين محمود المردي وإبراهيم المؤيد وأنور عبدالرحمن؟
شركاء التأسيس آمنوا بالفكرة.. والتمسك بالخط العروبي طوال المسيرة

حين تحتفي صحيفة «أخبار الخليج» بيوبيلها الذهبي فإنها لا تحتفل بتاريخ مؤسسة إعلامية فحسب، بل تستعيد مسيرة وطن، وذاكرة أجيال، وتجربة صحفية تشكّلت في زمن البدايات الصعبة، ونمت في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها مملكة البحرين والمنطقة الخليجية والعالم العربي.
خمسون عامًا مرّت منذ صدور العدد الأول، لكن الأسئلة الأولى مازالت حاضرة: كيف وُلدت الفكرة؟ من حمل همّها؟ وكيف استطاعت الصحيفة أن تحافظ على مكانتها ومصداقيتها وسط تغيرات السياسة والاقتصاد والتقنية؟
□ العودة إلى الجذور
بالتزامن مع هذه المناسبة، تعيد «أخبار الخليج» نشر ملخصين من لقاءين صحفيين أُجريا مع الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير.
وقد نشر أحد هذين اللقاءين في فبراير 2001، بمناسبة اليوبيل الفضي للجريدة، حين وصف الزميل ناصر القلاف ذلك الحوار بأنه لقاء مع مهندس المشروع العملاق، الرجل الذي لم يكن شاهدًا على البدايات فحسب، بل كان أحد صانعيها الحقيقيين، أما اللقاء الثاني فكان حوارا مفتوحا بين رئيس التحرير والراحل لطفي نصر في الأول من فبراير 2006.
يستعيد أنور عبدالرحمن المشهد الأول، قائلا إن فكرة إصدار صحيفة يومية لم تولد في قاعات رسمية أو اجتماعات موسعة، بل انطلقت من اجتماع تمهيدي محدود العدد، عظيم الدلالة.
كان الحضور ثلاثة فقط، هم الراحل محمود المردي، وإبراهيم محمد المؤيد، وأنور عبدالرحمن.
وجرى اللقاء في مكتبة الهلال، المكان الذي لم يكن مجرد مكتبة، بل فضاءً ثقافيًا نابضًا بالأفكار. وكان أنور عبدالرحمن في تلك الفترة مديرًا لمكتبة الهلال ولمؤسسة الهلال للتوزيع، ما جعله قريبًا من نبض القارئ وحركة الكتاب والصحافة.
□ تكليف بالدراسة
انتهى ذلك الاجتماع بتكليف أنور عبدالرحمن بإعداد دراسة جدوى حول إمكانية إصدار صحيفة يومية بحرينية.
لم يكن التكليف شكليًا، بل حمل مسؤولية كبيرة؛ لأن نجاح أو فشل الدراسة سيحدد مصير المشروع من الأساس.
بدأ عبدالرحمن العمل على الدراسة بأسلوب عملي، مستندًا إلى مسح ميداني دقيق، اعتمد فيه على البيانات المتوافرة حول توزيع الصحف العربية والخليجية التي كانت تصل إلى السوق البحريني آنذاك، ومدى إقبال القراء عليها، وطبيعة المحتوى الذي يبحث عنه الشارع البحريني.
□ الشارع مستعد
خلصت الدراسة إلى نتيجة واضحة، هناك فرصة حقيقية لإصدار صحيفة يومية وطنية في البحرين.
هذه النتيجة لم تكن مجرد أرقام، بل قراءة لوعي اجتماعي وثقافي كان يتشكل، وحاجة متنامية إلى منبر صحفي يعكس هموم الوطن وقضاياه من زاوية بحرينية خالصة.
□ التفاؤل بالمشروع
بعد الانتهاء من الدراسة جرى تبادل الرأي مع عدد من الشخصيات الوطنية والاقتصادية المعروفة، من بينهم الوجيه عبدالرحمن جاسم كانو، وحسن علي الخاجة، ومحمد حسن العريض.
وقد أبدى هؤلاء تفاؤلهم بالمشروع، وأعلنوا استعدادهم للمساهمة فيه، إدراكًا منهم لأهمية وجود صحيفة يومية وطنية تشكّل إضافة نوعية للمشهد الإعلامي.
□ الأول من فبراير 1976
وبعون الله، وبعد استكمال الترتيبات، صدر العدد الأول من صحيفة «أخبار الخليج» في الأول من فبراير 1976.
كان ذلك اليوم محطة فارقة، ليس فقط في تاريخ الصحيفة، بل في تاريخ الصحافة البحرينية عمومًا، إذ دشّن مرحلة جديدة من العمل الإعلامي المنظم.
□ فريق العمل الأول
تحمّل مسؤولية إصدار العدد الأول فريق عمل متنوع، ضم صحفيين عربًا وبحرينيين.
ويشير أنور عبدالرحمن إلى أن الاستعانة بعدد من الصحفيين المصريين جاءت نتيجة التجربة الصحفية المصرية الغنية، التي أسهمت في وضع الأسس المهنية الأولى من حيث الإعداد والتبويب والتحرير، هم: محمد العزب موسى، أحمد عبدالغني، لطفي نصر، حافظ إمام، سعيد عارف، سعيد نعمة الله، الخطاط والرسام غازي، سيد حجازي.
□ الكفاءات البحرينية
وإلى جانب الخبرات العربية، كان للحضور البحريني دور أساسي، حيث انضم إلى الفريق: حسن النعيمي، محمد بخيت، خليفة حسن قاسم، ماجد العرادي، راشد شريدة، طفلة الخليفة.
وهو حضور يؤكد أن «أخبار الخليج» تجربة وطنية شارك في بنائها أبناء البحرين منذ اليوم الأول.
□ بداية قوية
يصف أنور عبدالرحمن تلك المرحلة بقوله: «كانت البداية متواضعة، لكنها قوية».
قوة البدايات لم تكن في الإمكانات المادية، بل في الحماس والإيمان بالفكرة.
كان العاملون يسهرون حتى مطلع الفجر، ليخرج العدد الأول في ثماني صفحات فقط، تُطبع في المؤسسة العربية، وتصل إلى القارئ عند الرابعة صباحًا.
بلغ عدد النسخ المطبوعة في اليوم الأول 10 آلاف نسخة، وهو رقم عُدّ حينها إنجازًا كبيرًا.
□ تجربة تتشكل يوما بعد يوم
لم تكن الأمور سهلة؛ فالتجربة جديدة، والتحديات كثيرة، لكن الفريق كان يكتشف يوميًا جوانب جديدة من العمل الصحفي، ويتعلم من الأخطاء، ويطوّر الأداء.
وكان دعم القارئ البحريني واستقباله الإيجابي للجريدة عاملا حاسمًا في تعزيز الثقة، ودافعًا للاستمرار في تحسين المحتوى وتجديده.
□ تساؤل جوهري
يطرح أنور عبدالرحمن تساؤلًا جوهريًا:
هل كانت «أخبار الخليج» مشروعًا وطنيًا أم استثماريًا؟
ويجيب بحسم: «لم يكن الربح الهمّ الأول للمؤسسين».
فالهدف الأساسي كان إصدار صحيفة يومية تخدم الوطن، وتعكس قضاياه، وتواكب تطلعاته، أما الربح، فرغم أهميته لضمان الاستمرارية، فقد تأخر حضوره، وظل غائبًا فترة ليست قصيرة.
ورغم التحديات، آمن المؤسسون بأن الاستثمار في الصحافة هو استثمار في الوعي.
□ كلمة وفاء لبنك
البحرين والكويت
وفي سياق الوفاء، يحرص أنور عبدالرحمن على الإشادة بالدور الكبير الذي لعبه بنك البحرين والكويت، مؤكدًا أن دعمه كان سخيًا وبلا حدود منذ لحظة التأسيس.
كما نوّه بأسماء شخصيات مصرفية كان لها أثر واضح في دعم الجريدة، ما أسهم في استمرارها وتطويرها.
□ محمود المردي.. روح التأسيس
ولا يكتمل الحديث عن «أخبار الخليج» من دون التوقف عند اسم محمود المردي، أحد رواد الصحافة البحرينية، وصاحب الدور المحوري في تأسيس وإصدار عدد من الصحف والمجلات.
هو من تقدم بطلب ترخيص إصدار «أخبار الخليج»، وصدر عددها الأول عام 1976.
شاء القدر أن يسقط المردي في مكتبه، والقلم في يده، وهو يحاول أن يضيء شمعة للقارئ.
رحل جسدًا، لكن فكره ظل حاضرًا في ذاكرة الصحافة البحرينية.
يصفه من عاصروه بأنه كان صاحب فكر دفاق، ينهل من كل نبع ثقافي من دون تطرف، ويحترم جميع الآراء، ويتمتع بقدرة نادرة على الوصول إلى القلوب.
آمن بالصحافة المسؤولة، وبأن النقد واجب، لكن من دون إسفاف أو تجريح.
رغم أن المردي لم يدوّن كل أفكاره، فإن مبادئه مازالت حاضرة في روح «أخبار الخليج»، التي تواصل مسيرتها كمنبر وطني حر، يحمل أمانة الكلمة، ويكتب التاريخ بصدق ومسؤولية.
خمسون عامًا مضت، ولا تزال «أخبار الخليج» شاهدًا على الزمن، وحارسًا للكلمة، وجزءًا أصيلًا من ذاكرة البحرين.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك