يتجه الشرق الأوسط نحو ملامح غير مسبوقة تقودها العواصم الخليجية، بعدما تحولت من أطراف داعمة إلى محور رئيسي يعيد صياغة التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. فبينما تغرق إسرائيل في عزلة متزايدة نتيجة اعتمادها على القوة والعنف، تبرز السعودية وقطر والإمارات كقوى توازن واستقرار، توظف الاقتصاد والدبلوماسية في بناء نظام إقليمي جديد.
وأظهرت حرب غزة الأخيرة حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، إذ فقدت تل أبيب زمام المبادرة وتحولت إنجازاتها الميدانية إلى عبء سياسي. وفي المقابل، استطاعت الدبلوماسية الخليجية أن تفرض حضورها، وخصوصاً بعد نجاح قطر في الوساطة التي أنهت الحرب في أكتوبر الماضي، ما منحها ومعها بقية دول مجلس التعاون موقع القيادة في هندسة التهدئة الإقليمية.
وجاءت اللحظة الفارقة حين اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أي هجوم على قطر هو تهديد مباشر للولايات المتحدة، ليمنح الخليج ضمانة دفاعية غير مسبوقة ويعيد تعريف العلاقة بين واشنطن ودول المجلس على أساس الشراكة لا التبعية. هذا التحول، الذي بدأ قبل الحرب بسنوات، ارتكز على قناعة خليجية بأن التنمية الداخلية لا تنفصل عن الاستقرار الإقليمي.
ومع تراجع الدور الأمريكي التقليدي وانكفاء إسرائيل سياسياً، تبنّت دول الخليج مقاربة جديدة للنفوذ تقوم على «الاستقرار مقابل التنمية»، مستخدمة قوتها المالية والسياسية لإعادة إعمار غزة ولبنان وسوريا، عبر استثمارات تجاوزت 14 مليار دولار، في مسعى لإبعاد هذه المناطق عن النفوذ الإيراني وتجفيف جذور التطرف من خلال التنمية.
غير أن هذا الصعود الخليجي لا يخلو من تحديات. فإدارة عمليات الإعمار في بيئات هشة تتطلب خبرات معقدة، كما أن أي تصعيد إسرائيلي جديد قد يبدد ما تحقق من مكاسب. لذلك تحرص العواصم الخليجية على ضبط إيقاع التوتر لا تأجيجه، وتضغط على واشنطن لتقييد المغامرات الإسرائيلية في الضفة الغربية ولبنان.
وبينما تفقد إسرائيل موقعها كمركز القرار في الشرق الأوسط، تفرض دول الخليج رؤيتها الجديدة القائمة على البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية. فحرب غزة لم تعِد رسم الخرائط فقط، بل غيّرت معادلة القوة: لم تعد تل أبيب تصنع النظام الإقليمي، بل بات الخليج هو من يكتب ملامح «الشرق الأوسط الجديد».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك