المحامي ليس طرفا في النزاع ولا خصما لأحد بل وكيلا يتحدث بالقانون
تبدأ المحكمة الصغرى الجنائية يوم الإثنين القادم محاكمة عاجلة لمتهم ضرب محامي طليقته أثناء ممارسته مهنته في مجمع المحاكم الشرعية، حيث باشرت النيابة التحقيق في الواقعة واطلعت على التقارير الفنية المثبتة للاعتداء، وأمرت بإحالة المتهم إلى محاكمة عاجلة، مؤكدة أن المحامين هم أعوان القضاء ومسهم أساسي في تعزيز العدالة وترسيخ دعائم دولة القانون، مؤكدة أن النيابة العامة باعتبارها الأمينة على الدعوى العمومية لن تتوانى عن اتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يسيء لمهنة المحاماة.
ولكن الواقعة ألقت الضوء مجددا على مطالبات المحامين الساعية لسرعة إصدار قانون المحاماة الذي عاد إلى الإدراج المغلقة بعد محاولات انعاشه في الربع الأخير من العام الماضي، حيث أصدرت جمعية المحامين بيانا فور وقوع حادث الاعتداء، وأكدت أنه لا يمكن اعتباره حادثًا بسيطًا، بل يمثل تعديًا خطيرًا على استقلالية مهنة المحاماة، وجددت دعوتها إلى إصدار قانون للمحاماة يحفظ حقوق المحامين، ويجرّم أي اعتداء عليهم أو على مكاتبهم أثناء ممارستهم مهامهم، أسوةً بما هو معمول به في العديد من الدول الخليجية والعربية وسد الثغرات القانونية التي قد تتيح مثل هذه التعديات، والعمل على تعزيز مكانة المحاماة كركيزة أساسية في تحقيق العدالة وحماية الحقوق.
جرس إنذار
المحامي محمود الودياني اعتبر الواقعة جرس إنذار كونها لا تمثل سلوكا فرديا، بل تعدّيا على المهنة والقضاء معًا، ومؤشرا خطيرا إلى أن مفهوم «الخصومة» لا يزال مغلوطًا في أذهان البعض، مشيرا إلى أن المحامي ليس طرفًا في النزاع، ولا خصمًا لأحد، بل إنه مجرد وكيل يتحدث بلغة القانون، وهو ما عبّر عنه الراحل رجائي عطية أحد أعلام المحاماة، عن جوهر رسالة المحامي، في كتابه سيرة المحاماة، موضحا أن العبارة تختصر جوهر المهنة، وتلخص ما يجهله البعض، ممن لا يزالون يظنون أن المحامي جزء من الخصومة، لا حامل لواء القانون.
وقال لـ«أخبار الخليج»: نحن لا نصنع النزاعات، بل نعرضها على ميزان العدالة ولا نطلق الأحكام، بل نحتكم إلى من له سلطة إصدارها، ومع ذلك نجد من يسيء فهم دور المحامي، فيعاملونه كخصم أو عدو، بينما هو في الحقيقة عين العدالة ولسان الحق، مشيرا إلى أن المحامي لا يُفترض أن يُهدد أو يُعتدى عليه بسبب تمثيله القانوني، بل يُصان كما يُصان القاضي، لأن كليهما يمثّل وجه العدالة، من مواقع مختلفة.
وأضاف أن ما يحدث داخل المحكمة يجب أن يبقى في المحكمة، أما أن تتحوّل الخصومة إلى تصفية حسابات خارج جدرانها، أو أن يُحمّل المحامي ذنب ما لا يملكه، فهذه كارثة قانونية ومجتمعية، وخاصة أن المحامي ليس خصمًا بل وكيلًا، يتحدث بلغة هادئة ومجردة، اسمها القانون.
وأكد أن مسودة قانون المحاماة الجديد تمثل تحركًا في الاتجاه الصحيح لحماية المحامي والمهنة، ومن أبرز ما تضمنته نصوص صريحة تجرّم الاعتداء على المحامي أثناء تأدية مهامه، وضمان استقلال المحامي ومنع أي تدخل في مساره المهني، وعقود قانونية واضحة لتنظيم العلاقة بينه وبين موكله، ودور أقوى لجمعية المحامين في الرقابة والدعم والحماية، وأوضح أنه حان الوقت لإقرار هذا القانون، لا لمصلحة المحامي فقط.
من جانبها تشير المحامية سناء بوحمود إلى أن مهنة المحاماة واجهت في الفترة الأخيرة العديد من الانتهاكات حتى وصل الحال إلى ما سمعنا عنه من حدث مؤسف يتمثل في الاعتداء على سلامة جسم أحد المحامين أثناء قيامه بتأدية واجبه في الدفاع عن أحد أفراد الخصومة، وهو أمر تنبذه كافة الأعراف والقوانين والاتفاقيات الدولية وتشدد في ضرورة التعامل معه بحزم، نظراً إلى قدسية الدور الذي يقوم به المحامي ونبل الرسالة الي يؤديها في ارساء دعائم الحق وترسيخ العدالة.
وأكدت ضرورة تدخل الدولة وتوفير أكبر قدر ممكن من الحماية اللازمة لمنتسبي هذه المهنة، بما يضمن استقلالها وهيبتها والحفاظ على كرامتها وتوفير الحصانة اللازمة لمنتسبيها، وفقاً للدور المنوط بها في تنظيم التعامل مع كافة الشرائح في المجتمع لأن تعمل بجد على توفير الاجواء الملائمة لأداء رسالة المحاماة، وخصوصاً ان المحاماة أحد جناحي العدالة، وأن منتسبيها هم أعوان القضاء.
وحيث إن الاعتداء على المحامي بأي شكل من الأشكال، وإن كان يشكل جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات، إلا انه لا بد من التشديد في العقوبة متى كان هذا الاعتداء واقعا عليه بسبب أو بمناسبة قيامه بأداء واجبه المهني، إلا أننا نجد ان قانون العقوبات البحريني يجرم في الباب الثامن الجرائم الواقعة على الاشخاص من دون ان يفرد مواد خاصة بالاعتداء على المحامين اثناء وبمناسبة اداء مهامهم، كما فعل في الاعتداء على الموظفين، لذلك لا بد من أن ينص المشرع على فرض عقوبة مغلظة على كل من يتطاول على المحامين اثناء تأدية واجبات مهنتهم سواء بالسب أو القذف أو الضرب أو الإهانة بالإشارة أو القول أو التهديد متى كان ذلك الاعتداء أثناء أو بسبب قيامه بأعمال مهنته.
كما لا بد ان يتضمن القانون حقوقا وحصانات مقررة للمحامين ومكاتبهم توفر لهم بيئة صحية وتضمن لهم ممارسة مهنية سليمة، حيث ان للمحامي الحق في ان يعامل في المحاكم وسائر الجهات التي يحضر امامها بالاحترام الواجب بما يضمن عدم التعدي عليه اثناء تأدية مهامه، فضلاً عن وجوب تذليل الصعاب والعراقيل امام اداء مهامه على اتم وجه، وهو ما يتطلب من الجهات المعنية ضرورة الاسراع في اصدار قانون المحاماة الجديد على ان يتضمن مواد تجرم الاعتداء على المحامين اثناء تأدية مهامهم وتغليظ العقوبة.
ليس خصما
وأشارت إلى أن المحامي يؤدي رسالته لإظهار الحق والدفاع عن موكليه وليس خصما لأي من اطراف القضية؛ فمهنة المحاماة رسالة انسانية مهمتها تقديم المساعدة القضائية والقانونية لمن يطلبها وتتعاون مع القضاء في تحقيق العدالة والدفاع عن حقوق الموكلين وتحصيلها تحقيقا للعدالة، ويعتبر الفهم السليم للمحاماة وإدراك الترابط بينها وبين القضاء خطوة اساسية تضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل، فقوة المحامي ليست لشخصه وإنما لما يمثله من حقوق المترافعين امام الجهات ذات العلاقة، حيث ان المحامي هو احد اعوان القضاة في اظهار الحق وبيان الحجة والدليل وفقا للأصول الشرعية والانظمة المرعية، فإذا كان المحامي غير آمن في اداء رسالته فلن يستطيع اداء واجبه على الوجه الاكمل، فلا يختلف اثنان في ان دور المحامي لا يقل اهمية ومكانة عن دور القاضي، فإن كان يطلق على مرفق القضاء (القضاء الجالس) فيطلق على مهنة المحاماة (القضاء الواقف)، ومهنة المحاماة مكملة للقضاء وبها تتحقق العدالة. ولذا لا بد من عقوبة رادعة لكل من تسول له نفسه التعدي على محام خلال ممارسته مهنته، وهو ما يستوجب ان يتضمن قانون المحاماة الجديد المتوقع صدوره قريبا مادة تنص على حصانة تحمي المحامي اثناء وبمناسبة تأديته لعمله مطمئناً اسوة بجميع الدول المتقدمة.
بدروه يقول المحامي محمود ربيع إن ثمة حاجة إلى أن يتضمن مشروع قانون المحاماة الجديد المعروضة مسودته للتداول والنقاش نصاً يُشدد العقوبة على التعدي المحامي مثلما أن العقوبة في قانون العقوبات تُشدد على الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة أثناء وبسبب تأديته لوظيفته، وألا يُكتفي بالعقوبة في صورتها البسيطة، كالنص على معاقبة كل من يتعدى على محام أو إهانته بالإشارة أو القول أو التهديد أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها بالعقوبة المقررة لمن يرتكب هذه الجريمة ضد أعضاء هيئة المحكمة.
وأشار إلى أن المطالبة بحماية المحامي لم تعد مادة نظرية تناقش في الندوات وورش العمل، وإنما حاجة ملحة وضرورية لكي يتمكن للمحامي من القيام بواجبه في الدفاع عن موكله، فالمحاماة رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة، ويحملون راية العدل في أمانة وصدق يناصرون الحق، ويدرأون الظلم، وقد تتعرض فيها مصالح المحامي وحريته للخطر، وربما حتى حياته نفسها.
وأكد أنه لا بد أن يقابل هذا الواجب واجب على المجتمع في احترام المحاماة والمحامين الذين زادت حوادث التجاوز معهم والتعرض لهم هذه الأيام، وأن توفير الحصانة للمحامين ليست مجاملة أو محاباة، وإنما هو تحصين للعدالة ذاتها ولحقوق الناس التي ينهض المحامون للدفاع عنها حين تتعرض للإهدار أو العدوان، مشيرا إلى أن المحامي في تأدية واجباته المهنية لا يمثل مصالحه الخاصة وإنما يمثل مصالح موكليه، ومن ثم فهو ليس خصما حقيقيا في الدعوى، وإنما لا يعدو إلا أن يكون طرفاً من اطرافها يكون دوره عرض الجوانب القانونية في الدعوى وسرد الوقائع الصحيحة وتقديم البينات التي يستلزمها الدفاع عن موكله بالأسلوب الذي يراه مناسباً، ولا سلطان عليه في مزاولته لمهنة المحاماة إلا ضميره وأحكام القانون.
بدوره أكد المحامي أحمد الحداد دور الصحافة كأداة اساسية لنقل الحقائق وتفسير الأحداث، وفي منطلق هذا السياق سوف نتناول موضوع الاعتداء الاخير الذي وقع على أحد المحامين أثناء تأدية عمله مستعرضين أبرز الامور الذي تهم هذه الحادثة؛ حيث تمثل هذه الحادثة ظاهرة خطيرة لا يمكن اعتبارها حادثة عابرة. أما بالنسبة إلى ما يتعلق بعقوبة الاعتداء على محام بالضرب وذلك وفقا للقانون الجنائي، فقد نظم قانون العقوبات رقم 15 لسنة 1976 ووفقا للتعديلات بقانون رقم 7 لسنة 2023 حيث نصت المادة 339 من ذات القانون (يعاقب بالحبس او بالغرامة من اعتدى على سلامة جسم غيره بأي وسيلة وأفضى الاعتداء الى مرضه او عجزه عن اعماله الشخصية مدة تزيد على عشرين يوما).. حيث افرد المشرع في نص المادة المشار إليها تجريم هذا الاعتداء بالحبس أو الغرامة.. أما فيما يتعلق بكيف يمكن حماية المحامي من اشكالات المهنة حيث يتطلب هذا اتخاذ إجراءات قانونية وتنظيمية صارمة ضد اي معتد على المحامي سواء كان هذا الاعتداء لفظا او بالإشارة او اعتداء على سلامة الجسم، حيث تهدف هذه القوانين الى ضمان سلامته الشخصية واحترام حقوقه أثناء قيامه بممارسة مهنته كمحام.... أما بالنسبة إلى مسألة ما هو مطلوب من الجهات المدنية وذلك لحماية المحامي.. فإنه يتعين اصدار قانون بحيث يحمي المحامي ويتم تجريم الاعتداء عليه او على مكتبه أثناء ممارسة مهنته وذلك أسوة بدول مجلس التعاون.
سرعة خروج القانون
الجديد إلى النور
وأكد المحامي زهير عبداللطيف أن الإساءة للمحامي تعتبر إهانة للعدالة؛ حيث يمثل المحامي إحدى ركائز العدالة في أي دولة، وهو الأمر الذي حرصت عليه مملكة البحرين منذ قديم الزمان، حيث يتمتع المحامون باحترام وتقدير من السلطة القضائية والمجتمع.
وأشار عبداللطيف إلى أن ما حدث للزميل الذي تم الاعتداء عليه أثناء تأدية عمله في المحاكم الشرعية يعتبر عملا فرديا نادر الحدوث في المجتمع البحريني المثقف والمتعلم الذي يعرف تماما قدر مهنة المحاماة والعاملين فيها، وقال إن حادث الاعتداء وكأنه قد أصاب جميع العاملين في المهنة، وهو أمر مستنكر ويستوجب عقاب الفاعل، وخاصة مع عدم وجود مادة في قانون المحاماة الحالي تتطرق إلى هذا الشأن.
وأشار زهير إلى مسودة مشروع قانون المحاماة الأولية التي أعدتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، حيث تناولت هذا الأمر في نص المادة (64) من مسودة مشروع القانون على أنه «مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة التي لا تجاوز مائة دينار كل من اعتدى على سلامة جسم المحامي أو هدده أو أهانه بالإشارة أو القول أو أي طريقة أخرى أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها»، وقال إن الاعتداء على المحامي اليوم يتم التعامل معه وفق مواد القانون الجنائي باعتباره اعتداء على سلامة جسم الغير، وهو ما لا يستقيم لوضع المحامي وصفته ومكانته في المجتمع والسلطة القضائية.
ودعا إلى سرعة العمل على تعديل القانون الحالي واستبداله بالقانون المقترح، مع ضرورة مناقشة بقية بنود القانون وأخذ آراء الزملاء المحامين وجمعيتهم، وسرعة إقراره بما يحقق التطلعات التي سعى إليها أبناء المهنة منذ سنوات طويلة، ومنها وضع عقوبة للاعتداء على المحامي تكفل له الحماية والاحترام والتقدير من كافة الجهات وأفراد المجتمع.
وأكد عبداللطيف دعم كافة المحامين للزميل الذي تم الاعتداء عليه والوقوف بجانب حقه الأدبي في تلك الواقعة التي لا تمثل مجتمع البحرين وتمثل خللا في منظومة مجتمع متسامح ومتعايش ومثقف ومتعلم، لا يمكن أن يفعل ذلك سواء مع المحامي أو مع أي شخص يؤدي مهنته وخاصة أن المحاماة رسالة وليست مهنة فقط.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك