التهديدات لم تعد تقتصر على البحر والجو بل امتدت إلى البيانات
تضامن كامل مع السعودية في حقها الأصيل للدفاع عن سيادتها

أكد الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية أن نهج مملكة البحرين يقوم على مبدأ الشراكة، وأن أمن الخليج يُصاغ على أفضل وجه مع دول الخليج. وقال إن مملكة البحرين تقدر كل مبادرة تخفف التوتر وتخفض التصعيد وتفتح الطريق أمام الحوار، وأن مشاركة الدول المعنية فيها هي أوثق ضمانات استدامتها.
وأكد وزير الخارجية أن مملكة البحرين ستواصل أداء دورها، في مجلس الأمن، وبين الدول الأعضاء، وفي البحر والجو، وعبر الشبكات التي تربطنا، مسترشدة برؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، بأن أمن هذه المنطقة وازدهارها وجهان لحقيقة واحدة، وأمانة مشتركة بيننا جميعًا.
وأضاف أن التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة هذا العام كشفت حجم التحدي الذي واجهته دول مجلس التعاون، موضحًا أن دول المجلس والمملكة الأردنية الهاشمية تعرضت لما يقارب سبعة آلاف اعتداء بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، التي طالت الأعيان المدنية والبنى التحتية والمنشآت الاقتصادية، بما فيها الموانئ والمطارات المدنية ومراكز البيانات.
جاء ذلك في الجلسة الحوارية التي عقدت تحت عنوان «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية»، ضمن منتدى حوار المنامة في دورته الثانية والعشرين، الذي يعقد بتنظيم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط بالتعاون مع وزارة الخارجية. وشارك في الجلسة الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والسيد أرارات ميرزويان وزير خارجية جمهورية أرمينيا، وأدارها السيد باستيان جيجريش المدير العام الرئيس التنفيذي للمعهد.
وقال وزير الخارجية إن عنوان هذه الجلسة يدعونا إلى التأمل في كلمتين هما الشمول والفاعلية، وتساءل الوزير ما قيمة الشمول من دون فاعلية؟ مضيفًا أن المشاركة في المفاوضات لا تعني الكثير إذا كانت القرارات المصيرية قد اتُّخذت في مكان آخر، وأن الشمول بلا فاعلية حضورٌ للمشاهدة، لا شراكةٌ في صنع القرار.
وأكد وزير الخارجية أن أمن المنطقة وازدهار العالم يقومان على ثلاثة شرايين رئيسية هي البحر، والجو، وتدفق البيانات، موضحًا أن هذه الشرايين الثلاثة جميعها تعرضت للاختبار.
وقال إنه منذ اندلاع الأزمة تعطّلت نحو ألف وستمائة سفينة في مضيق هرمز، وحُرم أكثر من ثلاثة وعشرين ألف بحار من حريتهم، وظلت مئات السفن وآلاف البحارة عالقين حتى اليوم، فاهتزت أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، واضطربت إمدادات الغذاء والدواء، وبات ما يصل إلى خمسة وأربعين مليون إنسان، معظمهم في دول الجنوب، مهددين بالجوع، مشددًا على أنه لا يحق لأي دولة أن تجعل العبور في مضيق دولي مرهونًا بإذنها أو أن تربك حركة السفن في المضيق.
وأضاف يقول: أما في الجو، فلم تسلم المطارات المدنية ولا الأجواء من الاعتداءات، التي أصبحت نهجًا واحدًا متصلًا، حيث استهدفتها إيران مباشرة، ولم تتوقف اعتداءاتها على مملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، حتى بعد التفاهمات التي كان يُنتظر أن تضع حدًا للتصعيد.
وقال إن اعتداءات مليشيات مرتبطة بإيران، تنطلق من العراق، امتدت إلى مملكة البحرين، ودولة الكويت، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة الأردنية الهاشمية، في الوقت الذي واصلت فيه مليشيا الحوثي، بكثافة أكبر، اعتداءاتها الإرهابية على المملكة العربية السعودية، فاستهدفت مطارات الرياض وأبها وجازان ونجران والدمام ومنشآت الطاقة، موضحًا أنها لم تتورع عن استهداف جوار مكة المكرمة والمدينة المنورة، في انتهاك صارخ لحرمة الحرمين الشريفين ومساس بمشاعر المسلمين كافة.
وأضاف الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني أن مجلس الأمن أدان في الخامس عشر من أكتوبر بالإجماع وبأشد العبارات تصعيد الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وأكد حقها الأصيل في الدفاع عن النفس، ودعا إلى التعاون لمنع الحوثيين من الحصول على الأسلحة، مؤكدًا أن مملكة البحرين تقف متضامنة تضامنًا كاملًا مع المملكة العربية السعودية الشقيقة.
وأشار وزير الخارجية إلى الشريان الثالث قائلًا إنه لا يقل أهمية عن الشريانين السابقين، موضحًا أن الحرس الثوري الإيراني لوح في شهر أكتوبر باستهداف الكابلات البحرية التي تحمل بيانات المنطقة عبر مضيق هرمز، وأن تلويح مسؤولين إيرانيين امتد إلى مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ذاتها، مشددًا على أنه المنطق ذاته الذي شهدناه في البحر، فشريان مراكز البيانات المشترك يتحول إلى أداة إكراه وتهديد.
وأكد الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني أن العالم لا يرى في ذلك خلافًا إقليميًا، بل شأنًا دوليًا يمسّ الجميع، مشيرًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817، الذي قدمته مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية، وحظي بدعم 136 دولة. وقال إن ما يقارب ثلاثة أرباع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وقفت معنا، وهي الدول التي تبحر السفن تحت أعلامها، والأمم التي يعمل بحارتها على متنها، والدول الجزرية والشعوب التي يرتبط قوتها اليومي بما تحمله تلك السفن، مؤكدًا أن رسالتها كانت واضحة، فلا رسوم، ولا شروط، ولا بَحَّار يُتخذ ورقةً للضغط، وذلك هو الشمول في أوسع صوره.
وقال وزير الخارجية إن القواعد واضحة، وكانت القرارات قد اعتُمدت، غير أن ما غاب لم يكن القانون، بل القدرة على إنفاذه، متسائلًا: هل تملك مؤسساتنا من الفاعلية ما يرقى إلى هذا الشمول الواسع؟ وأضاف إن الاجابة الأولى عن السؤال تكمن في الإنفاذ، لأن إجماعًا بهذا الاتساع يستحق آلية بحجمه، تتمثل في إطار جماعي لسلامة الملاحة بحرًا وجوًا، يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مع استعداد الجمعية العامة للتحرك حيث يتعذر على مجلس الأمن ذلك.
وقال وزير الخارجية إننا من هذا المنطلق ندعو إلى الاتفاق على مبادئ دولية تَحُول دون تحويل الممرات المائية، والكابلات الممتدة في قاعها، إلى أدوات ضغط أو إكراه أو تهديد، تعتمدها الجمعية العامة ليؤكد مجموع الدول الأعضاء حرية العبور من دون قيد أو شرط، وفق قواعد القانون الدولي الراسخة. وأضاف أنها فكرة طُرحت في اجتماع بصيغة آريا الذي ترأسته المملكة في مجلس الأمن في سبتمبر الماضي، وستعمل المملكة مع شركائها على المضي بها قدمًا.
وأشار إلى أن الإنفاذ لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، لأن القرارات التي تحمي مياهنا، والقرارات التي تصون حقوق الشعوب في الحرية والكرامة، في مقدمتها حق الشعب الفلسطيني الشقيق في دولته المستقلة، تستند إلى الميثاق ذاته، والمصداقية لا تتجزأ.
ودعا وزير الخارجية إلى إطار إقليمي قائم على الترابط، متين بما يكفي كي لا يجرؤ أحد على اختباره، ومفتوح لكل جار مستعد لاحترام السيادة وعدم التدخل وحرية البحار، ونبذ التهديد بالقوة أو استخدامها، مشيرًا إلى أن هذا الباب يبقى مفتوحًا، لإيران كما لغيرها، لكنه يفضي إلى القواعد لا إلى الاستثناءات، وإلى الأفعال لا إلى النوايا.
وأكد الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني أن الفاعلية تعني أيضًا أن نصوغ ما هو آت، لا أن نكتفي بالرد على ما وقع، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يتغلغل اليوم في كل شريان من الشرايين الحيوية، وإذا وقع في الأيدي الخطأ جعل الأسلحة التي تهددها أسرع وأرخص وأصعب اعتراضًا. وأضاف أن البحر علّمنا ما يحدث حين توجد القواعد ولا تُنفَّذ، مؤكدًا أهمية دعوة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى إبرام معاهدة دولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تصون الابتكار ولا تقيّده، وتؤسس منذ البداية لما افتقده البحر، مشددًا على أن الأمن ليس شيئًا يُفرض على المنطقة، بل هو شيء تصنعه المنطقة بنفسها مع الشركاء الذين تختارهم بإرادتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك