العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

متى يتحول «التسوق الترويحي» إلى اضطراب نفسي؟
شركات تستغل «الحالة النفسية» و«فخ السعادة المؤقتة» لتحوله إلى تسوق قهري

الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬أقارب‭ ‬يعانون‭ ‬سلوكيات‭ ‬إدمانية‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للإصابة‭ ‬بالشراء‭ ‬القهري

تبدأ‭ ‬المشكلة‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬التسوق‭ ‬من‭ ‬دافع‭ ‬المتعة‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬وعجز‭ ‬عن‭ ‬التوقف‭!‬

دراسات‭ : ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬فردية‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬تهدد‭ ‬استقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬


 

 

 تقرير‭:‬‭ ‬ محمد‭ ‬الساعي

 

يعتبره‭ ‬البعض‭ ‬أشبه‭ ‬بإدمان‭ ‬القمار؛‭ ‬ففي‭ ‬كليهما‭ ‬قد‭ ‬يشعر‭ ‬الشخص‭ ‬برغبة‭ ‬ملحّة‭ ‬وصعوبة‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬سلوكه‭ ‬أو‭ ‬التوقف‭ ‬عنه‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يواصل‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يمنى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬أو‭ ‬أضرار‭ ‬نفسية‭ ‬ومالية‭ ‬وحتى‭ ‬اجتماعية‭.‬

وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬يشعر‭ ‬ببعض‭ ‬الراحة‭ ‬أو‭ ‬الإثارة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يعقبها‭ ‬ندم‭ ‬أو‭ ‬قلق‭. ‬

إنه‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬اصطلاحا‭ ‬بـ‭ (‬Oniomania‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يصاب‭ ‬به‭ ‬الشخص‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدرك،‭ ‬ليقع‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬واسعة‭ ‬لها‭ ‬نتائجها‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬والمحيطين‭ ‬به‭.  ‬

والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬متى‭ ‬يتحول‭ ‬التسوق‭ ‬الترويحي‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬قهري؟‭ ‬وما‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬سلعة‭ ‬تجعلك‭ ‬تشعر‭ ‬ببعض‭ ‬الراحة‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬شاق،‭ ‬وحالة‭ ‬مرضية‭ ‬تستدعي‭ ‬القلق؟‭ ‬

فقد‭ ‬يمارس‭ ‬الشخص‭ ‬سلوكًا‭ ‬قهريًا‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬مشكلة‭. ‬وقد‭ ‬يبرر‭ ‬تكرار‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬بأنه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الترويح‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المشتريات‭ ‬صغيرة‭ ‬ومتفرقة‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬ينتبه‭ ‬إلى‭ ‬المشكلة‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تتراكم‭ ‬الديون،‭ ‬أو‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالتسديد،‭ ‬أو‭ ‬تبدأ‭ ‬مشاعر‭ ‬الذنب‭ ‬والقلق‭ ‬بعد‭ ‬الشراء‭ ‬تطغى‭ ‬عليه‭.‬

 

 

الشراء‭ ‬القهري

بشكل‭ ‬عام،‭ ‬يتحول‭ ‬التسوق‭ ‬الترويحي‭ ‬الاعتيادي‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬قهري‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الشراء‭ ‬عملية‭ ‬متكررة،‭ ‬ويصعب‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬رغبته‭ ‬بالشراء‭ ‬أو‭ ‬تأجيلها‭. ‬والمشكلة‭ ‬أنه‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬حقيقية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشتريه،‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬بحاجة‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬ميزانيته‭ ‬بذلك‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬يقضي‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬بالتسوق،‭ ‬ويشتري‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬يستخدمها،‭ ‬أو‭ ‬يبادر‭ ‬إلى‭ ‬الشراء‭ ‬بعد‭ ‬محاولات‭ ‬متكررة‭ ‬للتوقف‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بهوس‭ ‬الشراء‭ (‬Oniomania‭)‬،‭ ‬او‭ ‬اضطراب‭ ‬الشراء‭ ‬والتسوق‭ ‬القهري‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬التسوق‭ ‬العادي،‭ ‬يتسوق‭ ‬الشخص‭ ‬لمكافأة‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬لتحسين‭ ‬مزاجه‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬القهري،‭ ‬فيكون‭ ‬التسوق‭ ‬آلية‭ ‬الهروب‭ ‬الوحيدة‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬سلبية‭ ‬حادة‭. ‬

والمشكلة‭ ‬أن‭ ‬الشخص‭ ‬المصاب‭ ‬بالاضطراب‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬اللذة‭ ‬من‭ ‬‮«‬امتلاك‮»‬‭ ‬الشيء‭ ‬أو‭ ‬استخدامه،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬وإتمام‭ ‬الدفع‭ ‬فحسب‭!. ‬وللأسف‭ ‬فور‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬الشراء،‭ ‬تختفي‭ ‬المتعة‭ ‬سريعاً‭ ‬ويحل‭ ‬محلها‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب،‭ ‬مما‭ ‬يدفعه‭ ‬للشراء‭ ‬مجدداً‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الذنب،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مفرغة‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الكبح‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬وتكتم‭ ‬على‭ ‬المشتريات،‭ ‬مع‭ ‬تراكم‭ ‬السلع‭ ‬غير‭ ‬المستخدمة‭.‬

وتبعا‭ ‬لذلك،‭ ‬يحدث‭ ‬تخط‭ ‬لحدود‭ ‬القدرة‭ ‬المالية،‭ ‬وتقديم‭ ‬الرغبات‭ ‬على‭ ‬الأساسيات‭ ‬في‭ ‬إنفاق‭ ‬الأموال‭. ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬الى‭ ‬استنزاف‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬واستخدام‭ ‬خيارات‭ ‬‮»‬اشتري‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقا‮«‬،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬المتكررة‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬التسوق‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬سلع‭ ‬غير‭ ‬مخطط‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬اضطراب‭ ‬سلوكي‭. ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬السيطرة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬وتكرار‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بحيث‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬والقدرة‭ ‬المالية،‭ ‬هنا‭ ‬يجب‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مشكلة،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬التسوق‭ ‬الترويحي‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬متعة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬صحية‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬للتفريغ‭ ‬النفسي‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬قهري‭ ‬واضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬واقتصادي‭. ‬بحيث‭ ‬ينتقل‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الشراء‭ ‬بدافع‭ ‬المتعة‭ ‬أو‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الشراء‭ ‬بداعي‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬التوقف‭.‬

وقدَّرت‭ ‬دراسة‭ ‬بعنوان‭ ‬Compulsive‭ ‬Buying‭ ‬in‭ ‬Two‭ ‬European‭ ‬Countries‭: ‬Prevalence‭, ‬Suffering‭, ‬and‭ ‬Associated‭ ‬Psychopathology،‭ ‬ونشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬Comprehensive‭ ‬Psychiatry‭ ‬،‭ ‬قدرت‭ ‬معدلات‭ ‬انتشار‭ ‬اضطراب‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬بنحو‭ ‬5‭   ‬‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬6‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬البالغين‭. ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬المصابين‭ ‬يستخدمون‭ ‬التسوق‭ ‬كآلية‭ ‬‮«‬علاج‭ ‬ذاتي‭ (‬Self‭-‬Medication‭) ‬لتنظيم‭ ‬مشاعرهم‭ ‬السلبية‭ ‬المؤلمة،‭ ‬وليس‭ ‬لدواعي‭ ‬الرفاهية‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الشراء‭ ‬القهري‭ ‬والشراء‭ ‬الاندفاعي،‭ ‬فالشراء‭ ‬الاندفاعي‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬مفاجئ‭ ‬وغير‭ ‬مخطط‭ ‬له،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تحفّزه‭ ‬رغبة‭ ‬آنية‭ ‬أو‭ ‬عرض‭ ‬مغرٍ‭. ‬وقد‭ ‬يندم‭ ‬الشخص‭ ‬عليه‭ ‬لاحقًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يبقى‭ ‬سلوكا‭ ‬عرضيا‭ ‬غير‭ ‬متكرر‭ ‬بشكل‭ ‬دائم،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أضرار‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشراء‭ ‬الاندفاعي‭ ‬يتأثر‭ ‬بمحفز‭ ‬خارجي‭ ‬مفاجئ،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬إشباع‭ ‬فوري‭ ‬أو‭ ‬متعة‭ ‬لحظية‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الشراء‭ ‬القهري‭ ‬يتسم‭ ‬بتكرار‭ ‬الانشغال‭ ‬بالتسوق‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬برغبة‭ ‬ملحّة‭ ‬يصعب‭ ‬مقاومتها،‭ ‬وبمحاولات‭ ‬متكررة‭ ‬غير‭ ‬ناجحة‭ ‬للحد‭ ‬منه‭. ‬وقد‭ ‬يستمر‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬رغم‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬أو‭ ‬إهمال‭ ‬مسؤولياته‭ ‬أو‭ ‬نشوء‭ ‬مشكلات‭ ‬أسرية‭ ‬ونفسية‭. ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشراء‭ ‬القهري‭ ‬مدفوع‭ ‬بمحفز‭ ‬داخلي‭ ‬مثل‭ ‬التوتر‭ ‬والفراغ‭ ‬والقلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تدني‭ ‬احترام‭ ‬الذات‭. ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬السلعة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬العملية‭ ‬الشعورية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬والدفع‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يشعر‭ ‬الشخص‭ ‬ببعض‭ ‬الندم‭ ‬البسيط‭ ‬أو‭ ‬تأنيب‭ ‬الضمير‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬الاندفاعي،‭ ‬فإن‭ ‬الشراء‭ ‬القهري‭ ‬يتبعه‭ ‬شعور‭ ‬حاد‭ ‬بالذنب‭ ‬وتدني‭ ‬الذات‭. ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تهمل‭ ‬السلعة‭ ‬عند‭ ‬تسلمها‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬الأساس‭!.‬

عوامل‭ ‬الإصابة

التسوق‭ ‬القهري‭ ‬ليس‭ ‬مرضا‭ ‬وراثيا‭ ‬أو‭ ‬يحدث‭ ‬صدفة‭. ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬تداخل‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬عوامل‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬تكنولوجية‭. ‬ويختلف‭ ‬مدى‭ ‬التأثر‭ ‬والاستجابة‭ ‬لهذه‭ ‬العوامل‭ ‬باختلاف‭ ‬الأفراد‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭:‬

أولا‭: ‬العوامل‭ ‬النفسية‭. ‬يمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬بمحاولة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬الداخلي‭.  ‬فمثلا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية‭ ‬كالقلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والوحدة،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬التسوق‭ ‬وسيلة‭ ‬سريعة‭ ‬لتخدير‭ ‬هذه‭ ‬المشاعر‭.‬

كما‭ ‬يعوض‭ ‬البعض‭ ‬شعورهم‭ ‬بالنقص‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬القيمة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اقتناء‭ ‬سلع‭ ‬فارهة‭ ‬أو‭ ‬مظاهر‭ ‬خارجية‭ ‬تمنحهم‭ ‬شعوراً‭ ‬مؤقتاً‭ ‬بالاستحواذ‭ ‬والأهمية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

بالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬تصفح‭ ‬المنتجات‭ ‬وإتمام‭ ‬الدفع‭ ‬تحفز‭ ‬إفراز‭ ‬هرمون‭ ‬الدوبامين‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬المتعة‭ ‬والمكافأة‭ ‬التي‭ ‬يبحثون‭ ‬عنها‭. ‬وتصل‭ ‬معدلات‭ ‬الدوبامين‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها‭ ‬لحظة‭ ‬النقر‭ ‬على‭ ‬زر‭ ‬الشراء‭ ‬أو‭ ‬إتمام‭ ‬الدفع،‭ ‬وليس‭ ‬عند‭ ‬استخدام‭ ‬السلعة‭. ‬وفور‭ ‬إتمام‭ ‬العملية،‭ ‬يهبط‭ ‬الدوبامين‭ ‬بقوة‭ ‬شديدة‭ ‬أسفل‭ ‬المعدل‭ ‬الطبيعي،‭ ‬مما‭ ‬يترك‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفراغ‭ ‬والإحباط‭ ‬الأعمق‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭.‬

ثانيا‭: ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأسرية‭ ‬والثقافية‭. ‬فمثلا‭ ‬احتمالات‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬تتزايد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المتسم‭ ‬بالوفرة‭ ‬والاستهلاك‭ ‬التظاهري‭ ‬الذي‭ ‬تعززه‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وزيف‭ ‬المؤثرين‭. ‬

والأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬تقدير‭ ‬الذات‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الكفاءة،‭ ‬يربطون‭ ‬قيمتهم‭ ‬الشخصية‭ ‬بما‭ ‬يملكونه‭. ‬وقد‭ ‬يمنحهم‭ ‬التسوق‭ ‬قناعًا‭ ‬مؤقتًا‭ ‬يخفون‭ ‬خلفه‭ ‬شعورهم‭ ‬بالنقص‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬نشأوا‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬كان‭ ‬يُعبر‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والاهتمام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬شراء‭ ‬الهدايا‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬العاطفي‭ ‬المباشر،‭ ‬قد‭ ‬يربطون‭ ‬لا‭ ‬وعياً‭ ‬بين‭ ‬الشراء‭ ‬والشعور‭ ‬بالأمان‭ ‬والحب‭.‬

وأثبتت‭ ‬الدراسات‭ ‬السلوكية‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬العائلي‭ ‬يلعب‭ ‬كذلك‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬المشكلة،‭ ‬فالأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬أقارب‭ ‬يعانون‭ ‬سلوكيات‭ ‬إدمانية‭ ‬كالمقامرة‭ ‬أو‭ ‬الكحول،‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للإصابة‭ ‬بالتسوق‭ ‬القهري‭.‬

ثالثا‭: ‬العوامل‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والتسويقية‭. ‬فالتقدم‭ ‬التقني‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬ممكنة‭ ‬بنقرة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬الهاتف،‭ ‬واختفاء‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المادي‭ ‬عند‭ ‬الدفع‭ ‬قلص‭ ‬على‭ ‬الدماغ‭ ‬فرص‭ ‬التفكير‭ ‬وإعادة‭ ‬التقييم‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تستغله‭ ‬الخوارزميات‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬تدرس‭ ‬سلوك‭ ‬المستخدم‭ ‬وتعرض‭ ‬عليه‭ ‬إعلانات‭ ‬مخصصة‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬عرضة‭ ‬عاطفياً‭ ‬للشراء‭. ‬ومما‭ ‬يضاعف‭ ‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬التسهيلات‭ ‬المقدمة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬اشتر‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقا‮»‬،‭ ‬والإعلانات‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الاستعجال‭ ‬والتخفيضات‭ ‬المحدودة‭ ‬بزمن‭ ‬معين‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬منظومات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تستثمر‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬لتفريغ‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬عبر‭ ‬تحويل‭ ‬التسوق‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬واعٍ‭ ‬إلى‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬عصبي‭ ‬لا‭ ‬إرادي‭.‬

فمثلا‭ ‬أثبتت‭ ‬دراسة‭ ‬حول‭ ‬الجانب‭ ‬المظلم‭ ‬من‭ ‬التسوق‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بعنوان‭ :‬The‭ ‬Dark‭ ‬Side‭ ‬of‭ ‬Online‭ ‬Shopping‭: ‬Motivations‭, ‬and‭ ‬the‭ ‬Consequences‭ ‬of‭ ‬Compulsive‭ ‬Buying‭ ‬and‭ ‬Credit‭ ‬Card‭ ‬Debt

ونشرتها‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Business‭ ‬Research،‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التسوق‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬المتاجر‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وتطبيقات‭ ‬الشراء‭ ‬السريع‭ ‬ضاعف‭ ‬من‭ ‬معدلات‭ ‬ونوبات‭ ‬الشراء‭ ‬القهري‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬نظراً‭ ‬لغياب‭ ‬الحواجز‭ ‬المكانية‭ ‬والزمانية‭. ‬وأكدت‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬التسوق‭ ‬الرقمي‭ ‬وتراكم‭ ‬ديون‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬والتعثر‭ ‬المالي‭ ‬الشخصي‭.‬

وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يميز‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬بين‭ ‬غني‭ ‬أو‭ ‬فقير،‭ ‬فهو‭ ‬يتربص‭ ‬بمن‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬الدفاع‭ ‬النفسي‭ ‬السليمة‭ ‬لمواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة‭. ‬وكلما‭ ‬زادت‭ ‬سهولة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المال‭ ‬الرقمي،‭ ‬اتسعت‭ ‬دائرة‭ ‬الضحايا‭ ‬لتشمل‭ ‬فئات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الخطر‭ ‬تقليديا‭.‬

الأكثر‭ ‬عرضة

أمام‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬عامل‭ ‬منفرد‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بإصابة‭ ‬شخص‭ ‬بالتسوق‭ ‬القهري‭. ‬

ولكن‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬النفسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فئات‭ ‬وسمات‭ ‬شخصية‭ ‬معينة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للإصابة‭ ‬بهوس‭ ‬التسوق‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرها‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭:‬

‭- ‬الأشخاص‭ ‬ذوو‭ ‬الاندفاعية‭ ‬العالية‭ ‬والذين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬العاطفة‭ ‬اللحظية‭ ‬دون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العواقب‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭.‬

‭- ‬من‭ ‬لديهم‭ ‬تاريخ‭ ‬مع‭ ‬تقلبات‭ ‬مزاجية‭ ‬أو‭ ‬قلق‭ ‬مزمن‭ ‬أو‭ ‬اكتئاب‭ ‬خفيف‭ ‬أو‭ ‬شعور‭ ‬بالملل‭ ‬والفراغ‭ ‬العاطفي‭.‬

‭- ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بالدونية،‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬يربطون‭ ‬قيمتهم‭ ‬الذاتية‭ ‬بما‭ ‬يرتدون‭ ‬أو‭ ‬يقتنون‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالفئات‭ ‬العمرية‭ ‬والديموغرافية،‭ ‬تثبت‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬المراهقين‭ ‬وبداية‭ ‬العشرينات‭ ‬هم‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬بحكم‭ ‬مرحلتهم‭ ‬العمرية‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬وتكوين‭ ‬الشخصية‭ ‬ويكونون‭ ‬أكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بإعلانات‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

كما‭ ‬ثبت‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬هن‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتسوق‭ ‬القهري‭ ‬المرتبط‭ ‬غالبا‭ ‬بالملابس‭ ‬ومستحضرات‭ ‬التجميل‭ ‬والديكور‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تستغله‭ -‬كما‭ ‬أسلفنا‭- ‬الشركات‭ ‬والمنصات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬عبر‭ ‬أساليب‭ ‬التسويق‭ ‬ومنصات‭ ‬البيع‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬الاندفاع‭ ‬أو‭ ‬تزيد‭ ‬صعوبة‭ ‬مقاومة‭ ‬الرغبة‭ ‬لدى‭ ‬الأشخاص‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬لها‭. ‬وتحلل‭ ‬المنصات‭ ‬ما‭ ‬يشاهده‭ ‬المستخدم‭ ‬أو‭ ‬يبحث‭ ‬عنه،‭ ‬ثم‭ ‬تعرض‭ ‬منتجات‭ ‬مشابهة‭ ‬وإعلانات‭ ‬تلاحقه‭ ‬عبر‭ ‬المواقع‭ ‬والتطبيقات‭. ‬هذا‭ ‬التكرار‭ ‬يبقي‭ ‬المنتج‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬الذهن،‭ ‬وقد‭ ‬يثير‭ ‬الرغبة‭ ‬بالشراء‭ ‬مجددًا‭. ‬وقد‭ ‬تظهر‭ ‬المنتجات‭ ‬ضمن‭ ‬منشورات‭ ‬المؤثرين‭ ‬أو‭ ‬البث‭ ‬المباشر،‭ ‬فتبدو‭ ‬التوصية‭ ‬كأنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الترفيه‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬شخصية،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬خطوات‭ ‬الشراء‭. ‬

وما‭ ‬يفاقم‭ ‬المشكلة،‭ ‬هو‭ ‬حفظ‭ ‬بيانات‭ ‬البطاقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬الشراء‭ ‬بنقرة‭ ‬واحدة،‭ ‬أو‭ ‬الدفع‭ ‬المؤجل‭.‬

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬أقسام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتسويق‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المتخصصة‭ ‬تتسابق‭ ‬لتصميم‭ ‬‮»‬مصايد‭ ‬رقمية‮«‬‭ ‬تلغي‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الضعف‭ ‬النفسي‭ ‬للمستهلك؛‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬ألم‭ ‬الفرد‭ ‬وهروبه‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬تتصاعد‭ ‬في‭ ‬القوائم‭ ‬المالية‮»‬‭.‬

انعكاسات‭ ‬خطيرة

ضحايا‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬لا‭ ‬يعانون‭ ‬وحدهم،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬حادة،‭ ‬وقد‭ ‬تهدد‭ ‬استقرار‭ ‬الأسرة‭.‬

فعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تؤدي‭ ‬المشكلة‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬المركبة،‭ ‬وتأكل‭ ‬الدخل،‭ ‬ويتحول‭ ‬الإنفاق‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬وسيلة‭ ‬لتلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬إلى‭ ‬نزيف‭ ‬مالي‭ ‬مستمر‭.‬

ومع‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬السداد‭ ‬المتكرر،‭ ‬يواجه‭ ‬الفرد‭ ‬تدهوراً‭ ‬في‭ ‬سجله‭ ‬الائتماني‭ ‬لدى‭ ‬البنوك،‭ ‬مما‭ ‬يحرِمه‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تمويلات‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬متقدمة‭ ‬إلى‭ ‬التعثر‭ ‬القانوني‭ ‬والإفلاس،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مشكلات‭ ‬قانونية‭.‬

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية،‭ ‬تبرز‭ ‬هنا‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬الخيانات‭ ‬المالية،‭ ‬حيث‭ ‬يبدأ‭ ‬المصاب‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬حقيقة‭ ‬وضعه‭ ‬المالي،‭ ‬ويلجأ‭ ‬الى‭ ‬تخزين‭ ‬المشتريات‭ ‬سراً،‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬حسابات‭ ‬بنكية‭ ‬وبطاقات‭ ‬ائتمانية‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬الشريك‭. ‬ولاحقا‭ ‬عند‭ ‬اكتشاف‭ ‬الشريك‭ ‬لهذه‭ ‬الديون‭ ‬السرية،‭ ‬تحدث‭ ‬صدمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬تشبه‭ ‬الخيانة‭ ‬العاطفية،‭ ‬حيث‭ ‬تدمر‭ ‬عنصر‭ ‬الثقة‭ ‬الأساسي‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭.‬

وأثبتت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الصراعات‭ ‬والنزاعات‭ ‬الزوجية‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬المشكلات‭ ‬المالية‭. ‬بل‭ ‬تشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬السلوكيات‭ ‬الإدمانية‭ ‬ومنها‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭) ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬معدلات‭ ‬الطلاق‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬دراسة‭ ‬الأثر‭ ‬الأسري‭ ‬والخلافات‭ ‬الزوجية‭ (‬الخيانات‭ ‬المالية‭) ‬والتي‭ ‬نشرتها‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Family‭ ‬and‭ ‬Economic‭ ‬Issues‭ ‬بعنوان‭ ‬Financial‭ ‬Infidelity‭ ‬and‭ ‬Marital‭ ‬Quality‭: ‬The‭ ‬Interplay‭ ‬of‭ ‬Debt‭, ‬Secrecy‭, ‬and‭ ‬Trust،‭ ‬حيث‭ ‬صنّفت‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإدماني‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مسببات‭ ‬الصراعات‭ ‬الزوجية‭ ‬الحادة‭ ‬والتوتر‭ ‬المستمر‭ ‬داخل‭ ‬البيئة‭ ‬الأسرية‭. ‬وأظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬تفاقم‭ ‬الديون‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬يُعد‭ ‬عاملاً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬الطلاق‭ ‬والتفكك‭ ‬الأسري‭ ‬نتيجة‭ ‬انهيار‭ ‬التواصل‭ ‬وغياب‭ ‬الأمان‭ ‬المالي‭ ‬والنفسي‭ ‬في‭ ‬البيت‭.‬

وبالنسبةإلى‭ ‬ا‭ ‬النفسي‭ ‬والسلوكي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الأبناء‭ ‬ينشأون‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والشراء‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬مشاعر‭ ‬الضغط‭ ‬أو‭ ‬الفراغ،‭ ‬مما‭ ‬ينقل‭ ‬إليهم‭ ‬مفاهيم‭ ‬استهلاكية‭ ‬مشوهة‭ ‬واضطرابات‭ ‬مالية‭ ‬مستقبلية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأجواء‭ ‬المشحونة‭ ‬بالخلافات‭ ‬المالية‭ ‬المستمرة‭ ‬والمواجهات‭ ‬بين‭ ‬الوالدين‭ ‬تخلق‭ ‬لدى‭ ‬الأبناء‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المزمن‭ ‬والشعور‭ ‬بتهديد‭ ‬استقرار‭ ‬البيت‭.‬

العلاج

كل‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬رغبة‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬المتكرر‭ ‬يعاني‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬نفسي‭ ‬قهري‭. ‬فالتشخيص‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬سريري‭ ‬شامل،‭ ‬ودراسة‭ ‬لنمط‭ ‬السلوك‭ ‬ومدى‭ ‬استمرارِه‭. ‬ويبحث‭ ‬المختصون‭ ‬هنا‭ ‬كيف‭ ‬بدأت‭ ‬الرغبة‭ ‬الملحّة؟‭ ‬وكم‭ ‬تتكرر؟‭ ‬وهل‭ ‬يشتري‭ ‬الشخص‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬يحتاجها‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يستخدمها؟‭ ‬وهل‭ ‬حاول‭ ‬تقليل‭ ‬الشراء‭ ‬أو‭ ‬التوقف‭ ‬عنه‭ ‬ولم‭ ‬يستطع؟‭ ‬

كما‭ ‬يقيّمون‭ ‬أثر‭ ‬السلوك‭ ‬وعواقبه‭ ‬مثل‭ ‬الديون‭ ‬أو‭ ‬صعوبة‭ ‬دفع‭ ‬الالتزامات،‭ ‬وإخفاء‭ ‬المشتريات،‭ ‬والشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬أو‭ ‬الضيق،‭ ‬والخلافات‭ ‬الأسرية،‭ ‬أو‭ ‬تأثر‭ ‬العمل‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬اليومية‭. ‬كما‭ ‬يبحث‭ ‬المختصون‭ ‬في‭ ‬أعراض‭ ‬الهوس‭ ‬وفق‭ ‬مقاييس‭ ‬لشدة‭ ‬أعراض‭ ‬الشراء‭.‬

ويعتمدون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ ‬المقابلة‭ ‬الإكلينيكية‭ ‬المعمّقة‭ ‬وجلسات‭ ‬استقصائية‭ ‬دقيقة‭ ‬لسيرة‭ ‬المريض‭ ‬المالية‭ ‬والنفسية،‭ ‬ومقاييس‭ ‬علمية‭ ‬مثل‭ ‬مقياس‭ ‬إدمان‭ ‬الشراء‭ ‬للباحثة‭ ‬‮«‬ليونور‭ ‬ترنر‮«‬‭ ‬الذي‭ ‬يقيس‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية،‭ ‬والدوافع‭ ‬العاطفية،‭ ‬ومشاعر‭ ‬الندم‭.‬

وعند‭ ‬ثبوت‭ ‬معاناة‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة،‭ ‬تبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬العلاج‭ ‬التي‭ ‬تتضمن‭ ‬خيارات‭ ‬علاجية‭ ‬ووسائل‭ ‬عملية‭ ‬متدرجة‭ ‬ومركبة‭ ‬تدمج‭ ‬بين‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬المالية‭.  ‬

فعلى‭ ‬صعيد‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬والسلوكي،‭ ‬وهو‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الأساسية‭ ‬لرحلة‭ ‬العلاج،‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬المحفزات‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬للشراء‭ ‬مثل‭ ‬القلق‭ ‬والفراغ‭ ‬والاكتئاب‭ ‬وغيرها‭.‬

وهنا‭ ‬يتم‭ ‬تدريب‭ ‬المريض‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬قناعاته‭ ‬المشوهة‭ ‬مثل‭ ‬إذا‭ ‬اشتريت‭ ‬هذه‭ ‬السلعة‭ ‬سأكون‭ ‬أكثر‭ ‬قيمة‭ ‬أو‭ ‬أشعر‭ ‬بتحسن‭.‬

كما‭ ‬يتم‭ ‬تدريب‭ ‬المريض‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالطيار‭ ‬الآلي‭ ‬للدماغ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعلم‭ ‬عدم‭ ‬الاستجابة‭ ‬الفورية‭ ‬للرغبة‭ ‬في‭ ‬الشراء‭.‬

وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬التسوق‭ ‬القهري‭ ‬عرضاً‭ ‬ناتجاً‭ ‬عن‭ ‬اكتئاب‭ ‬حاد‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬قلق‭ ‬مزمن‭ ‬أو‭ ‬وسواس‭ ‬قهري،‭ ‬قد‭ ‬يصف‭ ‬الطبيب‭ ‬النفسي‭ ‬أدوية‭ ‬لتقليل‭ ‬الاندفاعية‭ ‬وضبط‭ ‬كيمياء‭ ‬الدماغ‭.‬

وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يتم‭ ‬تشجيع‭ ‬المريض‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬دعم‭ ‬يقدم‭ ‬فيها‭ ‬المتعافون‭ ‬تجاربهم‭ ‬ويدعمون‭ ‬بعضهم‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬مشاعر‭ ‬الخزي‭ ‬والمديونية‭.‬

ومن‭ ‬الأدوات‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬هو‭ ‬إلغاء‭ ‬الأدوات‭ ‬المحفزة‭ ‬مثل‭ ‬إلغاء‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية،‭ ‬أو‭ ‬تخفيض‭ ‬سقفها‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭.‬‭ ‬وكذلك‭ ‬إلغاء‭ ‬تطبيق‭ ‬خدمات‭ ‬التقسيط‭ ‬السريع،‭ ‬وإلغاء‭ ‬ميزة‭ ‬الدفع‭ ‬بنقرة‭ ‬واحدة،‭ ‬مع‭ ‬التشجيع‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الدفع‭ ‬النقدي‭. ‬حيث‭ ‬تثبت‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬رؤية‭ ‬الأموال‭ ‬الورقية‭ ‬وهي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬اليد‭ ‬يمنح‭ ‬الدماغ‭ ‬تنبيهاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬بألم‭ ‬الإنفاق‭.‬

ويتم‭ ‬كذلك‭ ‬تدريب‭ ‬المريض‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬الشراء‭ ‬وفق‭ ‬قاعدة‭ ‬72‭ ‬ساعة،‭ ‬وهي‭ ‬الانتظار‭ ‬مدة‭ ‬72‭ ‬ساعة‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭. ‬وهنا‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭%‬‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يعدل‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬عن‭ ‬الشراء‭.‬

ومن‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬يشجع‭ ‬عليها‭ ‬المختصون‭ ‬أيضا،‭ ‬إلغاء‭ ‬متابعة‭ ‬حسابات‭ ‬‮«‬المؤثرين‮»‬‭ ‬والمتاجر‭ ‬التي‭ ‬تروج‭ ‬للنمط‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬أو‭ ‬الاستعراضي‭.‬

وينصح‭ ‬الشخص‭ ‬بإشراك‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬مستشار‭ ‬مالي‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬الديون‭ ‬والالتزامات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا