كتبت: فاطمة اليوسف
استضافت الصالة الثقافية، مساء أمس، الفرقة الألمانية (4 تيونز) لإحياء أمسية موسيقية بعنوان (أصداء الموسيقى الألمانية)، قدمت خلالها مجموعة من الأغنيات التي تناقلتها الأجيال، في عرض جمع بين موسيقى الشلاغر التقليدية والألحان الكلاسيكية والأغنيات الشعبية، مستعرضةً جوانب من الذاكرة الفنية والثقافية الألمانية، وما تحمله من حكايات عن الحب والفراق والمرح والأمل والتحولات الإنسانية.
واستعرضت الفرقة أغنية (Veronika, der Lenz ist da) لفرقة (Comedian Harmonists)، التي تحتفي بقدوم الربيع وتجدد الحياة، وتستحضر أجواء المرح والرومانسية ومشاعر الغزل، في كلمات تصور الطبيعة وهي تستيقظ من سكونها، وتبعث إحساسًا بالبهجة والانطلاق، في عمل يجسد روح الأغنية الألمانية التي مزجت بين خفة الظل وجمال اللحن.
ومن أجواء الربيع والغزل، انتقلت الأمسية إلى واحدة من أشهر الأغنيات المرتبطة بذاكرة الحرب العالمية الثانية، وهي (Lili Marleen)، التي اشتهرت بأداء لالي أندرسن ومارلين ديتريش. وتحكي الأغنية قصة جندي يستعيد لقاءاته بحبيبته تحت مصباح شارع عند بوابة الثكنة العسكرية، حيث اعتادا الالتقاء مساءً قبل أن يستدعيه الحارس إلى الخدمة. ومع تفرقهما بفعل الحرب، يبقى المصباح ومكان اللقاء وذكرى الوداع حاضرة في ذاكرته، لتتحول الحكاية إلى صورة مؤثرة عن الحنين وألم الفراق، وعن تمسك الإنسان بالأمل في أن يصمد الحب أمام قسوة الغياب.
وامتدت الحكايات الغنائية إلى عالم الفكاهة السوداء مع عمل يروي قصة ماتيلده وأوتيلي وماري وليليان، اللواتي اعتدن الاجتماع كل يوم بعد الظهر في محل للحلويات، والاستمتاع بالكعك والحلويات بكميات كبيرة، مع طلب المزيد من الكريمة المخفوقة في كل مرة. وتتخذ الحكاية منحى ساخرًا مع وفاة النساء واحدة تلو الأخرى، فيما يستمر تقديم الكعك في مراسم العزاء، قبل أن تنهار ليليان هي الأخرى، لتظل متمسكة بطلبها المفضل في رحلتها إلى السماء: المزيد من الكريمة.
وتعتمد هذه الحكاية على تصاعد المفارقة، إذ يتحول الشغف بالحلويات إلى خيط يربط تفاصيل القصة من اللقاءات اليومية إلى النهاية العبثية، في معالجة تجمع بين الطرافة والسخرية، وتكشف جانبًا من الأعمال الغنائية التي تستمد مادتها من العادات اليومية وتعيد تقديمها في قالب فني غير مألوف.
وفي محطة أخرى، حملت الأمسية أبعادًا إنسانية تتجاوز الحكايات الشخصية، من خلال أغنية (Uber sieben Brücken musst du gehn)، التي يعني عنوانها (عليك أن تعبر سبعة جسور). وتتناول الأغنية لحظات يشعر فيها الإنسان بالوحدة والإرهاق، حين تبدو الحياة بطيئة وملتبسة، وتتكرر الأيام كأنها دائرة مغلقة، فيتوق إلى بساطة الطفولة ويتمنى التحرر من الأعباء التي تثقل روحه.
وتحمل الأغنية رسالة عن الصمود وتجاوز المحن، إذ تصور الحياة طريقًا قد يضطر الإنسان فيه إلى عبور سبعة جسور واجتياز سبع سنوات مظلمة، ويمر بلحظات يشعر خلالها بأنه تحول إلى رماد، قبل أن يستعيد قدرته على الوقوف من جديد والعودة إلى النور. وهي صورة موسيقية عن التجربة الإنسانية حين تبلغ أقصى درجات التعب، ثم تستعيد إيمانها بإمكانية النهوض، مهما طال الطريق واشتدت العتمة.
وقدمت فرقة (4 تيونز) من خلال الأمسية صورة متعددة الوجوه للأغنية الألمانية، جمعت بين الترفيه واستعادة الذاكرة والتعبير عن التحولات الاجتماعية والتاريخية. وأتاحت الأمسية للجمهور البحريني فرصة التعرف على أعمال تجاوزت حدود اللغة، واحتفظت بحضورها عبر الأجيال، مؤكدةً أن الموسيقى تستطيع أن تحمل حكايات الشعوب وآمالها ومخاوفها، وأن تفتح بين الثقافات مساحة مشتركة يلتقي فيها الإنسان بالإنسان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك