بعد الحرب العالمية الثانية كانت الصحافة الأمريكية تعاني من أزمات أخلاقية حادة، كأزمة الصحافة الصفراء، وتركيز الملكية في أيدي قلة، واستخدام الإعلام لأغراض تجارية وسياسية ضيقة. في هذا السياق، شكّل هنري لوس (ناشر مجلة تايم) لجنة برئاسة روبرت هاتشينز (رئيس جامعة شيكاغو آنذاك)، وأصدرت تقريرها الشهير عام 1947 بعنوان صحافة حرة ومسؤولة A Free and Responsible Press (Journalistic Ideals (Chapter 7) - Media, Markets, and Democracy)
التقرير وجه نقداً لاذعاً للصحافة بسبب «إساءة استخدام حريتها»، وطالب بأن تسود «حقوق الجمهور» على «حقوق الملكية الخاصة»، وأن تساعد الحكومة في خلق نموذج للصحافة الخاصة المسؤولة.. ثم تبلورت هذه الأفكار في كتاب لويلبر شرام (من مؤسسي دراسات الاتصال)، بعنوان »أربع نظريات للصحافة« (1956)، وفيه تصنيف للنظريات وفق طبيعة علاقة الإعلام بالسلطة والمجتمع، وصاغ فيه مصطلح المسؤولية الاجتماعية رسمياً.
ما يهمنا هنا هي النظرية التي أصبحت الأكثر تأثيراً في دراسات الإعلام، التي جاءت تحديداً كـتصحيح» للنظرية الليبرالية«، بعد أن أظهرت تجارب الصحافة الصفراء في أوائل القرن العشرين أن الحرية بلا مسؤولية تؤدي إلى الفوضى والاستغلال التجاري. فالنظرية تقول إن حرية الإعلام مشروعة، لكنها مشروطة بأداء واجبات تجاه المجتمع، أهمها: الدقة، والموضوعية، وتمثيل كل الآراء، وتجنب ما يثير العنف أو الفوضى؛ وتم اعتبارها الإطار النظري الأكثر تأثيرًا في تحديد ما يجب أن يفعله الإعلام، وليس فقط ما هو مسموح له بفعله، وتحولت لاحقًا إلى «النموذج الغربي الرسمي» للصحافة.
تقوم نظرية «المسؤولية الاجتماعية للإعلام» على فكرة أن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، وأن حرية الإعلام ليست مطلقة، بل مشروطة بأداء واجبات تجاه المجتمع، والالتزام بمعايير مهنية وأخلاقية؛ ومن أهم مبادئ هذه المسؤولية هو:
* على الإعلام خدمة المجتمع أولا، كأداة بناء لا هدم، عبر نشر أهدافه، وقيمه، وخططه التربوية، والاقتصادية.
* على الإعلام الالتزام بالمعايير المهنية الصارمة المتمثلة في الدقة، والموضوعية، والصدق، والشمولية في نقل المعلومات، وتجنب كل ما يشجع على الجريمة والعنف والفوضى الاجتماعية.
* على الإعلام ممارسة الحرية المسؤولة، التي لا تعني غياب القيود، بل تعني «الحرية الفعالة» التي تتحقق فقط عندما يتحمل الإعلام تبعات ما ينشره؛ وإذا فشل الإعلام في تنظيم نفسه يصبح التدخل الحكومي مبررًا لحماية المصلحة العامة.
* على الإعلام مسؤولية حماية الحقوق الفردية، وأهمها ضمان احترام الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للفرد، واحترام حق الرد على ما يُنشر.
الإعلام والمسؤولية الاجتماعية
في الأزمات والحروب
أما في سياقات الحروب والأزمات فتتحول هذه النظرية من إطار أكاديمي إلى ضرورة وجودية لدعم صمود المجتمعات.
بمعنى أن الإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يتحول إلى فاعل في الصمود، وأن نظرية المسؤولية الاجتماعية تعني أن إعلامك الوطني ليس مجرد مرآة للأحداث، بل هو جزءٌ من منظومة الدفاع والصمود، وأن «لا حرية بلا مسؤولية، ولا صمود بلا مصداقية».
في فترة الأزمات لا يجب أن يقتصر الأداء الإعلامي الوطني على «التعبئة العاطفية» وحدها، بل على نقل ونشر المعلومة في معادلة دقيقة بين المصداقية، والسرعة، وبناء الحصانة المعرفية في مواجهة التضليل و«فجوة الإدراك» بين الصورة الداخلية والخارجية.
بناء «الحصانة المعرفية»
ضد التضليل
إنَّ أهم ما يجب التعرف عليه في أزمة الحرب المفروضة علينا في الخليج اليوم هو أنها ليست معركة عسكرية فقط، بل هي حرب إدراكية تستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لنشر فيديوهات وصور مزيفة، ومحتوى مضلل يستغل المنصات الرقمية، وهذا ما يُلزم الإعلام الوطني ألا يكتفي بنفي الشائعات، بل بتقديم «الرواية الموثوقة» كبديل؛ وذلك بالاعتماد على مصادر ميدانية موثوقة، والمواطنين الموثوقين، لضمان أن تكون المعلومة الرسمية هي الأسرع في الوصول إلى الجمهور.
من المهم في المعلومة الرسمية شرح السياق لا الخبر فقط، أي تقديم تحليلات تسهم في فهم خلفيات الأزمة، بدلا من مجرد نقل التصريحات.
تعزيز الصمود المجتمعي عبر
«إدارة الإدراك»
تؤكد الأبحاث الأكاديمية أن «حوكمة الإعلام» تؤثر بشكل مباشر على الصمود الاجتماعي. وعندما يكون الأداء الإعلامي منسجمًا وشفافًا فإنه يبني مناعة ضد التهديدات ويحافظ على الانسجام (article_211012_a683af51b9a1f7a54d2647c6954ab509.pdf.) وهذا يتحقق أولا عبر الحفاظ على «الواقع الموازي»، أي إبراز أن الحياة اليومية في مجتمعاتنا -رغم الأزمة- مازالت مستقرة، وأن ما تعكسه العناوين الخارجية قد لا يطابق الواقع الداخلي (أخبار الخليج | دول الخليج العربي بين حربي العسكر والإعلام).. وثانيًا عبر تعزيز الهوية والانتماء؛ أي تذكير الجمهور بأن ما هو معرّض للخطر ليس فقط البنية التحتية، بل «فكرة الدولة الحديثة» التي بنتها دول الخليج.
في الناحية الأخرى، فإن أهم ما يجب أن يتجنبه الإعلام الوطني في فترة الأزمات هو الانفعال، ونشر ما يزرع الخوف بدلا من نشر الوعي.. وأن يتجنب السرعة على حساب الدقة، وأن يتجنب الدعاية بدل المعلومة، ليبقى جسرًا بين الحقيقة والمواطن، لا مجرد أداة دعائية.
إن الأداء الإعلامي الوطني السليم في وقت الأزمات يقوم على ثلاث دعائم رئيسية متكاملة؛ هي المصداقية، والسرعة، والصمود المبني على الوعي والتماسك.. لأن الإعلام لا يكتفي بنقل الأزمة، بل يُديرها إدراكيًّا لصالح صمود المجتمع والدولة.
وإن غياب الأداء الإعلامي الوطني السليم لا يترك فراغًا، بل يملؤه التضليل الخارجي، والشائعات الداخلية، والانفعال الجماهيري، وفجوة الإدراك، وفقدان المصداقية.. والنتيجة ليست مجرد معلومات خاطئة، بل تفكيك القدرة على الصمود من الداخل الذي قد يؤدي إلى انهيار الثقة في المؤسسات الرسمية.
كما يؤدي الفراغ الإعلامي إلى انتشار الشائعات والذعر الجماعي، ويصبح المجتمع معرضًا لحرب نفسية مضللة، ومدمرة للمؤسسات، والاقتصاد، والدولة.
الفراغ الإعلامي في وقت الأزمات يفسح المجال لتصاعد الخطاب الطائفي والانقسامات، وتآكل الهوية الجامعة، مع صعود الولاءات الفرعية، وبالمحصلة يؤدي إلى انهيار الصمود الجماعي.
إن صمود المجتمعات في وقت الأزمات، وغيرها، لا يُبنى فقط بالسلاح، بل للإعلام دور موازٍ.. وإن غياب الإعلام الوطني السليم، في فترة الأزمات، ليس نقصًا في الخدمة فقط، بل ثقبًا في درع الصمود، الذي قد لا يُغلق لاحقًا، حتى لو تحسنت الظروف؛ فالأزمة لا تنتظر، والثقة لا تُستعاد بسهولة.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك