من احترام الأكبر سناً إلى طقوس الأسرة والطعام والأعياد.. كيف قدم الفن الكوري ثقافة المجتمع إلى الجمهور العالمي
للدراما التاريخية دور بارز في تقديم "الهانبوك" والتراث البصري الكوري
الزواج في الدراما الكورية مساحة للنقاش بين التقاليد والاختيار الشخصي

كتبت: فاطمة اليوسف
من الصعب متابعة السينما والدراما الكورية من دون ملاحظة حضور العادات والتقاليد في تفاصيل الحكاية. فالمشاهد يتعرف من خلالها إلى طريقة تعامل أفراد الأسرة، ومكانة الأكبر سناً، وآداب الطعام، وطقوس الأعياد والزواج والحداد، إلى جانب الملابس والمعتقدات الشعبية. ومع انتشار الدراما الكورية عالمياً، تحولت هذه التفاصيل اليومية إلى نافذة يتعرف من خلالها الجمهور على المجتمع الكوري.
ويأتي احترام الأكبر سناً في مقدمة القيم الاجتماعية التي تظهر على الشاشة، من طريقة التحية والانحناء إلى استخدام الألقاب ومستويات اللغة المختلفة. وتقدم الدراما هذه العادة داخل الأسرة والمدرسة والعمل، لكنها تناقش أيضاً الجانب الآخر منها؛ فاحترام الأكبر قد يتحول أحياناً إلى سلطة اجتماعية تفرض على الأصغر الصمت أو الطاعة. وهكذا تصبح العلاقة بين الأجيال موضوعاً درامياً يكشف التغير الذي يمر به المجتمع.
وترتبط بذلك مكانة الأسرة وبرّ الوالدين، وهما من أكثر الموضوعات حضوراً في الدراما الكورية. وتظهر مسؤولية الأبناء تجاه والديهم، ورعاية كبار السن، وتأثير الأسرة في قرارات الدراسة والعمل والزواج. ويقدم مسلسل (Reply 1988) نموذجاً واضحاً لهذا الحضور، إذ يرصد دفء الأسرة والجيرة، وفي الوقت نفسه يكشف الضغوط الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية التي تواجه الأبناء. فالعائلة في الدراما الكورية مصدر للأمان، لكنها قد تكون أيضاً مساحة للتوقعات والالتزامات.
ومن داخل الأسرة تأتي المائدة بوصفها جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. تظهر أطباق مثل الكيمتشي والأرز والحساء والأطباق الجانبية، إلى جانب آداب تناول الطعام واحترام الأكبر سناً ومشاركة الأطباق. وتتحول مشاهد الطعام في كثير من الأعمال إلى مساحة للحوار والمصالحة وكشف المشاعر، ولذلك لم يعد الطعام الكوري بالنسبة إلى المشاهد العالمي مجرد أطباق تظهر على الشاشة، وإنما جزءاً من صورة المجتمع وعلاقاته.
وتظهر هذه الصورة بوضوح أكبر في (سولال) و(تشوسوك)، وهما من أبرز المناسبات التقليدية الكورية. ففي (سولال)، رأس السنة القمرية، تجتمع العائلات وتقدم التحية لكبار السن، بينما يرتبط (تشوسوك) بالحصاد ولمّ شمل الأقارب وتقاليد عائلية متوارثة. وتستثمر الدراما هذه المناسبات في جمع الشخصيات حول الأسرة، وإظهار الملابس والطعام والطقوس، وفي أحيان كثيرة كشف الخلافات التي تختبئ خلف صورة العائلة المتماسكة.
أما الزواج، فقد أصبح في الدراما مساحة للنقاش بين التقليد والاختيار الشخصي. تظهر علاقة العائلتين ومراسم الزواج والملابس التقليدية، ومن بينها طقس (بيبيك) (Pyebaek)، حيث يؤدي العروسان تحية تقليدية للوالدين. وفي الأعمال المعاصرة، يتجاوز الموضوع مراسم الاحتفال إلى أسئلة الحب والاستقلال واختيار شريك الحياة، ومدى تأثير الأسرة في هذا القرار.
وكان للدراما التاريخية دور بارز في تقديم الهانبوك والتراث البصري الكوري. ويأتي (جوهرة القصر) (Dae Jang Geum) مثالاً مهماً، إذ قدم الحياة داخل القصر والمطبخ الملكي والطعام والملابس والبروتوكولات. كما أعادت أعمال مثل (The Red Sleeve) و(Mr. Sunshine) تقديم الملابس والعادات والفوارق الاجتماعية ضمن قصص تتناول الحب والسلطة والتحولات التاريخية. وتتناول الشاشة كذلك طقوس الموت والحداد، حيث تظهر الجنازات واجتماع الأسرة واستقبال المعزين وطقوس الوداع. وفي (Move to Heaven) يصبح الموت والفقد محوراً إنسانياً يكشف حياة الأشخاص وعلاقاتهم من خلال ما يتركونه خلفهم.
أما المعتقدات الشعبية والشامانية، فقد وجدت حضوراً خاصاً في السينما، خصوصاً أفلام الرعب والغموض. ويقدم (The Wailing) مثالاً على توظيف الطقوس والمعتقدات الشعبية داخل السرد، بينما يذهب (Exhuma) إلى عالم الدفن والطقوس والذاكرة المرتبطة بالماضي.
بهذه الطريقة لم تقدم السينما والدراما الكورية التقاليد كصور ثابتة، وإنما وضعتها داخل حياة الإنسان وصراعاته. فالانحناء يعكس علاقة بالأكبر سناً، والمائدة تكشف طبيعة الأسرة، والأعياد تعيد الشخصيات إلى جذورها، والزواج يضع الاختيار الشخصي أمام توقعات العائلة، بينما يستعيد الهانبوك والطقوس الشعبية جانباً من الذاكرة الثقافية. وهذا ما جعل الفن الكوري أكثر من وسيلة للترفيه؛ فقد أصبح المشاهد يتعرف إلى الثقافة من خلال الشخصيات وهي تعيشها، وتختلف معها، وتعيد تفسيرها. وبينما تتغير كوريا، تواصل السينما والدراما تسجيل هذا الحوار بين الموروث والحاضر، لتجعل من العادات والتقاليد جزءاً حياً من القصة، لا مجرد مشاهد من الماضي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك