كتب: علي ميرزا
بعد موسم رياضي طويل ومزدحم بالمباريات، لا يقتصر الاحتياج إلى الراحة والاستشفاء على اللاعبين والمدربين فقط، وإنما يشمل كذلك الحكام الذين يعيشون أجواء المنافسات ويتحملون مسؤولية كبيرة في إدارة المباريات واتخاذ القرارات في مختلف الظروف والمواقف.
فالحكم، وإن كان بعيدا عن دائرة اللعب المباشر، يبقى أحد العناصر الأساسية في نجاح أي مباراة، ويحتاج بدوره إلى أن يكون في أفضل حالاته البدنية والنفسية والذهنية، ومن هذا المنطلق، تحدث الحكم الدولي المخضرم للكرة الطائرة أحمد القيم عن أهمية الراحة للحكم بعد موسم طويل، وكيف يمكن لهذه الفترة أن تساعده على استعادة نشاطه وترتيب أفكاره والتخلص من الضغوط التي تراكمت خلال الموسم، مؤكدا أن الراحة لا تعني الابتعاد الكامل عن الرياضة، وإنما تمثل فرصة لاستعادة التوازن وتجديد الطاقة والاستعداد لمرحلة جديدة.
حاله حال اللاعبين والمدربين
ويرى القيم أن الحكم، حاله حال كل من يحيط باللعبة، يحتاج إلى فترة يبتعد فيها عن أجواء المنافسات والتحكيم، خصوصاً بعد موسم مليء بالمباريات والمسؤوليات. فالحكم يتعامل مع ضغوط مختلفة، سواء أثناء المباراة أو خارجها، ويكون مطالباً في كل مرة بالحفاظ على تركيزه واتخاذ قراراته في أجزاء من الثانية.
ويشير إلى أن فترة الراحة تمنح الحكم فرصة لإعادة ترتيب أفكاره واستعادة نشاطه، والتخلص من الضغوط التي قد تتراكم مع مرور الوقت، إلى جانب إعادة تهيئة نفسه بدنياً ونفسياً. فالراحة بالنسبة إليه ليست مجرد توقف عن المباريات، وإنما مرحلة مهمة لاستعادة التوازن والعودة إلى الملاعب بروح وحماس جديدين.
ضغوط المباراة والحياة
ولا يقتصر الضغط الذي يواجهه الحكم على المباريات فقط، فهناك أيضا مشاغل الحياة اليومية التي يمكن أن تؤثر في تركيزه وقدراته، خصوصا عندما تتراكم المسؤوليات الشخصية والعملية إلى جانب جدول المباريات. ويؤكد القيم أن الحكم مطالب بتعلم كيفية الفصل بين هذه المؤثرات وبين مهمته داخل الملعب، فبمجرد دخوله إلى أرضية الملعب، يجب أن يكون ذهنه حاضرا بالكامل، وألا يسمح للمؤثرات الخارجية بالتدخل في قراراته أو التأثير في تركيزه. وتزداد أهمية ذلك في المباريات المهمة والحاسمة، التي تتطلب درجة عالية من التركيز والهدوء والقدرة على التعامل مع مختلف المواقف.
ويعتقد القيم أن التعامل مع الضغوط جزء من شخصية الحكم وخبرته، وأن الحكم كلما اكتسب الخبرة أصبح أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته وتركيزه، وهو أمر لا يأتي بين ليلة وضحاها، وإنما من خلال التجربة والممارسة المستمرة.
كثافة المباريات
اختبار حقيقي
أما كثافة المباريات، فيراها القيم تحديا حقيقيا للحكم، لكنه في الوقت نفسه يرى أن الحكم البارز يجب أن يتعود على مثل هذه الظروف، خصوصا إذا كان يطمح إلى المشاركة في البطولات الخارجية.
ويشير إلى أن البطولات الدولية غالبا ما تكون مضغوطة، وتقام مبارياتها خلال فترات زمنية قصيرة، وفي أجواء تنافسية وفنية عالية. ولذلك فإن الحكم الذي يعتاد على التعامل مع ضغط المباريات في المسابقات المحلية يكون أكثر قدرة على مواجهة الظروف نفسها عندما ينتقل إلى البطولات الخارجية.
ومن هنا، فإن كثافة المباريات يمكن أن تكون سلاحا ذا حدين، فهي من جهة تضع الحكم تحت ضغط بدني وذهني، لكنها من جهة أخرى تمنحه فرصة مهمة لاكتساب الخبرة والتعود على أجواء المنافسات المتواصلة.
الرياضة جزء
من إعداد الحكم
ويؤكد القيم أن الراحة وحدها لا تكفي، مشيراً إلى أهمية ممارسة الحكم لأي نوع من الرياضة بصورة دورية، لأن المحافظة على اللياقة البدنية تعد أمراً مهماً في مسيرته.
فالتحكيم يتطلب حركة وتركيزا ومتابعة مستمرة للعب، وبالتالي يحتاج الحكم إلى جسم قادر على تحمل متطلبات المباراة حتى نهايتها. كما أن ممارسة الرياضة بعيدا عن أجواء التحكيم تساعد على تفريغ الضغوط البدنية والنفسية واستعادة النشاط والحيوية.
ومن هذا المنطلق، فإن فترة ما بعد الموسم يمكن أن تكون فرصة للحكم لممارسة الرياضة التي يفضلها، دون أن تكون مرتبطة بالضرورة بالتدريبات التحكيمية، حتى يستعيد نشاطه ويعود إلى الموسم الجديد بحالة بدنية ونفسية أفضل.
مراجعة الأخطاء ضرورة
ومن الجوانب المهمة التي يركز عليها القيم مسألة المراجعة الذاتية، إذ يرى أن على الحكم أن يتعلم ممارسة التغذية الراجعة مع نفسه، إلى جانب الاستفادة من آراء الحكام الأكثر خبرة.
فالمباراة لا تنتهي بالنسبة للحكم بمجرد إطلاق صافرة النهاية، بل يجب أن تكون هناك مرحلة لمراجعة ما حدث، سواء على مستوى القرارات أو طريقة التعامل مع الحالات المختلفة. وهذه المراجعة تساعد الحكم على اكتشاف الأخطاء، وفهم أسبابها، ومعرفة كيفية التعامل بصورة أفضل مع المواقف المشابهة في المستقبل.
كما أن الاستفادة من الحكام أصحاب الخبرة تمثل جانباً مهماً في تطوير الحكم، لأن التجارب المتراكمة لدى هؤلاء الحكام يمكن أن تقدم للحكم الشاب الكثير من الدروس التي لا يمكن اكتسابها من الكتب أو المحاضرات وحدها.
الإعداد الذهني
لا يقل أهمية
ويفرق القيم بين الإرهاق البدني والإرهاق الذهني، مؤكدا أن كليهما يؤثر في الحكم، لأن التحكيم يحتاج إلى جاهزية متكاملة، وفي المباريات الحاسمة تحديدا، يرى أن الإعداد الذهني له أهمية كبيرة، لأن الحكم يكون مطالبا بالحفاظ على تركيزه طوال المباراة، والتعامل مع الضغوط واتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة.
ولهذا يجب أن يكون الحكم مهيأً ذهنيا للتعايش مع التحدي، وألا يسمح لقرار سابق أو موقف حدث في المباراة بأن يؤثر في قراراته اللاحقة، فكل حالة يجب أن يتعامل معها بصورة مستقلة وبالتركيز نفسه.
دور الاتحادات ولجان الحكام
ويرى القيم أن للاتحادات ولجان الحكام دورا مهما في تنظيم عملية الراحة والتدوير بين الحكام، خصوصاً خلال المواسم التي تشهد عددا كبيرا من المباريات.
فالتدوير لا يمنح الحكم فرصة للراحة فقط، وإنما يتيح أيضا الفرصة أمام الحكام الآخرين للمشاركة وتحمل المسؤولية واكتساب الخبرة. كما أن توزيع المباريات بصورة مدروسة يمكن أن يساعد على المحافظة على جاهزية الحكام طوال الموسم، بدلاً من استنزاف عدد محدود منهم بسبب كثرة التكليفات.
ومن هنا تأتي أهمية التخطيط المسبق للموسم، بحيث تكون هناك مساحة مناسبة للراحة، وفي الوقت نفسه يستمر العمل على تطوير جميع الحكام.
الراحة مع استمرار المتابعة
وبعد نهاية الموسم، يحتاج الحكم الدولي في المقام الأول إلى الراحة واستعادة طاقته، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يبتعد تماماً عن الجانب الفني.
ويؤكد القيم أهمية متابعة أحدث القرارات والحالات التحكيمية التي تظهر في البطولات والمباريات الدولية، لأن التحكيم يتطور باستمرار، وهناك دائما حالات جديدة وتجارب يمكن الاستفادة منها.
وهكذا يستطيع الحكم أن يجمع بين الراحة من جهة، والمحافظة على ثقافته التحكيمية من جهة أخرى، حتى يبدأ مرحلة الإعداد للموسم الجديد وهو أكثر استعداداً ومعرفة بالمستجدات.
الاستمرارية تحتاج
إلى تطوير
أما المحافظة على المستوى لسنوات طويلة، فيرى القيم أنها تحتاج إلى الاستمرارية في المتابعة والتطوير، إلى جانب المحافظة على الإعداد البدني والنفسي وممارسة الرياضة بصورة منتظمة.
فالحكم الذي يتوقف عن تطوير نفسه قد يجد صعوبة في المحافظة على مستواه، بينما الحكم الذي يراجع أداءه ويتابع الحالات التحكيمية ويستفيد من تجارب الآخرين يكون أكثر قدرة على الاستمرار.
والاستمرارية في التحكيم ليست مرتبطة بالعمر أو عدد سنوات الخبرة فقط، وإنما بمدى حرص الحكم على تطوير نفسه والتكيف مع متطلبات اللعبة والتغييرات التي تطرأ عليها.
رسالة إلى الحكام الشباب
وفي رسالته إلى الحكام الشباب، ينصحهم القيم بالحرص على المتابعة الحية للمباريات، ومراقبة الحالات المختلفة التي تحدث خلالها، والتركيز على قرارات الحكام الأكثر خبرة، ومحاولة التعلم من تجاربهم.
كما يدعوهم إلى العمل باحترافية والاهتمام بالإعداد البدني والنفسي وعدم الاستعجال في الوصول إلى النتائج، لأن التحكيم يحتاج إلى الصبر والتعلم المستمر.
ويؤكد أن الحكم الشاب يجب أن ينظر إلى التحكيم باعتباره هواية احترافية ومسؤولية تحتاج إلى تطوير دائم، وليس مجرد مصدر مالي. فالنجاح في هذا المجال لا يتحقق بسرعة، وإنما من خلال تراكم الخبرات، والاستفادة من الأخطاء، والالتزام والانضباط.
وفي النهاية، تبدو الراحة والاستشفاء جزءا أساسيا من حياة الحكم، مثلما هما جزء من إعداد اللاعب والمدرب. فالحكم يحتاج إلى استعادة طاقته وتجديد تركيزه حتى يكون قادرا على مواصلة مسيرته بالمستوى المطلوب.
وبين الراحة، والإعداد البدني والنفسي، والمراجعة الذاتية، والمتابعة الفنية، والاستفادة من أصحاب الخبرة، تتشكل منظومة متكاملة تساعد الحكم على مواجهة ضغوط المواسم الطويلة. فالحكم لا يحتاج فقط إلى عين تتابع الكرة، وإنما إلى ذهن حاضر، وجسم قادر، وشخصية هادئة، واستعداد دائم للتعلم والتطور، حتى يبقى قادرا على أداء مهمته وتحمل مسؤولية القرار داخل الملعب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك