العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

تحويلات العمالة الوافدة.. استنزاف للسيولة أم استثمار طويل المدى؟
ماذا يحدث عندما تنشط الأسواق السوداء و«الموازية» في التحويلات المالية؟

تقرير‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تشير‭ ‬بيانات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحويلات‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تجاوزت‭ ‬818‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭. ‬وتقدر‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬المبلغ‭ ‬بحوالي‭ ‬900‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬فيما‭ ‬يتراوح‭ ‬إجمالي‭ ‬تحويلات‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬والمغتربين‭ ‬للبلدان‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المنخفض‭ ‬والمتوسط‭ ‬بين690‭   ‬و729‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

وتتصدر‭ ‬الهند‭ ‬القائمة‭ ‬بحجم‭ ‬تحويلات‭ ‬يتجاوز‭ ‬120‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬تليها‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬المكسيك‭ ‬والصين‭ ‬والفلبين‭ ‬والمغرب‭ ‬ومصر‭ ‬وباكستان‭ ‬وبنغلاديش‭ ‬وسريلانكا‭ ‬ونيبال‭.‬

وفي‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬بلغت‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬المتسلمة‭ ‬نحو99‭.‬1‭  ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬

أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬فتُصنّف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ضمن‭ ‬أكبر‭ ‬كتل‭ ‬الدول‭ ‬المرسلة‭ ‬للتحويلات‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬نظرًا‭ ‬لكثافة‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭. ‬ووفقا‭ ‬لتقرير‭ ‬المركز‭ ‬الإحصائي‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬بلغت‭ ‬التحويلات‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬حوالي‭ ‬161‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬البحرين،‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحويلات‭ ‬العاملين‭ ‬الأجانب‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

السؤال‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬تعد‭ ‬نزيفا‭ ‬للسيولة‭ ‬المحلية؟‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬محرك‭ ‬لشبكات‭ ‬التجارة‭ ‬والعمالة‭ ‬والتنمية؟

 

التحويلات‭ ‬الدولية

تعرف‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬للعمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬بأنها‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬يرسلها‭ ‬العامل‭ ‬المهاجر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عمله‭ ‬إلى‭ ‬بلده‭ ‬الأصلي،‭ ‬وتشمل‭ ‬التحويلات‭ ‬النقدية‭ ‬والعينية‭. ‬وتُسجَّل‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬عادةً‭ ‬كتدفقات‭ ‬خارجة‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬العمل‭ ‬وكتدفقات‭ ‬داخلة‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬المستفيد‭.‬

هنا‭ ‬نجد‭ ‬رأيين‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬تمثل‭ ‬جانبا‭ ‬سلبيا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬التحويل‭ ‬منها‭.‬

فوجهة‭ ‬النظر‭ ‬الأولى،‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬التحويلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬تمثل‭ ‬بالفعل‭ ‬نزيفا‭ ‬وتسرب‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬النقدية‭ ‬خارج‭ ‬القنوات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والمصرفية‭ ‬للدولة‭ ‬المستضيفة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬إنفاقها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تراجع‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي،‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لتحويل‭ ‬المبالغ‭ ‬للخارج،‭ ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬عبئاً‭ ‬على‭ ‬الاحتياطات‭ ‬النقدية‭ ‬لدى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ (‬في‭ ‬الدول‭ ‬غير‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعملات‭ ‬فائضة‭). ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استنزاف‭ ‬الأجور‭ ‬دون‭ ‬تدويرها‭ ‬محلياً‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المتراكمة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭. ‬كما‭ ‬يزيد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭.‬

بالمقابل،‭ ‬هناك‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬مغايرة‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬ليست‭ ‬خسارة‭ ‬بل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكبر،‭ ‬وتفترض‭ ‬هذه‭ ‬الوجهة‭ ‬أن‭ ‬التحويلات‭ ‬هي‭ ‬القيمة‭ ‬العادلة‭ ‬لقاء‭ ‬خدمات‭ ‬وإنتاجية‭ ‬حقيقية‭ ‬تُقدّم‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬وهي‭ ‬ثمن‭ ‬لاستيراد‭ ‬العمالة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬يدعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

حيث‭ ‬تُغطي‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬البناء‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتخصصات‭ ‬النادرة،‭ ‬بإنتاجية‭ ‬عالية‭ ‬وبكلفة‭ ‬تنافسية‭ ‬ترفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬للمؤسسات‭.‬

كما‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬العمالة‭ ‬محركا‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬والخدمات‭ ‬خاصة‭ ‬لقطاع‭ ‬الصرافة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية‭ ‬وتحركات‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المرسلة‭ ‬والمستقبلة‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬تعد‭ ‬التحويلات‭ ‬شريان‭ ‬دعم‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتنموي‭ ‬للدول‭ ‬المستقبلة‭ ‬مما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لدى‭ ‬الشركاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬والتجاريين‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬كم‭ ‬المبالغ‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬ساهمت‭ ‬العمالة‭ ‬في‭ ‬توليده‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭.‬

وأمام‭ ‬الرأيين،‭ ‬فإن‭ ‬المسألة‭ ‬المهمة‭ ‬ليست‭ ‬أيهما‭ ‬أقرب‭ ‬للصواب،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭. ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬التحويلات‭ ‬هي‭ ‬المقابل‭ ‬الطبيعي‭ ‬لخدمات‭ ‬إنتاجية‭ ‬تُبنى‭ ‬بها‭ ‬الاقتصاديات‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصاديّة‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تقيد‭ ‬التحويلات،‭ ‬وإنما‭ ‬تضع‭ ‬الضوابط‭ ‬لها،‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬حوافز‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬بيئة‭ ‬جاذبة‭ ‬للاستثمار‭ ‬والادخار‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الوافدين‭.‬

وأيا‭ ‬كانت‭ ‬النظريات،‭ ‬تبقى‭ ‬لهذه‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬جوانب‭ ‬إيجابية‭ ‬وجوانب‭ ‬سلبية‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬المرسلة‭ ‬للأموال‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬المتسلمة‭ ‬لها‭.‬‭ ‬

الدول‭ ‬المرسلة

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأثر‭ ‬التحويلات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬المرسِلة‭ ‬للأموال،‭ ‬وهي‭ ‬الدول‭ ‬المستضيفة‭ ‬للعمالة،‭ ‬فإن‭ ‬أبرز‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬تمثل‭ ‬في‭:‬

‭- ‬خروج‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تسرباً‭ ‬مالياً‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تقل‭ ‬الأموال‭ ‬المتاحة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬المحلي،‭ ‬وينخفض‭ ‬‮«‬الأثر‭ ‬المضاعف‮»‬‭ ‬للإنفاق‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تُعاد‭ ‬تدوير‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬محلياً‭ ‬لشراء‭ ‬السلع‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬ودائع‭ ‬استثمارية‭ ‬مثلا‭. ‬

‭- ‬تراجع‭ ‬المدخرات‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المحلية،‭ ‬لأن‭ ‬الأموال‭ ‬المحولة‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬الجهاز‭ ‬المصرفي‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬ودائع‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭.‬

‭- ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬التحويلات‭ ‬تُسجل‭ ‬ضمن‭ ‬التحويلات‭ ‬الجارية‭ ‬الخارجة‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭. ‬وارتفاعها‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الميزان‭ ‬الخارجي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬غير‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬قوية‭.‬

بالمقابل‭ ‬هناك‭ ‬آثار‭ ‬إيجابية‭ ‬أبرزها‭:‬

‭- ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإنتاج‭. ‬فالتحويلات‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لعمل‭ ‬وإنتاج‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭. ‬وهذه‭ ‬العمالة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬ورفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتشغيل‭ ‬قطاعات‭ ‬كاملة‭ ‬مثل‭ ‬البناء‭ ‬والتجزئة‭ ‬والخدمات‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬خسارة‭ ‬صافية،‭ ‬لأن‭ ‬العامل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتقديم‭ ‬الخدمات‭.‬

‭- ‬سد‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬توفر‭ ‬المهارات‭ ‬والأعداد‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬متاحة‭ ‬محليا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يساعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات‭.‬

‭- ‬دوران‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬فرغم‭ ‬التدفقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬تنفق‭ ‬العمالة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬دخولها‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والغذاء‭ ‬والمواصلات‭ ‬والاتصالات‭ ‬والرسوم‭ ‬الحكومية‭. ‬وهذا‭ ‬الإنفاق‭ ‬يخلق‭ ‬طلباً‭ ‬محلياً‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭ ‬إضافية‭.‬

‭- ‬التحويلات‭ ‬تولّد‭ ‬نشاطًا‭ ‬وفرصا‭ ‬لشركات‭ ‬الصرافة‭ ‬والبنوك‭ ‬ومقدمي‭ ‬خدمات‭ ‬الدفع‭. ‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬تبقى‭ ‬المعادلة‭ ‬هنا‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تحولها‭ ‬للخارج،‭ ‬تصبح‭ ‬التحويلات‭ ‬تكلفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مقبولة‭ ‬للنمو‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الإنتاجية‭ ‬منخفضة‭ ‬والتحويلات‭ ‬مرتفعة،‭ ‬فقد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬نسبي‭ ‬للسيولة‭.‬

الدول‭ ‬المستقبلة

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬التحويلات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المستقبِلة‭ ‬للأموال،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬التي‭ ‬تجنيها،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭:‬

‭- ‬زيادة‭ ‬تدفقات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يدعم‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الواردات‭ ‬ويدعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المصرفي‭ ‬والاحتياطي‭ ‬الأجنبي‭.‬

‭- ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬ودعم‭ ‬دخل‭ ‬الأسر‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭. ‬

‭- ‬رفع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الجيدة‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭. ‬

‭- ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬ومواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنه‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تستمر‭ ‬التحويلات‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والكوارث،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مصدراً‭ ‬مهماً‭ ‬للاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬للأسر‭.‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬فرص‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬وتميل‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬الأصول‭.‬

ولكن‭ ‬كالعادة‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬سلبيات،‭ ‬منها‭:‬

‭- ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التحويلات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬محلية‭ ‬مستدامة‭.‬

‭- ‬تراجع‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬بسبب‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬دخل‭ ‬المهاجرين‭.‬

‭- ‬زيادة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭. ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تتجه‭ ‬مبالغ‭ ‬التحويلات‭ ‬إلى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وليس‭ ‬المشروعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أثرها‭ ‬التنموي‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬محدوداً‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭% ‬إلى‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬التحويلات‭ ‬تتجه‭ ‬للاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬المباشر،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬نسبة‭ ‬توجيهها‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬إنتاجية‭ ‬صغيرة‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬مستدامة‭ ‬خفيضة‭.‬

‭- ‬هجرة‭ ‬الكفاءات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للعمالة‭.‬

‭- ‬التضخم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬العقارات‭. ‬فالتجارب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬بينت‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬التحويلات‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬شراء‭ ‬الأراضي‭ ‬والعقارات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

من‭ ‬المستفيد

إذن‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬التحويلات؟

في‭ ‬الواقع‭ ‬الموضوع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭. ‬فالتحويلات‭ ‬المالية‭ ‬للعمالة‭ ‬أشبه‭ ‬بجسر‭ ‬مالي‭ ‬عالمي‭ ‬يربط‭ ‬أسواق‭ ‬العمل‭ ‬بالاقتصادات‭ ‬الأخرى‭. ‬

وعلى‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬يكون‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬الدولة‭ ‬المستقبِلة‭ ‬للأموال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإيجابيات‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬اليها‭. ‬

وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬فإن‭ ‬الدولة‭ ‬المرسلة‭ ‬للأموال‭ ‬مثل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬قد‭ ‬تخسر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬السيولة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬التنموية‭ ‬ومشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وسد‭ ‬فجوة‭ ‬المهارات،‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬عمالة‭ ‬متخصصة‭ ‬أو‭ ‬وافدة‭ ‬غير‭ ‬متاحة‭ ‬محليا‭.‬

وفي‭ ‬النهاية‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬الوافد‭ ‬هو‭ ‬المستفيد‭ ‬الفردي‭ ‬الأكبر،‭ ‬والدولة‭ ‬المرسلة‭ ‬له‭ ‬هي‭ ‬المستفيد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المباشر‭ ‬الأكبر،‭ ‬بينما‭ ‬الدولة‭ ‬المستضيفة‭ ‬تستفيد‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬عبر‭ ‬النمو‭ ‬والإنتاج‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬كما‭ ‬يستفيد‭ ‬قطاع‭ ‬البنوك‭ ‬وشركات‭ ‬الصرافة‭ ‬ومقدمو‭ ‬الدفع‭ ‬من‭ ‬رسوم‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬استفادة‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬التحويلات‭.‬

السوق‭ ‬السوداء

ولكن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬يتعلق‭ ‬بوجود‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭. ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬للتحويلات‭ ‬المالية‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تظهر‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬الرسمي‭ ‬المعتمد‭ ‬لدى‭ ‬البنوك‭ ‬والقيمة‭ ‬الفعلية‭ ‬للعملة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭. ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تفرض‭ ‬الدول‭ ‬المستقبلة‭ ‬قيوداً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬العملة‭ ‬أو‭ ‬تقيم‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬الحقيقية،‭ ‬فيلجأ‭ ‬المغتربون‭ ‬إلى‭ ‬التحويل‭ ‬عبر‭ ‬الشبكات‭ ‬غير‭ ‬الرسمية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬أعلى‭ ‬لعملاتهم‭ ‬الصعبة‭.‬

ويحدث‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭ ‬عند‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التحويل‭ ‬الرسمي‭ ‬والرسوم‭ ‬المصرفية‭. ‬او‭ ‬عند‭ ‬وجود‭ ‬قيود‭ ‬تنظيمية‭ ‬معقدة‭ ‬على‭ ‬المبالغ‭ ‬المسموح‭ ‬بتحويلها‭.‬

هنا‭ ‬تتحول‭ ‬التحويلات‭ ‬إلى‭ ‬تحد‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المستقبلة‭ ‬للأموال،‭ ‬لأن‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬موازية‭ ‬خارج‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي،‭ ‬مما‭ ‬يفقد‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬احتياطيات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتخلق‭ ‬دورة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬المضاربات‭ ‬المالية‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬صعوبة‭ ‬تتبع‭ ‬الأموال‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬عمليات‭ ‬غسيل‭ ‬الأموال‭ ‬وتسهيل‭ ‬الأنشطة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭.‬

من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬تحرص‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬قنوات‭ ‬التحويل‭ ‬الرسمية‭ ‬سهلة‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬لأن‭ ‬التحويلات‭ ‬تمثل‭ ‬شرياناً‭ ‬مالياً‭ ‬مهماً‭ ‬لملايين‭ ‬الأسر‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬تعمد‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬إجراءات‭ ‬مكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬وتمويل‭ ‬الأنشطة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الرقابة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المخاطر‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬المرسل‭ ‬والمستفيد‭ ‬ومصدر‭ ‬الأموال،‭ ‬ورصد‭ ‬التحويلات‭ ‬غير‭ ‬المعتادة‭ ‬أو‭ ‬المتكررة،‭ ‬وفرض‭ ‬متطلبات‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬التحويلات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ومراقبة‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬الجهات‭ ‬المصنفة‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭.‬

أي‭ ‬أن‭ ‬المعادلة‭ ‬هنا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أركان‭ ‬هي‭ ‬تسهيل‭ ‬التحويلات‭ ‬المشروعة،‭ ‬مع‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬الأعلى‭ ‬خطورة،‭ ‬وإظهار‭ ‬التكلفة‭ ‬للمستهلك‭ ‬بوضوح‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا