تؤكد مؤشرات عام 2026 أن السلام العالمي وصل «إلى أدنى مستوى له منذ بدء إصدار المؤشر قبل نحو عقدين»، وأن «119 دولة، أي نحو 73% من الدول التي يشملها المؤشر، أصبحت أقل سلاما مما كانت عليه في عام 2008» (اليوم العالمي للسلام: كيف يبدو وضع السلام في عالم تتسع فيه رقعة النزاعات؟ - BBC News عربي).
ويشير الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للسلام (21 سبتمبر 2026) إلى أن «الحاجة إلى السلام تبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع استمرار حروب ونزاعات مسلحة في مناطق عدة من العالم، ما تسبب في نزوح وتشريد عشرات الملايين من البشر».
تعد المؤشرات المذكورة توثيقًا أمميًّا لحقيقة الصراعات التي تجتاح العالم، في ظل التحولات الإقليمية والدولية خلال العقود الأخيرة، التي لمنطقتنا العربية منها النصيب الأكبر، بما فيها التحولات في أنماط الهيمنة، التي تنتهي بها هذه الصراعات. وهنا سنحاول توصيف وتعريف النمط الجديد للهيمنة وأدواتها، الخارجة على كل مواثيق ومعاهدات الردع والسيطرة الأممية، بهدف فهم التحول البنيوي العميق في طبيعة هذه الصراعات العابرة للقانون الدولي، والمنتهكة لكل المعايير السياسية وقواعد العلاقات الدولية، والعاملة على تحييد دور الأمم المتحدة في حفظ السلام وفرض العدالة؛ التي تنم عن تغوّل الولايات المتحدة الأمريكية على الدول الأقل قوة، حتى باتت كل دول العالم، من دون استثناء، مُعَرّضة لخطر صراعات التغيير هذه، التي تنتهي دائمًا بالدمار الشامل.
«الفوضى المدارة»
و«الهيمنة المفككة»
توصف الهيمنة الجديدة في أدبيات العلاقات الدولية الحديثة بأنها الانتقال من «الإمبراطورية المباشرة» إلى «الإمبراطورية غير المباشرة»، أو «الهيمنة المفككة»، إذ لم تعد السيطرة تُفرض بالاحتلال العسكري المُكلِف، بل بإدارة الفوضى وتوجيهها (أو بالفوضى المُدارة) (إدارة الأزمات الدولية وإعادة تشكيل النظام الدولي.. «القوة العارية» ومنطق الهيمنة - مجلة السياسة الدولية).
سابقًا، كان الاحتلال المباشر يعني قوات على الأرض، وإدارة مدنية، ومسؤولية قانونية عن الأخطاء، بكلفة باهظة سياسيًّا واقتصاديًّا (العراق وأفغانستان نموذجين). أما حاليًّا فإن الهيمنة من خلال إدارة الفوضى تعني لا مسؤولية مباشرة، أي لا قوات أمريكية كبيرة على الأرض، بل وكلاء محليين، ومليشيات، وقوى إقليمية تتقاتل؛ لا التزامات قانونية، لا احتلال، لا سلطة احتلال، لا مساءلة أمام الأمم المتحدة (فوضى مُدارة / سمير السعد - جريدة النهار العراقية alnahar-news).
لذلك الهيمنة من خلال «إدارة الفوضى» نتائجها مضمونة؛ حيث الفوضى تمنع أي قوة إقليمية من التماسك والتحول إلى منافس، وتُبقي الجميع في حالة اعتماد على واشنطن.
تحييد دور الأمم المتحدة..
كيف حدث؟
يكمن الخطر المباشر للفوضى، وإدارتها، في عدم وجودها في حيز المساءلة القانونية الدولية، بمعنى إن الفوضى تُحيِّد دور الأمم المتحدة في فرض الأمن والسلام، عبر آليات محددة، أهمها هو: 1- الاستخدام الانتقائي للفيتو (مثال: الفيتو الأمريكي لحماية إسرائيل)، ما يجعل مجلس الأمن عاجزًا عن فرض أي حل. 2- استخدام مسألة تمويل المنظمة الدولية كأداة ضغط لمنع قرارات غير مُرضية لمصالح أمريكا (مثال: دور واشنطن بصفتها الممول الأكبر في ميزانية الأمم المتحدة). 3- تجاوز الأمم المتحدة في الحروب الأخيرة (مثال: العراق 2003، ليبيا 2011، الحرب على غزة) التي شُنّت بدون تفويض أممي واضح، أو بتفويض فضفاض، يُفسر لاحقًا بما يخدم المصالح الأمريكية.
إن أهم وأخطر ما يتفاعل اليوم في بيئة «الفوضى المُدارة» هو أنه لم تعد الأمم المتحدة منصة لفرض العدالة، بل منصة لتبرير ما يحدث أو منصة عاجزة عن الفعل.
نهاية عصر السيادة
الوطنية المطلقة
وبعد أربعة عقود من الأداء المنهجي في صناعة الفوضى وإدارتها لم تعد الهيمنة الأمريكية مقتصرة على مناطق نفوذ تقليدية، بل يمكن أن تكون أي دولة، في أي قارة، هدفًا أمريكيًا من خلال: 1- العقوبات الاقتصادية التي تستخدمها الولايات المتحدة كأداة لإخضاع دول لا تقاتلها عسكريًّا. 2- الدعم غير المباشر للمعارضات، عبر تمويل منظمات مجتمع مدني، أو دعم متطرفين، أو تغذية احتجاجات. 3- الضغط الدبلوماسي عبر التحالفات، والاتفاقيات التجارية، والتهديد بالعزلة. 4- العمليات السيبرانية كأداة جديدة للتدخل من دون جنود.
هذا يعني، عمومًا، أن السيادة الوطنية لم تعد مطلقة، بل أصبحت قابلة للاختراق بطرق متعددة، بعضها غير مرئي.
عدم جدوى النظريات السياسية القديمة في التفسير
وبالبعد الآخر لم تعد النظريات الكلاسيكية (الواقعية، الليبرالية، الماركسية) ذات جدوى في تفسير حيثيات الهيمنة الجديدة وأدواتها، التي لا اعتبار فيها للدولة كوحدة واحدة، ولا للحرب كمواجهة بين جيوش، ولا للاحتلال كسيطرة كاملة، وحتى الفاعلين في هذه الصراعات أصبحوا من غير الدول (مليشيات، شركات، منظمات) ويلعبون أدوارًا موازية.
وهذا ما يجعل التحليل التقليدي قاصرًا عن فهم ديناميكية حربي «غزة» و«مضيق هرمز»، التي هي ليست حروبًا بين دول، بل شبكة متشابكة من وكلاء ومليشيات وقوى إقليمية، تتحرك في فضاء تتحكم فيه واشنطن جزئيًّا.
«إدارة الفوضى» كبديل للاحتلال
هذا التحليل البنيوي، الذي نحاول به توضيح الواقع الدولي الجديد، يأخذنا إلى أبعاد أخرى للهيمنة، في صراعات الانتقال من الاحتلال إلى إدارة الفوضى. والبعد الأهم هنا هو أنها أكثر ذكاءً، لأنها لا تستهلك موارد جيش واحتلال، وأكثر فعالية لأنها تحقق أهدافها من دون كلفة احتلال؛ وأكثر إفلاتًا من المساءلة حيث لا أحد يتحمل مسؤولية الفوضى، لأنها «فوضى، وليست احتلالا».
وهنا يمكننا تأكيد أن ما يحدث اليوم في الحرب على غزة والحرب الأمريكية الإيرانية، وحرب المضائق في هرمز وباب المندب، هو حصاد استراتيجية الفوضى المُدارة، وليس مجرد صراع عابر.
ولكنّ هناك ثمنًا لهذه السياسات تدفعها الدولة المهيمنة، بدءًا بما تخلقه من عداوات دائمة، وبما تُنتج من فوضى يصعب ضبطها في مراحل معينة، إضافة إلى ما بدا واضحًا فيما تفقده واشنطن من مصداقيتها كقائدة للعالم الحر.
ويبقى السؤال الأهم والمتداول مع تصاعد، وتزايد، وطول أمد، هذه الصراعات والأزمات المدمرة، وانتهاكاتها لحقوق الشعوب، على الصعيد الإنساني والاجتماعي والأمني، هو: هل سوف يستمر هذا المستوى من اللاأمن سائدًا في العالم؟
والإجابة هنا تتطلب تفكيكًا للبنية الجديدة للصراع، لأن السؤال يفترض أن الأمن يعود إلى النموذج الدولي السابق، بينما في الواقع الجديد تحوَّل اللاأمن إلى بنية دائمة ومتجذرة، وليس أزمة عابرة.
بموجب تقرير مؤشر السلام العالمي (2026)، فإنه يشير (بشكل غير مباشر) إلى أن اللاأمن في النموذج الدولي الجديد ليس عارضًا، بل هو السمة المهيمنة للنظام القادم.. وأن احتمالية حرب كبرى «الحرب واسعة النطاق» قفزت 16 مرتبة في مؤشر «الإلحاح»، من المرتبة 21 إلى المرتبة 5، وهي أكبر قفزة بين 28 خطرًا عالميًّا. و36% من الخبراء يتوقعون حربًا كبرى خلال عام واحد، و%76 خلال سبع سنوات. ويسجل المؤشر الانخفاض الثاني عشر على التوالي، مع تراجع 99 دولة (من أصل 163) في مؤشر السلام (Global-Peace-Index-2026-Report.pdf).
وهنا نؤكد ما جاء في كلمة الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للسلام، عندما قال إن «السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو الأساس اللازم لتوحيد الجهود في التصدي لتحديات البشرية. وهو تجربة معاشة تتجسد في الأمان والكرامة والفرص والتعاون في معايشنا اليومية».
إذن ما هي أدوات المواجهة الفاعلة لديناميكية الهيمنة الجديدة؟
أو بصيغة أخرى: كيف السبيل إلى السلام؟
أرجو أن أتمكن من تحديد بعض من أدوات المواجهة والسلام، ليكون موضوع مقالات قادمة، بإذن الله.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك