العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

عندما تكون عربة التسوق رهينة بالمشاعر السلبية!
لماذا نلجأ إلى التسوق عندما نشعر بالملل أو الضغط النفسي؟

الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

معركة‭ ‬كيميائية‭ ‬صامتة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬بين‭ ‬متعة‭ ‬الامتلاك‭ ‬والتكلفة‭.. ‬فمن‭ ‬ينتصر؟

تحت‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬لا‭ ‬نشتري‭ ‬السلعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نشتري‭ ‬مسكنات‭.. ‬والوعد‭ ‬بالسعادة‭!‬

بمجرد‭ ‬إنجاز‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬يبدأ‭ ‬‮«‬الدوبامين‮»‬‭ ‬بالانسحاب‭ ‬ليتركك‭ ‬تراجع‭ ‬حسابك‭ ‬البنكي‭!‬


تقرير‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

 

هل‭ ‬صادف‭ ‬أن‭ ‬شعرتَ‭ ‬يومًا‭ ‬بضيقٍ‭ ‬أو‭ ‬مللٍ‭ ‬أو‭ ‬ضغطٍ‭ ‬نفسي،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسَك‭ ‬وقد‭ ‬فتحت‭ ‬تطبيقَ‭ ‬تسوق‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬تصفُّح‭ ‬منتجاتٍ‭ ‬متنوعة،‭ ‬وتضيف‭ ‬سلعًا‭ ‬إلى‭ ‬السلة،‭ ‬ثم‭ ‬تكتشفُ‭ ‬أنك‭ ‬قد‭ ‬أتممت‭ ‬عمليةَ‭ ‬الشراءِ‭ ‬فعلا؟

أو‭ ‬أنك‭ ‬تبادرُ‭ ‬إلى‭ ‬التوجُّه‭ ‬إلى‭ ‬مجمعٍ‭ ‬تجاري،‭ ‬وبعد‭ ‬مدة‭ ‬تخرج‭ ‬وقد‭ ‬اشتريت‭ ‬بضائعَ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مخططا‭ ‬لها‭ ‬قبل‭ ‬ذلك؟‭.‬

هذا‭ ‬الوضعُ‭ ‬يفرضُ‭ ‬سؤالا‭ ‬مهما،‭ ‬ما‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬السيئة‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬التسوق؟‭ ‬هل‭ ‬يمنحنا‭ ‬التسوق‭ ‬وتفحص‭ ‬البضائع‭ ‬راحة‭ ‬نفسية‭ ‬تخفف‭ ‬المعاناة‭ ‬والضغط؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬راحة‭ ‬حقيقية‭ ‬تدوم؟‭ ‬أم‭ ‬مؤقتة‭ ‬يتبعها‭ ‬شعورٌ‭ ‬نقيض؟

معركة‭ ‬صامتة

عندما‭ ‬يتجولُ‭ ‬الشخصُ‭ ‬في‭ ‬أروقةِ‭ ‬المجمعات‭ ‬التجارية،‭ ‬أو‭ ‬يتصفح‭ ‬تطبيقات‭ ‬التسوق،‭ ‬تنشط‭ ‬داخل‭ ‬دماغه‭ ‬معركةٌ‭ ‬كيميائية‭ ‬صامتة‭ ‬وعملية‭ ‬موازنة‭ ‬ذهنية‭ ‬بين‭ ‬المكسب‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬متعة‭ ‬امتلاكه،‭ ‬وتكلفة‭ ‬امتلاك‭ ‬هذا‭ ‬المنتج‭. ‬وهنا‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬مشاعر‭ ‬متعة‭ ‬الامتلاك‭ ‬أقوى،‭ ‬يبادر‭ ‬الشخص‭ ‬الى‭ ‬إتمام‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭.‬

وعندما‭ ‬يمر‭ ‬الفرد‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬أو‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق،‭ ‬ينخفض‭ ‬لديه‭ ‬مستوى‭ ‬هرمون‭ ‬الدوبامين‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬الشعور‭ ‬بالمتعة‭ ‬والمكافأة‭. ‬وهو‭ ‬مادة‭ ‬كيميائية‭ ‬يفرزها‭ ‬الدماغ‭ ‬وتعمل‭ ‬ناقلًا‭ ‬عصبيًا‭ ‬يساعد‭ ‬الخلايا‭ ‬العصبية‭ ‬على‭ ‬التواصل‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬والإنفاق‭ ‬المالي‭ ‬تتميز‭ ‬بكونها‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬ومركبة‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬العقل‭ ‬المنطقي‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬بالدوافع،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العاطفي‭ ‬كآلية‭ ‬دفاعية‭ ‬سريعة‭.‬

وبالتالي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬مشترياتهم‭ ‬أو‭ ‬تأجيلها،‭ ‬فإنه‭ ‬يدفع‭ ‬الكثيرين‭ ‬إلى‭ ‬الإنفاق‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬راحة‭ ‬سريعة،‭ ‬مثل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكافأة‭ ‬صغيرة،‭ ‬أو‭ ‬الانشغال‭ ‬بالتصفح،‭ ‬أو‭ ‬الإحساس‭ ‬بأنهم‭ ‬يتخذون‭ ‬قرارات‭ ‬جدية‭ ‬تشعرهم‭ ‬بقدر‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬وسط‭ ‬ظروف‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬التحكم‭ ‬بها‭.‬

ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التسوقَ‭ ‬يتحولُ‭ ‬إلى‭ ‬وسيلةٍ‭ ‬سريعة‭ ‬لتغيير‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية،‭ ‬والملل‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬يكسر‭ ‬الرتابة‭. ‬فيبرز‭ ‬هنا‭ ‬التصفح‭ ‬والاختيار‭ ‬والشراء‭ ‬كشعور‭ ‬بالانشغال‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الشخص‭ ‬حزينًا‭ ‬أو‭ ‬واقعًا‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭. ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬السلعة‭ ‬هي‭ ‬الهدف‭ ‬او‭ ‬المتعة،‭ ‬وإنما‭ ‬التصفح‭ ‬والاختيار‭ ‬نفسه‭ ‬جزء‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬تحسين‭ ‬المزاج‭.‬

وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مشاعر‭ ‬الحزن‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬بفقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأحداث،‭ ‬حيث‭ ‬ترتبط‭ ‬عملية‭ ‬التصفح‭ ‬والاختيار‭ ‬والشراء‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الإحساس‭ ‬بالسيطرة‭ ‬والتوازن‭. ‬فيأتي‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬ليمنح‭ ‬العقل‭ ‬شعوراً‭ ‬بالفوز‭ ‬واستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية‭. ‬

ويُعرف‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬‮«‬علاج‭ ‬التبضع‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬ميكانزمات‭ ‬معقدة‭ ‬وهرمونات‭ ‬نفسية‭ ‬تستغلها‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التسويق‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬جيوبنا‭ ‬عبر‭ ‬استغلال‭ ‬مشاعرنا‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الدراسات‭ ‬مثل‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬جامعة‭ ‬ميشيغان‭ ‬حول‭ ‬‮«‬علاج‭ ‬التبضع‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬الشراء‭ ‬أثناء‭ ‬الشعور‭ ‬بالحزن‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬إزالة‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بنسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى40‭  ‬ضعفاً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬العادي،‭ ‬والسبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الشراء‭ ‬يمنح‭ ‬الفرد‭ ‬شعوراً‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الشخصية‭ (‬Personal‭ ‬Control‭) ‬على‭ ‬بيئته‭ ‬المحيطة‭.‬

ووفقاً‭ ‬لدراسة‭ ‬‮«‬الضغط‭ ‬في‭ ‬أمريكا‮»‬‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬جمعية‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الأمريكية‭ (‬APA‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الشباب‭ (‬58‭%‬‭) ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العاطفي‭ ‬كآلية‭ ‬أولية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬اليومية،‭ ‬فيما‭ ‬تلجأ‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬نساء‭ ‬إلى‭ ‬التسوق‭ ‬كأداة‭ ‬لتفريغ‭ ‬التوتر،‭ ‬مما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الحاجات‭ ‬والمال،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الهرمونات‭ ‬والمشاعر‮»‬‭.‬

وتتلخص‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوضع‭ ‬النفسي‭ ‬السلبي‭ ‬والرغبة‭ ‬بالشراء‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬متسلسلة‭ ‬هي‭: ‬

1-‭ ‬انخفاض‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬وتراجع‭ ‬إرادة‭ ‬القرار‭.  ‬فعندما‭ ‬يستهلك‭ ‬الفرد‭ ‬طاقته‭ ‬الذهنية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬المشاكل‭ ‬الشخصية،‭ ‬يضعف‭ ‬القشرة‭ ‬الجبهية‭ ‬الأمامية‭ (‬Prefrontal‭ ‬Cortex‭) ‬في‭ ‬الدماغ‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬المنطقي‭ ‬وضبط‭ ‬الدافع،‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاستجابة‭ ‬المغرية‭ ‬لعمليات‭ ‬الشراء‭ ‬غير‭ ‬المخطط‭ ‬لها‭.‬

2-‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الشفاء‭ ‬العاطفي‭. ‬وهنا‭ ‬يُستخدم‭ ‬الإنفاق‭ ‬هنا‭ ‬كأداة‭ ‬لتفريغ‭ ‬القلق‭ ‬أو‭ ‬الحزن‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الشراء‭ ‬يمنح‭ ‬تدفقاً‭ ‬سريعاً‭ ‬للهرمونات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬السعادة‭ (‬كالدوبامين‭)‬،‭ ‬فيتحول‭ ‬فعل‭ ‬التسوق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شراء‭ ‬سلع‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتسكين‭ ‬الألم‭ ‬النفسي‭ ‬المؤقت‭.‬

3-‭ ‬استعادة‭ ‬الشعور‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الشخصية‭ ‬بعد‭ ‬الشعور‭ ‬بالضغط‭ ‬وما‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬إحساس‭ ‬بعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬بالأحداث‭ ‬الخارجية‭ ‬فتبرز‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬كرد‭ ‬سلوكي‭ ‬يُشعر‭ ‬الفرد‭ ‬بالاستقلالية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬أو‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

مجرد‭ ‬مسكن

‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭: ‬هل‭ ‬ستخفف‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬مجرد‭ ‬مسكن‭ ‬مؤقت‭ ‬وتأجيل‭ ‬للمواجهة؟‭. ‬

للأسف‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬التصفح‭ ‬والاختيار‭ ‬يمنح‭ ‬شعورًا‭ ‬بالحماس‭ ‬والترقب،‭ ‬لكن‭ ‬امتلاك‭ ‬المنتج‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭. ‬بل‭ ‬كلما‭ ‬توقعنا‭ ‬تغيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬المزاج‭ ‬بسبب‭ ‬الشراء،‭ ‬اتسعت‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭. ‬

وبالتالي‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬مشاعر‭ ‬إيجابية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الرضا‭ ‬والسعادة‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬التصفح‭ ‬أو‭ ‬التسوق،‭ ‬ويرتفع‭ ‬الدوبامين،‭ ‬ولكن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬الفخ‭. ‬حيث‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬عن‭ ‬الدوبامين‭ ‬هو‭ ‬هرمون‭ ‬الترقب‭ ‬والرغبة،‭ ‬وليس‭ ‬هرمون‭ ‬الرضا‭. ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مشاعر‭ ‬الرضا‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬بعد‭ ‬الشراء‭.‬

وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الدراسات‭ ‬مثل‭ ‬دراسة‭ ‬لعالم‭ ‬الأعصاب‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد‭ ‬روبرت‭ ‬سابولسكي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الدوبامين‮»‬‭ ‬يتصرف‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬حيث‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬الكبرى‭ ‬أثناء‭ ‬مرحلة‭ ‬البحث‭ ‬والترقب‭ ‬والتسوق‭ ‬واحتمالية‭ ‬حدوثها،‭ ‬وليس‭ ‬بعد‭ ‬إتمام‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭. ‬وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬المنتج‭ ‬إلى‭ ‬يديك،‭ ‬يهبط‭ ‬هرمون‭ ‬المتعة،‭ ‬وقد‭ ‬تبدأ‭ ‬مشاعر‭ ‬الاندماج‭ ‬أو‭ ‬الندم‭!‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الشراء‭ ‬يمثل‭ ‬استجابة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأمد‭ ‬للضغط،‭ ‬ولكن‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬نفسية‭ ‬سلبية‭ ‬على‭ ‬الميزانية‭ ‬وفقا‭ ‬لتكراره‭ ‬وقيمته‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مخططًا‭ ‬له‭. ‬فمثلا‭ ‬في‭ ‬التسوق‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬تبلغ‭ ‬موجة‭ ‬الدوبامين‭ ‬قمتها‭ ‬أثناء‭ ‬التصفح‭ ‬ووضع‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬السلة‭ ‬ومتابعة‭ ‬رحلة‭ ‬طرد‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬الخريطة‭.‬

ولكن‭ ‬قد‭ ‬يتبع‭ ‬ذلك‭ ‬لحظة‭ ‬صدمة‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬المستهلك‭ ‬الصندوق‭ ‬ويمسك‭ ‬المنتج‭ ‬بيده،‭ ‬حيث‭ ‬ينخفض‭ ‬الدوبامين‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬مستوياته‭ ‬الطبيعية‭. ‬فتتلاشى‭ ‬نشوة‭ ‬الترقب،‭ ‬ويحل‭ ‬محلها‭ ‬شعور‭ ‬عادي،‭ ‬وأحياناً‭ ‬شعور‭ ‬بالندم‭ ‬المالي‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ (‬Buyer’s‭ ‬Remorse‭).‬

وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬وعندما‭ ‬نكون‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬أو‭ ‬مشاعر‭ ‬سلبية،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نشتري‭ ‬السلعة،‭ ‬بل‭ ‬نشتري‭ ‬الوعد‭ ‬بالسعادة‭ ‬الذي‭ ‬يمنحنا‭ ‬إياه‭ ‬الدوبامين‭ ‬أثناء‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬السلعة‭. ‬وعندما‭ ‬تنجز‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بالضغط‭ ‬على‭ ‬زر‭ ‬‮»‬تأكيد‭ ‬الشراء‮«‬،‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬الدوبامين‮»‬‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬وظيفته‭ ‬وبدأ‭ ‬بالانسحاب،‭ ‬ليتركك‭ ‬تراجع‭ ‬حسابك‭ ‬البنكي‭!‬،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية،‭ ‬وقد‭ ‬تبدأ‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مسكن‭ ‬جديد‮»‬‭!. ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬تستثمره‭ ‬المنصات‭ ‬والمتاجر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحفيز‭ ‬وتسهيل‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬العاطفي،‭ ‬وجعل‭ ‬عملية‭ ‬التصفح‭ ‬والتسوق‭ ‬ممتعة‭ ‬وسهلة،‭ ‬وزاخرة‭ ‬بالعروض‭ ‬والتخفيضات،‭ ‬أو‭ ‬الإيهام‭ ‬بالفرصة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ومحدودية‭ ‬المخزون‭ ‬وخلق‭ ‬استعجال‭ ‬مضلل‭. ‬

بل‭ ‬تستغل‭ ‬الشركات‭ ‬الحديثة‭ ‬وتطبيقات‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬أوقات‭ ‬الفراغ‭ ‬والملل‭ ‬لدى‭ ‬المستهلكين‭ ‬بصورة‭ ‬ذكية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بتقليل‭ ‬الاحتكاك‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وجعل‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬أسهل‭ ‬وأسرع‭ ‬كي‭ ‬تقل‭ ‬فرصة‭ ‬التفكير‭ ‬المنطقي‭.‬

وبعض‭ ‬المنصات‭ ‬تعمد‭ ‬إلى‭ ‬الإشعارات‭ ‬الموجهة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الذروة‭ ‬النفسية‭ ‬مثل‭ ‬فترة‭ ‬الظهيرة‭ ‬أثناء‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬أوقات‭ ‬الليل‭ ‬لتحفيز‭ ‬‮«‬التسوق‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬الملل‮»‬‭.‬

نصائح

لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نتردد‭ ‬في‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التسوق‭ ‬وتصفح‭ ‬المنتجات‭. ‬

فبالتأكيد‭ ‬يلعب‭ ‬ذلك‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الانعكاسات‭ ‬السلبية‭ ‬للضغوط‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬نجعل‭ ‬عملية‭ ‬التسوق‭ ‬هذه‭ ‬مجرد‭ ‬مسكن‭ ‬أو‭ ‬مخدر‭ ‬آني،‭ ‬تتبعه‭ ‬مشاعر‭ ‬أسوأ‭. ‬

وبالتالي‭ ‬يمكن‭ ‬مواصلة‭ ‬عملية‭ ‬التصفح‭ ‬والاستمتاع‭ ‬بها،‭ ‬ووضع‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬السلة،‭ ‬ولكن‭ ‬تمهل‭ ‬في‭ ‬إتمام‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭. ‬عُد‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬لتقرر،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬القرار‭ ‬أهدأ‭ ‬وأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الاختيار‭ ‬الواعي‭.‬

كما‭ ‬ينصح‭ ‬عند‭ ‬التصفح‭ ‬والتسوق،‭ ‬وقبل‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬شراء،‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬لحظة‭ ‬وتتساءل‭: ‬هل‭ ‬أحتاج‭ ‬هذا‭ ‬المنتج‭ ‬الآن‭ ‬أم‭ ‬يمكن‭ ‬الانتظار؟،‭ ‬ما‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬سيحلها‭ ‬هذا‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الإضافة‭ ‬الكافية‭ ‬التي‭ ‬سأجنيها‭ ‬من‭ ‬امتلاكه؟‭ ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬فيه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أراه‭ ‬خلال‭ ‬التصفح؟‭ ‬هل‭ ‬أشتريه‭ ‬لأنني‭ ‬بحاجة‭ ‬إليه‭ ‬فعلا‭ ‬أم‭ ‬لأنني‭ ‬متوتر‭ ‬أو‭ ‬أشعر‭ ‬بالملل؟‭ ‬هل‭ ‬يناسب‭ ‬ميزانيتي‭ ‬بعد‭ ‬احتساب‭ ‬التزاماتي‭ ‬الأساسية؟‭ ‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬والحاجة‭. ‬فالحاجة‭ ‬ترتبط‭ ‬بغرض‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬أما‭ ‬الرغبة‭ ‬فغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتعلق‭ ‬بما‭ ‬نود‭ ‬امتلاكه‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬نتوقع‭ ‬أن‭ ‬يمنحنا‭ ‬شعورًا‭ ‬أفضل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا