معركة كيميائية صامتة في العقل بين متعة الامتلاك والتكلفة.. فمن ينتصر؟
تحت الضغوط النفسية لا نشتري السلعة بقدر ما نشتري مسكنات.. والوعد بالسعادة!
بمجرد إنجاز عملية الشراء يبدأ «الدوبامين» بالانسحاب ليتركك تراجع حسابك البنكي!
تقرير: محمد الساعي
هل صادف أن شعرتَ يومًا بضيقٍ أو مللٍ أو ضغطٍ نفسي، ثم وجدت نفسَك وقد فتحت تطبيقَ تسوق وبدأت في تصفُّح منتجاتٍ متنوعة، وتضيف سلعًا إلى السلة، ثم تكتشفُ أنك قد أتممت عمليةَ الشراءِ فعلا؟
أو أنك تبادرُ إلى التوجُّه إلى مجمعٍ تجاري، وبعد مدة تخرج وقد اشتريت بضائعَ لم تكن مخططا لها قبل ذلك؟.
هذا الوضعُ يفرضُ سؤالا مهما، ما العلاقة بين الحالة النفسية السيئة والرغبة في التسوق؟ هل يمنحنا التسوق وتفحص البضائع راحة نفسية تخفف المعاناة والضغط؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل هي راحة حقيقية تدوم؟ أم مؤقتة يتبعها شعورٌ نقيض؟
معركة صامتة
عندما يتجولُ الشخصُ في أروقةِ المجمعات التجارية، أو يتصفح تطبيقات التسوق، تنشط داخل دماغه معركةٌ كيميائية صامتة وعملية موازنة ذهنية بين المكسب المتمثل في متعة امتلاكه، وتكلفة امتلاك هذا المنتج. وهنا عندما تكون مشاعر متعة الامتلاك أقوى، يبادر الشخص الى إتمام عملية الشراء.
وعندما يمر الفرد بحالة من الضغط النفسي أو التوتر والقلق، ينخفض لديه مستوى هرمون الدوبامين المسؤول عن الشعور بالمتعة والمكافأة. وهو مادة كيميائية يفرزها الدماغ وتعمل ناقلًا عصبيًا يساعد الخلايا العصبية على التواصل.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الضغط النفسي والإنفاق المالي تتميز بكونها علاقة طردية ومركبة. حيث إن الضغط النفسي يقلل من قدرة العقل المنطقي على التحكم بالدوافع، مما يعزز الاستهلاك العاطفي كآلية دفاعية سريعة.
وبالتالي، في الوقت الذي قد يدفع الضغط النفسي بعض الناس إلى تقليل مشترياتهم أو تأجيلها، فإنه يدفع الكثيرين إلى الإنفاق بحثًا عن راحة سريعة، مثل الحصول على مكافأة صغيرة، أو الانشغال بالتصفح، أو الإحساس بأنهم يتخذون قرارات جدية تشعرهم بقدر من السيطرة وسط ظروف لا يملكون التحكم بها.
ما يعني أن التسوقَ يتحولُ إلى وسيلةٍ سريعة لتغيير الحالة النفسية، والملل يدفع إلى البحث عن شيء يكسر الرتابة. فيبرز هنا التصفح والاختيار والشراء كشعور بالانشغال أو التحكم عندما يكون الشخص حزينًا أو واقعًا تحت الضغط. وبالتالي لا تكون السلعة هي الهدف او المتعة، وإنما التصفح والاختيار نفسه جزء أساسي من محاولة تحسين المزاج.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشاعر الحزن أو الشعور بفقدان السيطرة على الأحداث، حيث ترتبط عملية التصفح والاختيار والشراء بالرغبة في استعادة الإحساس بالسيطرة والتوازن. فيأتي قرار الشراء ليمنح العقل شعوراً بالفوز واستعادة السيطرة والهروب من المشاعر السلبية.
ويُعرف هذا السلوك «علاج التبضع» الذي تتداخل فيه ميكانزمات معقدة وهرمونات نفسية تستغلها استراتيجيات التسويق الحديثة التي تهدف إلى الاستحواذ على جيوبنا عبر استغلال مشاعرنا.
وهذا ما تؤكده الدراسات مثل دراسة نشرتها جامعة ميشيغان حول «علاج التبضع»، حيث وجدت أن اتخاذ قرارات الشراء أثناء الشعور بالحزن يساعد في إزالة هذا الشعور بنسبة تصل إلى40 ضعفاً مقارنة بالاستهلاك العادي، والسبب الرئيسي هو أن الشراء يمنح الفرد شعوراً بالسيطرة الشخصية (Personal Control) على بيئته المحيطة.
ووفقاً لدراسة «الضغط في أمريكا» الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، فإن أكثر من نصف الشباب (58%) يعتمدون على الاستهلاك العاطفي كآلية أولية لمواجهة الضغوط اليومية، فيما تلجأ واحدة من كل أربع نساء إلى التسوق كأداة لتفريغ التوتر، مما يثبت أن الإنفاق لم يعد مسألة حوار بين الحاجات والمال، بل هو حوار بين الهرمونات والمشاعر».
وتتلخص العلاقة بين الوضع النفسي السلبي والرغبة بالشراء في عدة عوامل متسلسلة هي:
1- انخفاض ضبط النفس وتراجع إرادة القرار. فعندما يستهلك الفرد طاقته الذهنية في مواجهة ضغوط العمل أو المشاكل الشخصية، يضعف القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex) في الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي وضبط الدافع، مما يجعله أكثر عرضة للاستجابة المغرية لعمليات الشراء غير المخطط لها.
2- البحث عن الشفاء العاطفي. وهنا يُستخدم الإنفاق هنا كأداة لتفريغ القلق أو الحزن. حيث إن الشراء يمنح تدفقاً سريعاً للهرمونات المسؤولة عن السعادة (كالدوبامين)، فيتحول فعل التسوق من مجرد شراء سلع إلى وسيلة لتسكين الألم النفسي المؤقت.
3- استعادة الشعور بالسيطرة الشخصية بعد الشعور بالضغط وما يصاحبه من إحساس بعدم القدرة على التحكم بالأحداث الخارجية فتبرز عملية الشراء كرد سلوكي يُشعر الفرد بالاستقلالية والقدرة على التحكم أو اتخاذ القرار.
مجرد مسكن
ولكن يبقى السؤال المهم: هل ستخفف هذه العملية من المشاعر السلبية؟ أم أنه مجرد مسكن مؤقت وتأجيل للمواجهة؟.
للأسف تؤكد الدراسات أن التصفح والاختيار يمنح شعورًا بالحماس والترقب، لكن امتلاك المنتج لا يضمن استمرار هذا الشعور. بل كلما توقعنا تغيرا كبيرا في المزاج بسبب الشراء، اتسعت الفجوة مع الواقع.
وبالتالي قد تظهر مشاعر إيجابية تعبر عن نوع من الرضا والسعادة خلال عملية التصفح أو التسوق، ويرتفع الدوبامين، ولكن هنا يبرز الفخ. حيث تؤكد الدراسات عن الدوبامين هو هرمون الترقب والرغبة، وليس هرمون الرضا. ما يعني أن مشاعر الرضا قد تتراجع بعد الشراء.
وقد أظهرت الدراسات مثل دراسة لعالم الأعصاب الشهير في جامعة ستانفورد روبرت سابولسكي أن «الدوبامين» يتصرف بطريقة غير متوقعة، حيث يصل إلى ذروته الكبرى أثناء مرحلة البحث والترقب والتسوق واحتمالية حدوثها، وليس بعد إتمام عملية الشراء. وبمجرد أن يصل المنتج إلى يديك، يهبط هرمون المتعة، وقد تبدأ مشاعر الاندماج أو الندم!
وهذا ما يجعل الشراء يمثل استجابة قصيرة الأمد للضغط، ولكن قد تكون له آثار نفسية سلبية على الميزانية وفقا لتكراره وقيمته وما إذا كان مخططًا له. فمثلا في التسوق الإلكتروني، تبلغ موجة الدوبامين قمتها أثناء التصفح ووضع المنتجات في السلة ومتابعة رحلة طرد الشحن عبر الخريطة.
ولكن قد يتبع ذلك لحظة صدمة بمجرد أن يفتح المستهلك الصندوق ويمسك المنتج بيده، حيث ينخفض الدوبامين سريعاً إلى مستوياته الطبيعية. فتتلاشى نشوة الترقب، ويحل محلها شعور عادي، وأحياناً شعور بالندم المالي يعرف بـ (Buyer’s Remorse).
وكل ذلك يعني أننا في كثير من الحالات، وعندما نكون تحت ضغط نفسي أو مشاعر سلبية، فإننا لا نشتري السلعة، بل نشتري الوعد بالسعادة الذي يمنحنا إياه الدوبامين أثناء البحث عن السلعة. وعندما تنجز المرحلة الأخيرة بالضغط على زر »تأكيد الشراء«، يكون «الدوبامين» قد أدى وظيفته وبدأ بالانسحاب، ليتركك تراجع حسابك البنكي!، مما قد يزيد من الضغوط النفسية، وقد تبدأ بالبحث عن «مسكن جديد»!.
وهو ما تستثمره المنصات والمتاجر من خلال تحفيز وتسهيل عملية الشراء العاطفي، وجعل عملية التصفح والتسوق ممتعة وسهلة، وزاخرة بالعروض والتخفيضات، أو الإيهام بالفرصة الأخيرة ومحدودية المخزون وخلق استعجال مضلل.
بل تستغل الشركات الحديثة وتطبيقات التجارة الإلكترونية أوقات الفراغ والملل لدى المستهلكين بصورة ذكية من خلال ما يعرف بتقليل الاحتكاك الاقتصادي، وجعل عملية الشراء أسهل وأسرع كي تقل فرصة التفكير المنطقي.
وبعض المنصات تعمد إلى الإشعارات الموجهة في أوقات الذروة النفسية مثل فترة الظهيرة أثناء العمل أو أوقات الليل لتحفيز «التسوق الناجم عن الملل».
نصائح
لا يعني ذلك أن نتردد في التخفيف من الضغوط النفسية من خلال التسوق وتصفح المنتجات.
فبالتأكيد يلعب ذلك دورا في تقليل الانعكاسات السلبية للضغوط. ولكن من المهم الحرص على ألا نجعل عملية التسوق هذه مجرد مسكن أو مخدر آني، تتبعه مشاعر أسوأ.
وبالتالي يمكن مواصلة عملية التصفح والاستمتاع بها، ووضع المنتجات في السلة، ولكن تمهل في إتمام عملية الشراء. عُد بعد فترة لتقرر، حيث يصبح القرار أهدأ وأقرب إلى الاختيار الواعي.
كما ينصح عند التصفح والتسوق، وقبل أي عملية شراء، أن تتوقف لحظة وتتساءل: هل أحتاج هذا المنتج الآن أم يمكن الانتظار؟، ما المشكلة التي سيحلها هذا المنتج أو الإضافة الكافية التي سأجنيها من امتلاكه؟ هل كنت أفكر فيه قبل أن أراه خلال التصفح؟ هل أشتريه لأنني بحاجة إليه فعلا أم لأنني متوتر أو أشعر بالملل؟ هل يناسب ميزانيتي بعد احتساب التزاماتي الأساسية؟
ومن المهم هنا التمييز بين الرغبة والحاجة. فالحاجة ترتبط بغرض واضح في الحياة اليومية، أما الرغبة فغالبًا ما تتعلق بما نود امتلاكه أو بما نتوقع أن يمنحنا شعورًا أفضل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك