العدد : ١٧٧١٨ - السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٨ - السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

الصراع في الخليج «مضيق هرمز».. فرض نظام إقليمي جديد3-

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

بعد‭ ‬مرور‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬واستنادًا‭ ‬إلى‭ ‬معطيات‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية،‭ ‬وتقارير‭ ‬موثقة،‭ ‬وإلى‭ ‬تحليلاتنا‭ ‬في‭ ‬المقالات‭ ‬السابقة،‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل‭ ‬صورة‭ ‬للحرب‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬أهدافها‭ ‬التكتيكية‭ ‬والاستراتيجية،‭ ‬التي‭ ‬تصب‭ ‬مجتمعة‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬تشكيل‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‮»‬‭ ‬كخطوة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬تغيير‭ ‬وجه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وتحت‭ ‬مظلة‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يشترك‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ (‬مضيق‭ ‬هرمز‭) ‬مع‭ ‬الصراعات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ (‬من‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وفلسطين‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬يُعد‭ ‬امتدادا‭ ‬مباشرا‭ ‬لحرب‭ ‬غزة،‭ ‬وتنفيذا‭ ‬عمليا‭ ‬لتصريحات‭ ‬نتنياهو،‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬فقط‭ (‬9‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭) ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬حماس،‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولين‭ ‬إسرائيليين‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬أطلب‭ ‬منكم‭ ‬الصمود‭ ‬لأننا‭ ‬سنغير‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭. (‬October‭ ‬7‭, ‬2023‭: ‬The‭ ‬day‭ ‬the‭ ‬middle‭ ‬east‭ ‬map‭ ‬was‭ ‬blown‭ ‬apart‭).‬

في‭ ‬حينه‭ ‬لم‭ ‬يركّز‭ ‬الإعلام‭ (‬متعمدًا‭) ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التصريح،‭ ‬وبدا‭ ‬للبعض‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيه‭ ‬ومُستَبعَدًا؛‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬تحفيزي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إعلانًا‭ ‬لاستراتيجية‭. ‬

في‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬بدأ‭ ‬نتنياهو‭ ‬باستغلال‭ ‬أحداث‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬كذريعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للبدء‭ ‬بالعمليات‭ ‬الجراحية‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‭ ‬لتحقيق‭ ‬المشروع،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التحليلات‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬استخدم‭ ‬هجوم‭ ‬حماس‭ ‬‮«‬لتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬لمشاريع‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬جديدة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬ثم‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬ولبنان،‭ ‬وسوريا،‭ ‬والعراق،‭ ‬واليمن،‭ ‬وإيران»؛‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نهاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭). ‬

أما‭ ‬الخطوة‭ ‬الثانية‭ ‬فإنها‭ ‬تتسارع‭ ‬أمامنا‭ ‬بعملية‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬المُدارة‮»‬‭ ‬لصراعات‭ ‬متفرقة،‭ ‬تلتقي‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬وإعادة‭ ‬تركيب‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وصعود‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬الدولة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‮»‬‭.‬

تشمل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬نفوذها‭ ‬وقدراتها‭ ‬التهديدية،‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬بدءًا‭ ‬بإسقاط‭ ‬حليف‭ ‬إيران‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ (‬نظام‭ ‬الأسد‭).‬

ويمكن‭ ‬إيجاز‭ ‬الخطوة‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬نقل‭ ‬المعركة‭ ‬إلى‭ ‬الخليج،‭ ‬بتوجيه‭ ‬ضربات‭ ‬أمريكية‭ ‬وإسرائيلية‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬واجهتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬بضرب‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬لعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الدولتين‭.. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬رغبة‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع‭ ‬بتوسيع‭ ‬رقعته،‭ ‬بعد‭ ‬رفض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مجتمعة‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬الحرب‭.‬

الرؤية‭ ‬الكبرى‭.. ‬‮«‬خريطة‭ ‬الفرص‮»‬‭ ‬الجديدة

إذن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والمشرق‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬‮«‬مضيق‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أدق‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬جديدة‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتغيير‭ ‬وجه‭ ‬المنطقة،‭ ‬لخلق‭ ‬خريطة‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وخريطة‭ ‬تهديدات‭ ‬ومخاطر‭ ‬لباقي‭ ‬دولها‭ (‬‮«‬خريطة‭ ‬الفرص‮»‬‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬تهديدات‭.. ‬حروب‭ ‬نتنياهو‭ ‬لم‭ ‬توفر‭ ‬الأمان‭ ‬لإسرائيل‭ | ‬القاهرة‭ ‬الإخبارية‭).‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬في‭ ‬مضيقي‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬حربًا‭ ‬أمريكية‭-‬إيرانية‮»‬‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬أحداث‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الحلقة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬حين‭ ‬قرر‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يغير‭ ‬وجه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬بُعد‭ ‬آخر،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬المنطقة‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬تهيئة‭ ‬ممنهجة‭ ‬ومتراكمة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية،‭ ‬وأن‭ ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أدوات‭ ‬هذا‭ ‬المخطط،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬صانعه‭ ‬الوحيد‭. ‬

إيران‭.. ‬‮«‬الشبكة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‮»‬‭ ‬كأداة‭ ‬استراتيجية

لم‭ ‬يكن‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬ودعم‭ ‬مليشيات،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ (‬Transnational‭ ‬Network‭)‬،‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأساسية‭ ‬فرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬وردع‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬خارجي‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ (‬جامعة‭ ‬جونز‭ ‬هوبكنز‭ ‬2024‭: ‬‮«‬Die‭ ‬Like‭ ‬Chamran‭: ‬Iran‭ ‬and‭ ‬the‭ ‬Art‭ ‬of‭ ‬Proxy‭ ‬Warfare‮»‬‭)‬،‭ ‬وليس‭ ‬مهاجمة‭ ‬إسرائيل‭. ‬هذه‭ ‬الشبكة،‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬مليشيات‭ ‬حماس‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬والحوثيين‭ ‬والحشد‭ ‬الشعبي،‭ ‬والفاطميين،‭ ‬والزينبيين،‭ ‬وغيرها،‭ ‬تُستخدم‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط‭ ‬متعددة‭ ‬الجبهات‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬كبرى‭. ‬إيران‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأذرع‭ ‬لإدراكها‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬أمريكا‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل‭ ‬تقليديًّا،‭ ‬فاختارت‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬الوكلاء‭.‬

لكن،‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬صانعة‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة،‭ ‬أم‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬خلقه‭ ‬آخرون؟

-1‭  ‬إسرائيل‭.. ‬‮«‬الصانع‭ ‬الخفي‮»‬‭ ‬للمليشيات

الحقيقة‭ ‬الموثقة‭ ‬أن‭ ‬حماس‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مشروعًا‭ ‬إيرانيًّا‭ ‬في‭ ‬الأصل؛‭ ‬وأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬دعمت‭ ‬نشوء‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬كـ«ثقل‭ ‬موازن‮»‬‭ ‬لمنظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬العلمانية؛‭ ‬وأن‭ ‬الحاكم‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬الجنرال‭ ‬يتسحاق‭ ‬سيفيغ،‭ ‬أقر‭ ‬شخصيًّا‭ ‬بأنه‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الحركة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ضد‭ ‬اليسار‭ ‬الفلسطيني‭.‬

-2‭ ‬العراق‭.. ‬فرض‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الطائفي‮»‬‭ ‬كأداة‭ ‬تفكيك

في‭ ‬العراق،‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال‭ (‬2003‭)‬،‭ ‬تم‭ ‬فرض‭ ‬نظام‭ ‬عرقي‭ ‬طائفي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬نظامه‭ ‬العلماني‭ ‬القومي،‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬الطائفية‭ ‬المنظمة،‭ ‬وجرى‭ ‬تفكيك‭ ‬الجيش‭ ‬وبنية‭ ‬الدولة،‭ ‬وفرض‭ ‬نظام‭ ‬المحاصصة‭ ‬الطائفية‭ ‬الذي‭ ‬وزع‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المذاهب‭ ‬والقوميات‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خطًّا‭ ‬عفويًّا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬خيارًا‭ (‬أمريكيًّا‭) ‬سياسيًّا‭ ‬أتاح‭ ‬لإيران‭ ‬النفوذ‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عبر‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمليشيات‭ ‬المذهبية‭ ‬التي‭ ‬صعدت‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬برعاية‭ ‬إيرانية‭ ‬لتتحول‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الأمريكي‭.‬

-3‭  ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭.. ‬

تسريع‭ ‬الفوضى

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬‮«‬ربيعًا‮»‬‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬أداة‭ ‬لتسريع‭ ‬عملية‭ ‬تفكيك‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬العربية‭. ‬ففي‭ ‬سوريا،‭ ‬تحولت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وسمحت‭ ‬لإيران‭ ‬بتعميق‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬لدعم‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭. ‬وفي‭ ‬اليمن،‭ ‬تحول‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬بالوكالة‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وإيران‭ ‬عبر‭ ‬وكلائها‭. ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬أضعفت‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬وفتحت‭ ‬المجال‭ ‬لتدخلات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

-4‭  ‬عملية‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭..  ‬نقطة‭ ‬التحول

أما‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ (‬طوفان‭ ‬الأقصى‭) ‬فيُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كزلزال‭ ‬عسكري‭ ‬واستراتيجي‭ ‬غيّر‭ ‬وجه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وبداية‭ ‬لحرب‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مفتوحة‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن‭ ‬وإيران‭... ‬واليوم،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬أصبحت‭ ‬الخسائر‭ ‬واضحة‭.‬

بالمحصلة‭.. ‬من‭ ‬يُدير‭ ‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬مُهِّد‭ ‬له‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية،‭ ‬لكن‭ ‬الفاعلين‭ ‬متعددون؛‭ ‬وما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مخططًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬تداخل‭ ‬مخططات‭ ‬متضاربة؛‭ ‬1‭- ‬مخطط‭ ‬أمريكي‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المنطقة‭ ‬وفق‭ ‬مصالحها‭. ‬2‭- ‬مخطط‭ ‬إسرائيلي‭ ‬لتثبيت‭ ‬تفوقها‭. ‬3‭- ‬مخطط‭ ‬إيراني‭ ‬لضمان‭ ‬بقاء‭ ‬نظامها‭ ‬ونفوذها‭. ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬هدفًا‭ ‬للمخطط‭ ‬الذي‭ ‬استفادت‭ ‬منه‭.‬

والمشهد‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الفوضى‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬المُدارة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تلعبها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬حصاد‭ ‬هذه‭ ‬المخططات‭ ‬المتداخلة؛‭ ‬حيث‭ ‬دول‭ ‬وطنية‭ ‬مُفككة،‭ ‬وشبكات‭ ‬مليشيات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬وحرب‭ ‬بالوكالة‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭.‬

تغيير‭ ‬جيوسياسي‭ ‬

بآليات‭ ‬جديدة

بقراءة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للأحداث‭ ‬المتسلسلة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬2003‭ (‬احتلال‭ ‬العراق‭) ‬حتى‭ ‬2025‭ (‬سقوط‭ ‬الأسد‭) ‬يعد‭ ‬مراحل‭ ‬متكاملة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬ذاتها،‭ ‬وآليات‭ ‬هيمنة‭ ‬جديدة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬لوجستيات‭ ‬مخططات‭ ‬الاستعمار‭ ‬القديم‭.‬

لوجستيات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الجديدة لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬والاستيطان‭ ‬الأجنبي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالهندسة‭ ‬السياسية،‭ ‬وهي‭: ‬1‭- ‬خلق‭ ‬الفوضى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬بالوكالة‮»‬‭ ‬وبأدوات‭ ‬مثل‭ ‬الإرهاب‭ ‬والطائفية؛‭ ‬بهدف‭ ‬إضعاف‭ ‬وتفكيك‭ ‬الدول‭ ‬الوطنية‭ ‬المركزية‭ ‬القوية‭ ‬وجيوشها‭. ‬2‭- ‬استئناس‭ ‬الوكلاء،‭ ‬بتحويل‭ ‬الحركات‭ ‬المتطرفة‭ ‬من‭ ‬أعداء‭ ‬يُقاتلون‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬يمكن‭ ‬التفاوض‭ ‬معها‭ ‬أو‭ ‬دمجها‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ (‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طالبان‭ ‬أو‭ ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬الشام،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الحوثي‭ ‬حاليًا‭) ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭. ‬3‭- ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬خرائط‭ ‬النفوذ،‭ ‬إذ‭ ‬الهدف‭ ‬النهائي‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬ترسيم‭ ‬الحدود‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬التحالفات‭ ‬الجديدة‭ ‬وخريطة‭ ‬الفرص‭ ‬والتهديدات،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬النفوذ‭ ‬التركي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتآكل‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ (‬أمريكا‭: ‬انهيار‭ ‬الهيمنة‭ ‬الناعمة‭: ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الأحداث‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الفوضى‭).‬

إنَّ‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬احتلال‭ ‬مباشر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الفوضى‮»‬‭ ‬هو‭ ‬التطور‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬الهيمنة‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬والنظريات‭ ‬والمعايير‭ ‬القديمة‭ ‬لفهم‭ ‬ديناميكية‭ ‬التحولات‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬‮«‬الجديدة»؛‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ميادين‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬المباشر‭ ‬وغير‭ ‬المباشر،‭ ‬والتي‭ ‬حيّدت‭ ‬دور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنظماتها‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬لحماية‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وفرض‭ ‬العدالة‭.‬

وهذا‭ ‬التحول‭ ‬البنيوي‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يوصف‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬حديثة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بأنه‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‭ ‬المباشرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الهيمنة‭ ‬المفككة‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬السيطرة‭ ‬تُفرض‭ ‬بالاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬المُكلِف،‭ ‬بل‭ ‬بإدارة‭ ‬الفوضى‭ ‬وتوجيهها‭... ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيكون‭ ‬محور‭ ‬مقالات‭ ‬قادمة‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا