كتبت: ياسمين العقيدات
في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وتحديات متسارعة، تبرز أهمية التعاون البحريني السعودي كأحد النماذج التي تعكس تماسك الموقف الخليجي وقدرة البلدين على التعامل مع مختلف الظروف والتحديات، من خلال التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي وتوحيد المواقف تجاه القضايا الإقليمية.
وبمناسبة اليوم الوطني السعودي، أكد عدد من السياسيين والمحللين أن ما يجمع البحرين والسعودية من تاريخ ومصالح ومصير مشترك انعكس بصورة واضحة في مواقف البلدين خلال الأزمات، مشيرين إلى أن التعاون بينهما لم يكن مرتبطاً بظروف طارئة، بل قام على أسس راسخة عززت من قدرتهما على مواجهة تداعيات الأزمات واحتوائها، ودعم أمن واستقرار المنطقة.
وأكد الدكتور محمد الشهري، كاتب ومحلل سياسي في المملكة العربية السعودية، أن المملكتين تستشعران أهمية المبادرة في معالجة الأزمات السياسية التي تمر بها المنطقة، وتسعيان في الوقت ذاته إلى أن تكون هذه المبادرة وفق رؤية حكيمة وثاقبة، مشيراً إلى أن أهمية التنسيق بين البلدين تنبع من الحاجة إلى سرعة التعامل مع الأزمات وتعزيز الجهود الرامية إلى حل النزاعات سلمياً.
وبيّن أن التنسيق بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين يؤدي دوراً محورياً في توحيد المواقف السياسية تجاه الأزمات الإقليمية والدولية، وينطلق هذا التنسيق من مظلة مجلس التنسيق السعودي البحريني ولجانه المتخصصة، ولا سيما لجنة التنسيق السياسي، ليمثل صمام أمان يضمن حماية المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار.
وأشار إلى أن مجلس التنسيق السعودي البحريني، في إطار العلاقات الأخوية الراسخة بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، يعكس عمق الالتزام المشترك والتوافق التاريخي بين البلدين وشعبيهما الشقيقين، مؤكدا أهمية المجلس بوصفه منصة فعالة لدفع العلاقات المشتركة نحو مزيد من التقدم واستثمار الإمكانات المتاحة بين البلدين.
وشدد على أهمية مواصلة تعزيز التعاون والتشاور بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والدفع بجهودهما السياسية على المستويين الثنائي والدولي نحو آفاق أوسع تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار وازدهار المنطقة.
أكد النائب حسن بوخماس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني في مجلس النواب، أن مستوى التعاون البحريني السعودي في التصدي للأزمات والتحديات التي تشهدها المنطقة يمثل نموذجاً استثنائياً وفريداً في العلاقات الدولية، مشيراً إلى أنه لم يعد مجرد تعاون دبلوماسي، بل أصبح منظومة أمن قومي واحدة.
وقال: إن العلاقات البحرينية السعودية علاقات تاريخية عريقة ووثيقة ضاربة في جذور التاريخ، وتتجسد اليوم في أعلى مستوياتها كشراكة مصير مشترك، موضحاً أنه في كل أزمة مرت بالمنطقة، من الإرهاب إلى التدخلات الإيرانية إلى أزمات الطاقة والأمن البحري، كانت الرياض والمنامة في خندق واحد.
وأوضح بوخماس أن أهمية التنسيق البحريني السعودي في التعامل مع الأزمات الإقليمية عند وقوعها تكمن في عامل السرعة والحسم، مبيناً أنه عندما يكون هناك تنسيق مسبق على أعلى المستويات، فإن زمن الاستجابة للأزمة يختصر من أسابيع إلى ساعات، وأن التنسيق البحريني السعودي هو صمام الأمان للخليج العربي والمنطقة.
وأضاف أن المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، ومملكة البحرين بموقعها الاستراتيجي وخبرتها الدبلوماسية، تشكلان ثنائياً قادراً على احتواء أي أزمة فور اندلاعها، مشيراً إلى أن ذلك ظهر في أزمة اليمن، وفي التصدي للقرصنة، وفي حماية الملاحة في الخليج العربي.
وأشار إلى أن التعاون بين البحرين والسعودية أسهم بشكل حاسم ومباشر في تعزيز القدرة على احتواء تداعيات الأزمات التي تمر بها المنطقة، موضحاً أن قوة البحرين والسعودية معاً تكمن في تكامل الأدوار، وأن السعودية تقود الجهود الدبلوماسية والاقتصادية العالمية لاحتواء الأزمة، والبحرين تساند وتدعم وتكون حاضنة للحلول.
وقال: إنه على سبيل المثال، في الأزمات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسواق النفط، كان التنسيق السعودي البحريني عاملاً أساسياً في استقرار السوق وحماية اقتصاديات الخليج، وفي الأزمات الأمنية، فإن التكامل العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين الشقيقين أسهم في إفشال عشرات المخططات الإرهابية التي كانت تستهدف زعزعة الأمن الداخلي.
وبين أن التنسيق السياسي بين البلدين الشقيقين أدى إلى خلق كتلة صلبة ومتماسكة داخل مجلس التعاون، وفي جامعة الدول العربية، وفي منظمة التعاون الإسلامي، وفي الأمم المتحدة، مشيراً إلى أنه عندما تتحدث الرياض والمنامة بصوت واحد تجاه القضية الفلسطينية، أو الأزمة اليمنية، أو الملف النووي الإيراني، فإن العالم كله ينصت.
وأوضح أن توحيد المواقف يمنع محاولات الاستفراد بكل دولة على حدة، ويجعل من المستحيل تمرير أي حلول لا تراعي مصالحنا الخليجية العليا، مؤكداً أن هذا التنسيق يرتقي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.
وفيما يتعلق بدور التعاون البحريني السعودي في دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر وتسوية الأزمات، أكد بوخماس أن التعاون البحريني السعودي هو الركيزة الأساسية لأي دبلوماسية تهدف إلى خفض التوتر، مشيراً إلى أن المملكة العربية السعودية اليوم أصبحت وسيطاً دولياً موثوقاً وصانع سلام من أوكرانيا إلى السودان، وأن مملكة البحرين، بدبلوماسيتها الحكيمة ونهجها القائم على الحوار والتسامح، هي خير سند لهذا الدور.
وقال: إن الدبلوماسية السعودية عندما تتحرك لخفض التوتر، فإنها تتحرك وهي مطمئنة بأن ظهرها مسنود بموقف بحريني ثابت وداعم، وهذا يضاعف من فرص نجاحها، لافتاً إلى أن البلدين يملكان علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ما يجعلهما قادرين على فتح قنوات اتصال مع جميع الفرقاء، وتقريب وجهات النظر، والدفع نحو الحلول السلمية التي تحفظ سيادة الدول وتمنع التدخلات الخارجية.
وفيما يتعلق بتعزيز آليات التعاون البحريني السعودي للتعامل مع تطور طبيعة الأزمات والتهديدات في المنطقة مستقبلاً، أوضح بوخماس أن طبيعة التهديدات تغيرت، ولم تعد صواريخ ودبابات فقط، بل أصبحت هجمات سيبرانية، وحروبا إعلامية، وتهديدات للذكاء الاصطناعي، وأمنا غذائيا ومائيا.
واقترح تطوير آليات التعاون لتشمل أولاً: إنشاء مركز خليجي مشترك للأمن السيبراني مقره بين البحرين والسعودية، وثانياً: تعزيز التنسيق الإعلامي المشترك لمواجهة الشائعات والحملات الممنهجة التي تستهدف علاقاتنا، وثالثاً: تفعيل أكبر للدبلوماسية البرلمانية، مشيداً بالتنسيق البرلماني المتواصل والمتميز بين مجلس النواب البحريني ومجلس الشورى السعودي، الذي أصبح نموذجاً يحتذى به، حيث يتم توحيد المواقف في المحافل البرلمانية الدولية والدفاع عن قضايا أمتنا بصوت واحد، ورابعاً: توسيع مجلس التنسيق ليشمل لجاناً دائمة للشباب والمرأة والتكنولوجيا، لأن المستقبل هو للشباب.
وعلى ذات الصعيد، أكد عبدالله الجنيد، الكاتب والمحلل السياسي، أن التاريخ المشترك بين البحرين والسعودية يؤكد وحدة المصير، مشيراً إلى أن دخول قوات درع الجزيرة إلى مملكة البحرين عام 2011، بطلب من السلطة الوطنية والشرعية ممثلة بمقام حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وفي إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي، يعد من أبلغ الدلالات على الالتزام بأمن البحرين واستقرارها.
وأوضح أن مستوى التكافل الأمني الخليجي، والتعاون البحريني السعودي خصوصاً، تجلى كذلك في مواجهة الاعتداءات والهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربية ومنشآتها الحيوية ومصالحها الاستراتيجية، مؤكداً أن تلك التحديات أكدت أن أمن دول مجلس التعاون مترابط، وأن أي تهديد يطال دولة خليجية ينعكس على أمن المنطقة بأكملها، وجاء الرد واضحاً.
وبين أن التعاون البحريني السعودي، بمناسبة اليوم الوطني السعودي، يمكن قراءته باعتباره شراكة استراتيجية تتجاوز التنسيق الظرفي، ويدعمها مجلس التنسيق البحريني السعودي بوصفه إطاراً مؤسسياً لتعزيز التعاون وتوحيد الأولويات، مشيراً إلى أن المجلس يسهم في دفع العلاقات نحو مجالات أكثر شمولاً، عبر بحث الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتطوير آليات التعامل مع الأزمات والتحديات الإقليمية.
وأشار إلى أن هذا التعاون عزز قدرة البلدين على احتواء تداعيات الأزمات حتى قبل قيام مجلس التعاون، من خلال تكامل الجهود الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية، لافتاً إلى أن التقارب البحريني السعودي يمنح المواقف الخليجية ثقلاً أكبر في المحافل الدولية، ويدعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
وأكد أن التعاون لا يقتصر على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، بل يشمل تطوير آليات عمل مشترك على المستويات كافة، مثل الإنذار المبكر، وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد والطاقة، وتوسيع التدريبات المشتركة ومحاربة الإرهاب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك