العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

الصراع على مضيق هرمز.. الأهداف التكتيكية والاستراتيجية 2-

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

سأحاول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬إجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬مرتبط‭ ‬بنتائج‭ ‬ما‭ ‬توصّلتُ‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مقالي‭ ‬السابق‭ (‬https‭://‬t‭.‬co‭/‬N2QapNBJEX‭) ‬حول‭ ‬استشراف‭ ‬الأهداف‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬للصراع‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬في‭ ‬حال‭ ‬انسحاب‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬المضيق‭ ‬وموافقتها‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬واشنطن،‭ ‬هل‭ ‬ستنقلب‭ ‬اللعبة،‭ ‬وهل‭ ‬ستخسر‭ ‬الأخيرة‭ ‬أهدافها‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ (‬اللعبة‭)‬؟‭!‬

للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يجب‭ ‬البدء‭ ‬بتفكيك‭ ‬وتحليل‭ ‬فرضية‭ ‬انسحاب‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬المضيق‭ ‬وخسارة‭ ‬أمريكا‭ ‬أهدافها‭! ‬لسبب‭ ‬رئيسي،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أهداف‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬ليست‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬سلسلة‭ ‬متداخلة‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬التكتيكية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬

هل‭ ‬الهدف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬فقط؟

‭ ‬تؤكد‭ ‬التطورات‭ ‬الفعلية‭ ‬لهذا‭ ‬الصراع‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انسحبت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ووافقت‭ ‬على‭ ‬الشروط‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فإن‭ ‬اللعبة‭ ‬لن‭ ‬‮«‬تنقلب‮»‬‭ ‬بالكامل؛‭ ‬لأن‭ ‬أولا‭: ‬أهداف‭ ‬أمريكا‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬فتح‭ ‬المضيق،‭ ‬إذ‭ ‬وفقا‭ ‬لمصادر‭ ‬متعددة،‭ ‬تطالب‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬اتفاقها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بفتح‭ ‬المضيق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬مدة‭ ‬60‭ ‬يوما،‮ ‬وحل‭ ‬كامل‭ ‬للملف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‮ ‬‭(‬وقف‭ ‬التخصيب،‭ ‬وإخضاع‭ ‬المنشآت‭ ‬لرقابة‭ ‬دولية‭ ‬كاملة‭)‬،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬وقف‭ ‬مؤقت‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭. ‬وإذا‭ ‬قبلت‭ ‬إيران‭ ‬بذلك‭ ‬فسيكون‭ ‬انتصارًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬لأمريكا‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مرور‭ ‬الناقلات‭ (‬Q&A‭ ‬on‭ ‬US‭-‬Iran‭ ‬MoU‭: ‬Significance‭, ‬key‭ ‬points‭ ‬and‭ ‬its‭ ‬fragility‭ - ‬CGTN‭).‬

ثانيا‭: ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الاتفاق‭ (‬إن‭ ‬تَم‭)‬،‭ ‬تشير‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬ستواصل‭ ‬فرض‭ ‬عقوباتها‭ ‬لكن‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي،‭ ‬ولن‭ ‬يتم‭ ‬رفعها‭ ‬بالكامل‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ستظل‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬اقتصادي‭ ‬هش،‭ ‬وتحت‭ ‬تأثير‭ ‬الإرادة‭ ‬الأمريكية‭.‬

وثالثا‭: ‬النظرية‭ ‬التحليلية‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬العميق‭ ‬لأمريكا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬يتجاوز‭ ‬المضيق،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬القوى‭ ‬لتشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ (‬إيرانية‭ ‬أو‭ ‬عربية‭) ‬على‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬مستقبلا،‭ ‬تتطلب‭ ‬إضعافًا‭ ‬دائمًا‭ ‬للقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬تراجع‭ ‬مؤقت‭ ‬عنها‭ (‬Four‭ ‬takeaways‭ ‬from‭ ‬Rubio‭: ‬U‭.‬S‭. ‬shifts‭ ‬from‭ ‬Iran‭ ‬war‭ ‬phase‭ ‬to‭ ‬Hormuz‭ ‬transit‭-‬Xinhua‭).‬

إذن‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬ليس‭ ‬بسيطا؛‭ ‬أي‭ ‬إذا‭ ‬وافقت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬الكامل‭ ‬فستجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬حقائق‭ ‬مؤلمة،‭ ‬أهمها‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالضغط‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬إذ‭ ‬المؤشرات‭ ‬تُقدّر‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬انكمش‭ ‬بمقدار‭ ‬25‭%‬‭-‬35‭%‬‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬تجارته‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب،‭ ‬وأن‭ ‬توقعاتها‭ ‬بأن‭ ‬تتحمل‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬نهايتها‭... ‬وأن‭ ‬الضغط‭ ‬الأمريكي‭ (‬بحصار‭ ‬بحري‭ ‬يمنع‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬تماما‭) ‬نجح‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬إجبارها‭ ‬على‭ ‬الجلوس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

والحقيقة‭ ‬الأخرى‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬استنزاف‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الضغط‭ ‬المزدوج‮»‬؛‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المشددة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة‭ (‬وليس‭ ‬حربًا‭ ‬شاملة‭)‬؛‭ ‬بهدف‭ ‬دفع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬ضعف،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬انسحاب‮»‬‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬نهاية‭ ‬القصة،‭ ‬بل‭ ‬سيكون‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬تفاوضية‭ ‬جديدة‭ ‬تُحدد‭ ‬فيها‭ ‬أمريكا‭ ‬شروطها‭ ‬بقوة‭ ‬أكبر‭.‬

هل‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬هو‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الانسحاب‮»‬‭ ‬أم‭ ‬عن‭ ‬‮«‬السيطرة»؟

مما‭ ‬يزيد‭ ‬تعقيد‭ ‬الصورة‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬تجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬المطالبة‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬المضيق،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أمريكا‭ ‬تطالب‭ ‬إيران‭ ‬بالانسحاب،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬بحسب‭ ‬إعلان‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬أزالت‭ ‬جميع‭ ‬الألغام‮»‬‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وأنها‭ ‬ترافق‭ ‬الناقلات‭ ‬بعمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬‮«‬دفاعية»؛‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬تسعى‭ ‬لاستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الممر‭ ‬المائي‭ ‬بقوتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وليس‭ ‬عبر‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إيران؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ورقة‭ ‬بيد‭ ‬إيران‭ ‬يمكنها‭ ‬التخلي‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬السيادة‭ (‬War‭-‬risk‭ ‬insurance‭ ‬rates‭ ‬for‭ ‬Strait‭ ‬of‭ ‬Hormuz‭ ‬vessels‭ ‬rise‭ ‬amid‭ ‬renewed‭ ‬tensions‭ - ‬People‭'‬s‭ ‬Daily‭ ‬Online‭).‬

الأمر‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2026،‭ ‬فإن‭ ‬القتال‭ ‬عاد‭ ‬مجددًا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أغسطس‭ ‬وسبتمبر‭. ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬‮«‬نهائية‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنهار‭ ‬بسرعة‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬الجانبين،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬تعلنه‭ ‬إيران‭ ‬بإصرارها‭ ‬على‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭.‬

ماذا‭ ‬بعد‭ ‬فتح‭ ‬المضيق؟

أخيرًا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نوجز‭ ‬إجابتنا‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬افترضنا‭ ‬جدلا‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬انسحبت‭ ‬تمامًا‭ ‬من‭ ‬المضيق‭ ‬وقبلت‭ ‬جميع‭ ‬الشروط‭ ‬الأمريكية‭ ‬فورًا،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬اللعبة‮»‬‭ ‬لن‭ ‬تنقلب‭ ‬بالكامل‭ ‬لصالح‭ ‬إيران‭ ‬ولا‭ ‬لصالح‭ ‬أمريكا،‭ ‬بل‭ ‬ستدخل‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬جديد‭ ‬متمثل‭ ‬في‭ ‬الآتي‭:‬

أولا‭: ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬خسرت‭ ‬معظم‭ ‬أوراق‭ ‬ضغطها،‭ ‬وأمريكا‭ ‬قد‭ ‬حققت‭ ‬أول‭ ‬أهدافها‭ ‬التكتيكية‭ (‬فتح‭ ‬المضيق‭) ‬وبإمكانها‭ ‬الآن‭ ‬الضغط‭ ‬لإنجاز‭ ‬أهدافها‭ ‬الاستراتيجية‭ (‬النووية،‭ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭)‬،‭ ‬ستبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬التفاوض‭ ‬الإجباري‭.‬

وثانيًا‭: ‬حين‭ ‬تنتهي‭ ‬مرحلة‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬المضيق،‭ ‬وتظهر‭ ‬ورقة النظام‭ ‬الأمني‭ ‬الإقليمي‭ (‬المرسوم‭ ‬مسبقًا‭)‬‮ ‬إلى‭ ‬العلن،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يُحسم‭ ‬بانسحاب‭ ‬طرف‭ ‬من‭ ‬ممر‭ ‬مائي،‭ ‬بل‭ ‬بانهيار‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬فإن‭ ‬اللعبة‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تغيير‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭. ‬

إذن‭ ‬الإجابة‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬انسحاب‭ ‬إيران‮»‬‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬أمريكا‭ (‬بشروطها‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬امتناع‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬الانسحاب‭ ‬رغم‭ ‬الضغوطات‭ ‬المتصاعدة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬محاولة‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬بيدها‭ ‬كضمانة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تنازلات‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تفاوض‭ ‬مستقبلي‭... ‬والسؤال‭ ‬هنا،‭ ‬هل‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬يحقق‭ ‬لها‭ ‬هدف‭ ‬ورقة‭ ‬الضمان‭ ‬التفاوضي؟

في‭ ‬جواب‭ ‬موجز‭ ‬يمكن‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬حاليًّا‭ ‬ترف‭ ‬‮«‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬تفاوضية‭ ‬بيدها»؛‭ ‬وأن‭ ‬ورقة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬ورقة‭ ‬تفاوضية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬سند‭ ‬رهان‭ ‬باهظ‭ ‬الثمن،‭ ‬تشبثت‭ ‬به‭ ‬إيران‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬قيمته‭ ‬الفعلية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الصفر‭. ‬والفرق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الورقة‮»‬‭ ‬و«السند‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المساومة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الخسارة،‭ ‬لأن‭ ‬البيانات‭ ‬المتاحة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُنتج‭ ‬أي‭ ‬عائد‭ ‬يُذكر‭.‬

صادرات‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية

‭ ‬والورقة‭ ‬التفاوضية

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية،‭ ‬تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬انهارت‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬7‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يوميًّا‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬260‭-‬220‭ ‬ألف‭ ‬برميل‭ ‬يوميًّا‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬انخفاض‭ ‬بنسبة‭ ‬80‭%‬-100‭%‬‭ ‬بحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬منصات‭ ‬تتبع‭ ‬الناقلات‭... ‬وتقديرات‭ ‬متعددة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التدفقات‭ ‬النفطية‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬بلغت‭ ‬الصفر،‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬يوليو‭ ‬2026،‭ ‬بعد‭ ‬إعادة‭ ‬فرض‭ ‬الحصار‭ (‬Iran‭'‬s‭ ‬oil‭ ‬exports‭ ‬through‭ ‬the‭ ‬Strait‭ ‬of‭ ‬Hormuz‭ ‬have‭ ‬virtually‭ ‬come‭ ‬to‭ ‬a‭ ‬standstill‭.).‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تصدّر‭ ‬شيئًا‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬الذي‭ ‬تتمسك‭ ‬به،‭ ‬والورقة‭ ‬التي‭ ‬تحتفظ‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬ورقة‭ ‬لمنع‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬المرور،‭ ‬وليس‭ ‬ورقة‭ ‬لضمان‭ ‬مرورها‭ ‬هي‭. ‬وهذا‭ ‬نوع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا‭ ‬من‭ ‬الأوراق،‭ ‬وأكثر‭ ‬كلفة‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭). ‬

بهذا‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬إيران‭ ‬هدفها‭ ‬من‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬المضيق؛‭ ‬لأن‭ ‬الورقة‭ ‬لا‭ ‬تُنتج‭ ‬عائدًا‭ ‬تفاوضيًّا،‭ ‬بل‭ ‬تُنتج‭ ‬خسائر‭ ‬متسارعة،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬فترة‭ ‬أطول‭ ‬مما‭ ‬توقعه‭ ‬كثيرون،‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬شعبه؛‭ ‬وبالبعد‭ ‬الآخر‭ ‬كلما‭ ‬طال‭ ‬تمسك‭ ‬إيران‭ ‬بمطالبها‭ ‬زادت‭ ‬الكلفة‭ ‬عليها،‭ ‬وقلّ‭ ‬ما‭ ‬يمكنها‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭.‬

هندسة‭ ‬الصراع‭ ‬حول

‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬

إذن،‭ ‬سنحاول‭ ‬هنا‭ ‬وضع‭ ‬رؤية‭ ‬أكثر‭ ‬فهمًا‭ ‬وعمقًا‭ ‬للصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬كمنظومة‭ ‬متكاملة،‭ ‬وليس‭ ‬كأحداث‭ ‬منعزلة،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوافرة،‭ ‬حول‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تنفيذها‭ ‬عبر‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

الهدف‭ ‬الأول‭: ‬فرض‭ ‬تكاليف‭ ‬باهظة‭ ‬على‭ ‬الصين؛‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الأهداف‭ ‬الجوهرية‭ ‬للصراع،‭ ‬وقد‭ ‬تحقق‭ ‬فعلا‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬واجهت‭ ‬الصين،‭ ‬كأكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للنفط‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمة،‭ ‬بدءًا‭ ‬بارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬الشحنات‭ ‬بشكل‭ ‬جنوني‭ (‬أقساط‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرب‭)‬،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬مع‭ ‬تحويل‭ ‬مسارات‭ ‬الناقلات‭ ‬إلى‭ ‬طرق‭ ‬أطول،‭ ‬ما‭ ‬أثّر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬ودفع‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬وارداتها‭ ‬النفطية‭ ‬بنحو‭ ‬20‭%‬‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجين‭ ‬والمستهلكين‭ ‬داخليًّا‭ (‬Iran‭-‬US‭ ‬tensions‭ ‬impose‭ ‬rising‭ ‬economic‭ ‬costs‭ ‬on‭ ‬China‭: ‬Report‭ - ‬www‭.‬lokmattimes‭.‬com‭).‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬كورقة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الصين،‭ ‬ورفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬عليها‭ ‬كأكبر‭ ‬منافس‭ ‬تكنولوجي‭ ‬وصناعي،‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬للهيمنة‭ ‬على‭ ‬قطاعات‭ ‬المستقبل‭ ‬مثل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ (‬Iran‭-‬US‭ ‬tensions‭ ‬impose‭ ‬rising‭ ‬economic‭ ‬costs‭ ‬on‭ ‬China‭: ‬Report‭ - ‬www‭.‬lokmattimes‭.‬com‭).‬

الهدف‭ ‬الثاني‭: ‬فرض‭ ‬السيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬المضيق،‭ ‬وهذا‭ ‬الهدف‭ ‬بدأ‭ ‬يتحقق‭ ‬فعلا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وبات‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬بإعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬الحرية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المضيق،‭ ‬وتأمين‭ ‬مرور‭ ‬السفن‭ ‬التجارية،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬تؤكد‭ ‬سعيها‭ ‬لتثبيت‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬وسيطرتها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الحيوي‭.‬

ولهذا‭ ‬يعتبر‭ ‬بعض‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬قد‭ ‬يُفهم‭ ‬كاعتراف‭ ‬بنفوذ‭ ‬إيراني‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬ترفضه‭ ‬واشنطن،‭ ‬ما‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬بقوتها‭ ‬العسكرية‭.‬

الهدف‭ ‬الثالث‭: ‬رسم‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الأبعد‭ ‬مدى،‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬ومَن‭ ‬سيأتي‭ ‬بعده،‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬وتنفيذ‭ ‬استراتيجيته‭ ‬الشاملة‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬تشكيل تحالف‭ ‬أمني‭ ‬إقليمي‭ ‬بقيادة‭ ‬أمريكية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬وتوسيع‭ ‬‮«‬اتفاقات‭ ‬أبراهام‮»‬،‭ ‬وصياغة‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إدارة‭ ‬الملف‭ ‬الفلسطيني‭... ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬رؤية‭ ‬لنظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬‮«‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‮»‬‭ ‬يرتبط‭ ‬بتحالفات‭ ‬عالمية‭ ‬أوسع‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬سنتجاوز‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تقف‭ ‬عائقًا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هذا‭ ‬الطموح‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬إيجاز‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬بإجبار‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬تكاليف‭ ‬باهظة‭ ‬للطاقة،‭ ‬وبدأت‭ ‬تفرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬المضيق،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬ترسم‭ ‬خطوطًا‭ ‬عريضة‭ ‬لنظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭. ‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن انسحاب‭ ‬إيران‭ ‬وقبولها‭ ‬بالتفاوض‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬نهاية‭ ‬اللعبة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة؛‭ ‬مرحلة‭ ‬رسم‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعالمي‭ ‬الجديد،‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬واشنطن‭ (‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬هيكلي‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬فتح‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭.‬

من‭ ‬نتائج‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬بُعدًا‭ ‬تجاوز‭ ‬المشهد‭ ‬الخارجي‭ ‬للصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني،‭ ‬سنحاول‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يرسم‭ ‬الخطوط‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬الجديدة‭ ‬للمنطقة،‭ ‬والنظام‭ ‬الدولي‭. ‬

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا