سأحاول في هذا المقال الوصول إلى إجابة عن سؤال مرتبط بنتائج ما توصّلتُ إليه في مقالي السابق (https://t.co/N2QapNBJEX) حول استشراف الأهداف غير المعلنة للصراع على مضيق هرمز؛ السؤال هو: في حال انسحاب إيران من المضيق وموافقتها على شروط واشنطن، هل ستنقلب اللعبة، وهل ستخسر الأخيرة أهدافها الرئيسية من الحرب (اللعبة)؟!
للإجابة عن هذا السؤال يجب البدء بتفكيك وتحليل فرضية انسحاب إيران من المضيق وخسارة أمريكا أهدافها! لسبب رئيسي، هو أن أهداف أمريكا نفسها في هذا الصراع ليست ثابتة، بل هي سلسلة متداخلة من الأهداف التكتيكية والاستراتيجية.
هل الهدف الأمريكي ينحصر في فتح المضيق فقط؟
تؤكد التطورات الفعلية لهذا الصراع أنه حتى في حال انسحبت إيران من مضيق هرمز، ووافقت على الشروط الأمريكية، فإن اللعبة لن «تنقلب» بالكامل؛ لأن أولا: أهداف أمريكا أوسع من مجرد فتح المضيق، إذ وفقا لمصادر متعددة، تطالب أمريكا في اتفاقها مع إيران بفتح المضيق من دون قيود مدة 60 يوما، وحل كامل للملف النووي الإيراني (وقف التخصيب، وإخضاع المنشآت لرقابة دولية كاملة)، وليس مجرد وقف مؤقت للعمليات العسكرية. وإذا قبلت إيران بذلك فسيكون انتصارًا استراتيجيًّا لأمريكا يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد مرور الناقلات (Q&A on US-Iran MoU: Significance, key points and its fragility - CGTN).
ثانيا: حتى بعد الاتفاق (إن تَم)، تشير المصادر إلى أن أمريكا ستواصل فرض عقوباتها لكن بشكل تدريجي، ولن يتم رفعها بالكامل دفعة واحدة؛ وهذا يعني أن إيران ستظل في وضع اقتصادي هش، وتحت تأثير الإرادة الأمريكية.
وثالثا: النظرية التحليلية التي تؤكد أن الهدف العميق لأمريكا في هذه الحرب يتجاوز المضيق، وصولا إلى إعادة رسم خريطة القوى لتشكيل ملامح النظام الإقليمي، وضمان عدم قدرة أي جهة (إيرانية أو عربية) على تهديد الملاحة مستقبلا، تتطلب إضعافًا دائمًا للقوة العسكرية الإيرانية وليس مجرد تراجع مؤقت عنها (Four takeaways from Rubio: U.S. shifts from Iran war phase to Hormuz transit-Xinhua).
إذن الصراع على المضيق ليس بسيطا؛ أي إذا وافقت إيران على الانسحاب الكامل فستجد نفسها أمام حقائق مؤلمة، أهمها أن إيران هي الطرف الأكثر تأثرًا بالضغط الاقتصادي؛ إذ المؤشرات تُقدّر أن الاقتصاد الإيراني انكمش بمقدار 25%-35% من حجم تجارته بسبب الحرب، وأن توقعاتها بأن تتحمل خمسة أشهر من الضغط الاقتصادي تقترب من نهايتها... وأن الضغط الأمريكي (بحصار بحري يمنع تصدير النفط الإيراني تماما) نجح بالفعل في إجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات (المصدر السابق).
والحقيقة الأخرى هي أن الصراع تحول إلى «حرب استنزاف»، إذ تشير المصادر إلى أن أمريكا دخلت في مرحلة من «الضغط المزدوج»؛ العقوبات الاقتصادية المشددة، إلى جانب ضربات عسكرية محدودة (وليس حربًا شاملة)؛ بهدف دفع إيران إلى طاولة المفاوضات من موقف ضعف، وهذا يعني أن «انسحاب» إيران من مضيق هرمز لن يكون نهاية القصة، بل سيكون بداية مرحلة تفاوضية جديدة تُحدد فيها أمريكا شروطها بقوة أكبر.
هل الصراع في المضيق هو عن «الانسحاب» أم عن «السيطرة»؟
مما يزيد تعقيد الصورة أن الصراع تجاوز مرحلة المطالبة بالانسحاب من المضيق، إذ لم تعد أمريكا تطالب إيران بالانسحاب، بل تسعى لفرض واقع جديد على الأرض، بحسب إعلان البيت الأبيض في 25 أغسطس 2026 أنها «أزالت جميع الألغام» من مضيق هرمز، وأنها ترافق الناقلات بعمليات عسكرية «دفاعية»؛ يعني أنها تسعى لاستعادة السيطرة على الممر المائي بقوتها الخاصة، وليس عبر التفاوض مع إيران؛ وهذا ما يعزز فكرة أن فتح المضيق لم يعد ورقة بيد إيران يمكنها التخلي عنها، بل أصبح ساحة صراع مباشر على السيادة (War-risk insurance rates for Strait of Hormuz vessels rise amid renewed tensions - People's Daily Online).
الأمر الآخر هو أنه رغم توقيع مذكرة تفاهم في يونيو 2026، فإن القتال عاد مجددًا في أواخر أغسطس وسبتمبر. وهذا يؤكد أن الاتفاقات التي تبدو «نهائية» يمكن أن تنهار بسرعة بسبب استمرار التصعيد العسكري من الجانبين، وليس فقط بسبب ما تعلنه إيران بإصرارها على إغلاق المضيق.
ماذا بعد فتح المضيق؟
أخيرًا، يمكن أن نوجز إجابتنا عن السؤال الوارد في المقدمة على أنه إذا افترضنا جدلا أن إيران انسحبت تمامًا من المضيق وقبلت جميع الشروط الأمريكية فورًا، فإن «اللعبة» لن تنقلب بالكامل لصالح إيران ولا لصالح أمريكا، بل ستدخل في نفق جديد متمثل في الآتي:
أولا: حين تكون إيران قد خسرت معظم أوراق ضغطها، وأمريكا قد حققت أول أهدافها التكتيكية (فتح المضيق) وبإمكانها الآن الضغط لإنجاز أهدافها الاستراتيجية (النووية، وإعادة رسم النظام الإقليمي)، ستبدأ مرحلة التفاوض الإجباري.
وثانيًا: حين تنتهي مرحلة الصراع على المضيق، وتظهر ورقة النظام الأمني الإقليمي (المرسوم مسبقًا) إلى العلن، وهو أمر لا يُحسم بانسحاب طرف من ممر مائي، بل بانهيار أو تغيير جذري في موازين القوى، فإن اللعبة تدخل في مرحلة تغيير طبيعة الصراع.
إذن الإجابة هنا هي أن «انسحاب إيران» هو ما تريده أمريكا (بشروطها)، وأن امتناع إيران عن الانسحاب رغم الضغوطات المتصاعدة ما هو إلا محاولة للإبقاء على ورقة بيدها كضمانة للحصول على تنازلات أكثر في أي تفاوض مستقبلي... والسؤال هنا، هل إيران في وضع يحقق لها هدف ورقة الضمان التفاوضي؟
في جواب موجز يمكن تأكيد أن إيران لا تملك حاليًّا ترف «الإبقاء على ورقة تفاوضية بيدها»؛ وأن ورقة مضيق هرمز اليوم ليست ورقة تفاوضية، بل هي سند رهان باهظ الثمن، تشبثت به إيران حتى بعد أن أصبحت قيمته الفعلية أقرب إلى الصفر. والفرق بين «الورقة» و«السند» هو الفرق بين القدرة على المساومة والقدرة على تحمل الخسارة، لأن البيانات المتاحة تشير إلى أن هذه الورقة لم تعد تُنتج أي عائد يُذكر.
صادرات النفط الإيرانية
والورقة التفاوضية
بالنسبة إلى صادرات النفط الإيرانية، تشير التقارير إلى أنها انهارت من حوالي 1.7 مليون برميل يوميًّا في أغسطس 2025 إلى 260-220 ألف برميل يوميًّا في أغسطس 2026، وهو انخفاض بنسبة 80%-100% بحسب تقديرات منصات تتبع الناقلات... وتقديرات متعددة تشير إلى أن التدفقات النفطية الإيرانية من الخليج بلغت الصفر، منذ منتصف يوليو 2026، بعد إعادة فرض الحصار (Iran's oil exports through the Strait of Hormuz have virtually come to a standstill.).
بعبارة أخرى، إيران لا تصدّر شيئًا ذا قيمة عبر المضيق الذي تتمسك به، والورقة التي تحتفظ بها هي ورقة لمنع الآخرين من المرور، وليس ورقة لضمان مرورها هي. وهذا نوع مختلف تمامًا من الأوراق، وأكثر كلفة (المصدر السابق).
بهذا لا تحقق إيران هدفها من الإبقاء على ورقة المضيق؛ لأن الورقة لا تُنتج عائدًا تفاوضيًّا، بل تُنتج خسائر متسارعة، لكنها قد تكون قادرة على تحمل هذه الخسائر فترة أطول مما توقعه كثيرون، لأن النظام بعيد عن معاناة شعبه؛ وبالبعد الآخر كلما طال تمسك إيران بمطالبها زادت الكلفة عليها، وقلّ ما يمكنها الحصول عليه.
هندسة الصراع حول
مضيق هرمز
إذن، سنحاول هنا وضع رؤية أكثر فهمًا وعمقًا للصراع الدائر في الخليج، كمنظومة متكاملة، وليس كأحداث منعزلة، بناءً على المعطيات المتوافرة، حول الأهداف الاستراتيجية الثلاثة التي يتم تنفيذها عبر الصراع على مضيق هرمز.
الهدف الأول: فرض تكاليف باهظة على الصين؛ وهذا هو أحد الأهداف الجوهرية للصراع، وقد تحقق فعلا بدرجة كبيرة، إذ واجهت الصين، كأكبر مستورد للنفط في العالم، اضطرابات كبيرة مع تصاعد الأزمة، بدءًا بارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات بشكل جنوني (أقساط مخاطر الحرب)، وارتفاع تكاليف الشحن مع تحويل مسارات الناقلات إلى طرق أطول، ما أثّر مباشرة على أسعار النفط الخام، ودفع الصين إلى خفض وارداتها النفطية بنحو 20% في أبريل 2026، وارتفاع أسعار المنتجين والمستهلكين داخليًّا (Iran-US tensions impose rising economic costs on China: Report - www.lokmattimes.com).
هذا هو أحد الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في الصراع الدائر حول مضيق هرمز، إذ تسعى واشنطن إلى استخدام أزمة الطاقة كورقة للضغط على الصين، ورفع تكاليف الإنتاج عليها كأكبر منافس تكنولوجي وصناعي، في سباق للهيمنة على قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة (Iran-US tensions impose rising economic costs on China: Report - www.lokmattimes.com).
الهدف الثاني: فرض السيادة الأمريكية على المضيق، وهذا الهدف بدأ يتحقق فعلا على الأرض، وبات جزءًا من استراتيجية أمريكية أكثر وضوحًا، بإعلان الرئيس ترامب «مشروع الحرية»، وهي عملية عسكرية لحماية الملاحة في المضيق، وتأمين مرور السفن التجارية، وهي خطوة تؤكد سعيها لتثبيت وجودها العسكري وسيطرتها على هذا الممر الحيوي.
ولهذا يعتبر بعض المحللين أن مجرد التفاوض مع إيران على فتح المضيق قد يُفهم كاعتراف بنفوذ إيراني عليه، وهو أمر ترفضه واشنطن، ما يدفعها إلى فرض الأمر الواقع بقوتها العسكرية.
الهدف الثالث: رسم نظام إقليمي جديد، وهذا هو الهدف الأبعد مدى، الذي تعمل إدارة ترامب، ومَن سيأتي بعده، على وضع وتنفيذ استراتيجيته الشاملة لما بعد الحرب، بالتركيز على تشكيل تحالف أمني إقليمي بقيادة أمريكية، وتعزيز وتوسيع «اتفاقات أبراهام»، وصياغة ترتيبات أمنية بين إسرائيل وسوريا ولبنان، ومحاولة إدارة الملف الفلسطيني... وهذا يعكس رؤية لنظام عالمي جديد في «شرق أوسط جديد» يرتبط بتحالفات عالمية أوسع.
وأخيرًا، سنتجاوز الحديث عن العديد من الاعتبارات التي قد تقف عائقًا في وجه هذا الطموح الأمريكي، إلا أنه يمكن إيجاز ما تحقق حتى الآن بأن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق تقدم بإجبار الصين على تحمل تكاليف باهظة للطاقة، وبدأت تفرض سيطرتها العسكرية على المضيق، وهي الآن ترسم خطوطًا عريضة لنظام إقليمي جديد.
ويمكن القول إن انسحاب إيران وقبولها بالتفاوض لا يعد نهاية اللعبة، بل هو المدخل لمرحلة جديدة؛ مرحلة رسم النظام الإقليمي والعالمي الجديد، الذي تسعى إليه واشنطن (من الشرق الأوسط)، وهو مشروع هيكلي يتجاوز مجرد فتح ممر مائي.
من نتائج البحث في موضوع هذا المقال، الذي أخذ بُعدًا تجاوز المشهد الخارجي للصراع الأمريكي الإيراني، سنحاول في المقال القادم الخوض في تحليل ما بعد الأهداف الاستراتيجية، الذي قد يرسم الخطوط الأولى في الخريطة الجديدة للمنطقة، والنظام الدولي.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك