70% من الفارق بين الموظف «الاستثماري» والموظف «التكلفة» يعود إلى بيئة العمل وسلوك مديره
إدارات تخلق «استقالة خفية».. وأخرى تحول الموظف من منفّذ إلى شريك استثماري
منذ قرون عدة، كانت النظرة السائدة إزاء الموظف أو العامل على أنه تكلفة تحتسب ضمن تكاليف المشروع. فمثلا خلال الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومع انتشار المصانع الكبرى والتركيز على الآلات والمواد الخام، كان ينظر إلى العامل باعتباره عنصرًا من عناصر تكلفة الإنتاج. وكان المبدأ السائد هو: كلما أمكن زيادة ساعات العمل والإنتاجية وخفض تكلفة الأجور ارتفعت كفاءة المصنع.
ومع بدايات القرن العشرين وظهور الإدارة العلمية، بدأت الشركات تهتم بقياس أداء العامل على اعتبار أنه عنصر يمكن تدريبه ورفع إنتاجيته.
وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وتوسع الاقتصادات الحديثة، بدأ الانتباه إلى أهمية العوامل النفسية والاجتماعية للعامل، وأن الإنتاجية لا ترتبط بالأجر بقدر ما تتأثر بالعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء، مع الانتباه إلى أن التعليم والتدريب استثمارات تزيد قدرة الفرد على الإنتاج وتحقيق الدخل.
وهنا صارت النظرة إلى العامل تتجاوز كونه تكلفة تشغيلية أو أنه مجرد مستهلك للدخل، بل إن الاستثمار في تعليم ومهارة الفرد يعطي عائدا أعلى من الاستثمار في الآلات.
ثم حدث التحول الفكري الأهم في ستينيات القرن الماضي، وظهرت نظريات علمية مؤثرة مثل نظريات الاقتصادي الأمريكي ثيودور شولتز، حيث بدأ التركيز على مفهوم رأس المال البشري، وربط التعليم والتدريب والصحة والخبرات بزيادة إنتاجية الفرد ودخله.
وفي السبعينيات والثمانينيات، بدأت الشركات تنتقل تدريجيًا من مفهوم إدارة شؤون الموظفين إلى مفهوم إدارة الموارد البشرية. ليتبع في ذلك في التسعينيات، صعود اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، بحيث باتت الشركات تعتمد بشكل أساسي على المعرفة والابتكار وقياس العائد من الاستثمار في الموظفين مثل الإنتاجية والابتكار والاحتفاظ بالمواهب والتدريب، والإيرادات التي يحققها الموظف نفسه.
واليوم.. لم تعد قيمة الموظف تقتصر على خبراته ومعرفته فحسب، بل ترتبط بشكل وثيق بقدرته على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وهذا ما يقودنا الى السؤال الجوهري: متى يكون الموظف مجرد كلفة على المؤسسة، ومتى يكون استثمارا لها؟ وما دور المؤسسة نفسها في جعل الموظف تكلفة أو استثمارا!
الموظف.. تكلفة!
باختصار.. يعد الموظف تكلفة عندما لا يتناسب العائد الذي يضيفه إلى المؤسسة مع إجمالي ما تنفقه عليه. والإشكالية هنا أن التكلفة لا تقتصر على المرتب الشهري الذي يتقاضاه الموظف، بل هي أبعد من ذلك بكثير لتشمل جميع المصروفات المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها المؤسسة مقابل توظيف الموظف والمحافظة عليه وتمكينه من أداء عمله. وهي تشمل:
- تكلفة التوظيف شاملة إعلان الوظيفة، منصات التوظيف، المقابلات والاختبارات، إجراءات التعيين والفحوصات، الوقت الذي يستغرقه فريق الموارد البشرية والإدارة في عملية الاختيار.
- الراتب والبدلات والمكافآت والعمولات والمكافآت السنوية، إضافة إلى تكاليف المواصلات أو بدل النقل وبدل السكن وغيرها.
- اشتراكات التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي والمساهمات الإلزامية المرتبطة بالموظف.
- التدريب والتطوير والوقت الذي يقضيه الموظف في التدريب بدلًا من العمل.
- تكلفة تمكين وتجهيز الموظف مثل المكتب والمساحة التي يشغلها والكمبيوتر والهاتف والتراخيص. والإنترنت والاتصالات والمعدات والأدوات.
- تكاليف غير نقدية مثل الإجازات المدفوعة وبرامج الرعاية والرفاه الوظيفي والخصومات وغيرها.
- الغياب ودوران الموظفين. فغياب الموظف تعد تكلفة لأن الشركة قد تحتاج إلى توزيع مهامه على موظفين آخرين أو دفع ساعات إضافية. وعندما يستقيل، تبدأ مرحلة البحث عن بديل وما يتطلبه ذلك من تكاليف.
وبعد تحديد كل هذه التكاليف، يمكن معرفة ما إذا كان الموظف تكلفة ومصاريف.. أو استثمارا. ولتحديد ذلك، يمكن الرجوع إلى عدة مؤشرات تدل على أن هذا الموظف أو ذاك مجرد تكلفة على المؤسسة، ومن هذه المؤشرات:
1- انخفاض الإنتاجية، أي أن ما يحققه الموظف من نتائج أقل من المتوقع ومن الموارد التي يستهلكها.
2- ارتفاع تكلفة الموظف مقابل ما يقدمه من أداء. أي تكون القيمة المضافة التي يحققها الموظف أقل من مجموع ما يكلفه للمؤسسة.
3- البطالة المقنعة وتضخم العمالة داخل المؤسسة، حيث تتحول الرواتب من استثمار في النمو إلى عبء على المصروفات التشغيلية.
4- ضعف المهارات وعدم مواكبة احتياجات السوق والتطورات، وهو ما يجعل القيمة الاقتصادية للموظف تتراجع.
5- ارتفاع معدل الغياب ودوران الموظفين، حيث يؤثر ذلك في الإنتاجية والتكاليف.
6- كثرة الأخطاء، الأمر الذي يعد تكلفة إضافية من خلال إعادة تنفيذ الأعمال وفقدان الوقت، فضلا عن عدم رضا العملاء.
7- خلل في المهام الوظيفية أو عدم ارتباط الوظيفة بأهداف المؤسسة، مع عدم وجود مؤشرات لقياس النتائج. وهنا قد تتحول الوظيفة إلى تكلفة.
8- عدم القدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة. فكثير من الوظائف باتت أكثر تكلفة عندما تستمر في الوسائل التقليدية، في حين أن الموظف الذي يمتلك المهارات الرقمية الكافية يستطيع تحقيق نتائج أفضل وأكبر.
9- عدم إحراز تحسن ملموس في الإنتاجية والجودة والإيرادات بعد الإنفاق على التوظيف والتدريب والتطوير والترقيات.
10- مقاومة التغيير والتطوير وتعلم التقنيات الجديدة.
11- نشر الثقافة السلبية والتذمر والتشكيك الدائم في قرارات الشركة، مما يؤدي إلى إحباط باقي زملائه وتخفيض الإنتاجية العامة للفريق.
وكل ما سبق يجعل من الموظف تكلفة مستمرة تتحملها المؤسسة. وهو ما أشارت إليه دراسة لمعهد «جالوب» العالمي نشرت عام 2023 حول اندماج الموظفين وأثره على الربحية بعنوان The State of the Global Workplace Report، حيث كشفت أن الموظف «غير المدمج» وغير المنتمي لعمله يُشكل تكلفة مالية باهظة تُكلف الاقتصاد العالمي حوالي 8.8 تريليونات دولار سنوياً. في حين أن فرق العمل التي تضم موظفين ينظرون إلى عملهم كشغف وتستثمر فيهم الشركة بكفاءة، تحقق ربحية أعلى بنسبة 23%.
ومن الدراسات اللافتة في هذا الجانب هي دراسة لجامعة هارفارد للأعمال بعنوان: Toxic Workers أو الموظفون السامّون، ونشرت في Harvard Business School Working Knowledge / NBER.. حيث أثبتت الدراسة التي شملت أكثر من 50,000 موظف في مختلف القطاعات، أن الموظف عالي الأداء يُكسب الشركة منافع مالية تقدر بحوالي 5,300 دولار فوق المتوسط، بينما الموظف السلبي أو منخفض الإنتاجية (الموظف التكلفة) يتسبب في خسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز 12,800 دولار (في شكل تعطل لعمل زملائه، وإعادة العمل، وخسارة عملاء.
الموظف.. استثمار
بالمقابل.. متى يكون الموظف «استثماراً ومصدرًا مباشرًا للإيرادات أو رفع الإنتاجية؟ وما المؤشرات التي تدل على أن هذا الموظف أو ذاك استثمار وليس تكلفة؟
هنا يلخص الاختصاصيون الإجابة بأن الموظف يصبح استثمارًا عندما تتجاوز القيمة التي يضيفها للمؤسسة ما تتحمله من تكلفة إجمالية من أجله. مع الإشارة إلى أنه لا يشترط أن يكون هذا العائد مباشرا، فقد يكون على شكل خفض في النفقات أو منع خسائر محتملة أو تحسين كفاءة العمليات، قد يكون من خلال زيادة الإيرادات أو رفع الإنتاجية أو تحسين جودة العمل أو تطوير منتجات وخدمات جديدة.
وهذا ما يعني أن الموظف لا يصبح استثمارًا لمجرد أنه موظف مجتهد أو يعمل بكفاءة، بل لا بد من وجود مردود مباشر وغير مباشر لهذا العمل.
وهناك عدة مؤشرات يمكن اعتمادها لتحديد ذلك، منها:
1- تحقيق إيرادات مباشرة تفوق تكلفته على الشركة.
2- المساهمة في رفع إنتاجية الآخرين خاصة إذا كان مسؤولا أو خبيرا. حيث يستطيع تحسين أداء الموظفين. وهذا ما يجعله استثمارا يتجاوز تكلفته بكثير.
3- يسهم في تحسين إجراءات وجودة العمل مما ينعكس على خفض التكاليف التشغيلية وتقليل الهدر والأخطاء وزيادة دقة العمل التي تمنع خسارة الموارد، أو تجنب الشركة غرامات وتعويضات نتيجة أخطاء تشغيلية.
4- القدرة على الابتكار وتطوير منتجات أو خدمات وصناعة إيرادات جديدة تزيد من عوائد المؤسسة ورضا العملاء.
5- امتلاك مهارات وخبرة مميزة مرتبطة بمجال عمل المؤسسة. وهنا قد يكون فقدان أو استقالة هذا الموظف أكثر تكلفة مما تدفعه له المؤسسة، حيث يعد أصلًا استراتيجيًا للمؤسسة.
6- التطوير والتدريب الذاتي المستمر مع تعلم تقنيات ومهارات جديدة تواكب الاحتياجات والتغيرات المتسارعة.
7- التأقلم مع التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي واستخدامها لتحسين أدائه ورفع إنتاجيته. فقدرة الموظف على استثمار التكنولوجيا قد تمكن من تقليص مدة إنجاز العمليات بشكل كبير جدا، ما يمكن الفريق من التركيز على مهام أكثر قيمة ترفع الإنتاجية.
8- القدرة على كسب ثقة العملاء وولائهم والمحافظة عليها على المدى الطويل.
9- القدرة على تحقيق إنجازات ونتائج تتخطى الوصف الوظيفي. أي لا يكتفي بتنفيذ المهام المطلوبة، وإنما يسهم في مهام أخرى كحل المشكلات، واقتراح اليات التطوير والفرص الجديدة.
10- الاستدامة في التميز والإنجازات. فقياس أداء الموظف لا يكون في معاملة واحدة أو مدة زمنية محدودة. إنما يتم حساب إنتاجيته ومنجزاته بشكل دوري يعطي صورة واضحة حول تطوره مع الوقت.
وأمام ما سبق، لا يمكن اعتبار كل موظف استثمارا أو تكلفة بشكل تلقائي بمجرد توقيع عقد العمل أو البدء بمهام الوظيفة. فهذا ما يتبين خلال الوقت من بناء على معادلة القيمة المضافة مقابل التكلفة بشكل تراكمي وليس آني. فقد يكون الموظف في البداية تكلفة مؤقتة تتطلب المرتب والتدريب وتوفير المستلزمات. ولكن قد تتحول هذه التكلفة إلى استثمار إذا استطاع تطوير مهاراته وإنتاجيته بحيث يخلق قيمة أكبر للمؤسسة.
والعكس صحيح، فقد يكون الموظف منتجا في البداية ولكن سرعان ما يتحول إلى مجرد تكلفة إضافية.
وفي كثير من الحالات يبدأ الموظف كتكلفة على المؤسسة، ويستمر كذلك، حيث تبقى إنتاجيته منخفضة ولا تتطور مهاراته ولا يحقق نتائج ملموسة.
والقاعدة التي يضعها خبراء الإدارة والإنتاجية هنا هي أن كل موظف لديه قابلية لأن يصبح رأس مال بشريًا، لكن ليس كل موظف يمثل استثمارًا ناجحًا بالضرورة. بل على العكس كما أسلفنا، الكثير من الموظفين يستهلكون من الشركة رواتب وبدلات وتأمينات ووقت إدارة، من دون تقديم مخرجات مجزية تتجاوز التكلفة المباشرة وغير المباشرة. بل هناك فئة من الموظفين تحقق إنتاجية سلبيّة، مثل الموظف المتذمر دائما والمحبط لمن حوله، أو المتكاسل، أو كثير الأخطاء، أو حتى الرافض للتطوير والتدريب.
وبالتالي، فإن الموظف يُولد في قوائم الشركة كتكلفة مالية مفترضة، ثم يتحدد لاحقا ما إذا كان «أصلاً استثماريا» أم يبقى في «بند المصروفات» التي تستنزف الميزانية.
من المسؤول؟
على الرغم من تحمل الموظف مسؤولية مباشرة وكبيرة في التحول من تكلفة إلى استثمار، خاصة فيما يتعلق بالتطور المهني والتدريب والابتكار وضعف الانضباط والمسؤولية، وكذلك انعدام عقلية النمو، إلا إنه لا يمكن تحميله المسؤولية كاملة إذا ما حدث قصور خلال هذه الرحلة، لأنه لا يمكن تقييم الموظف بمعزل عن البيئة الإدارية التي يعمل فيها. فمثلا قد تمتلك المؤسسة موظفين موهوبين، ولكن بيئة العمل في هذه المؤسسة تكون قاتلة للمواهب، أو تكون عاجزة عن تحويل مهاراتهم إلى قيمة اقتصادية. وهذا ما يجعل الشركة تتحمل تكلفة تشغيلية عالية ومتزايدة بسبب النظام الإداري وليس الموظفين أنفسهم. وهو ما يعني تبعا أن الإدارة في أي مؤسسة تلعب دورا محوريا في المعادلة، وبيئة العمل تحدد إلى حد كبير ما إذا كان الموظف المبتدئ سيصبح أصلا استثماريا أو يبقى تكلفة وعبئا تشغيليا على المؤسسة.
. الدراسات العلمية تؤكد هذا الأمر، ومنها دراسة لمعهد «جالوب» بعنوان It’s the Manager: Gallup Finds the Manager حول تأثير الإدارة وبيئة العمل في تحول الموظف من استثمار إلى تكلفة، حيث تؤكد أن 70% من الفارق بين الموظف «الاستثماري» والمنتج والموظف «التكلفة» المنفصل عاطفياً وعملياً عن الشركة يعود بشكل مباشر إلى سلوك مديره المباشر وبيئة العمل اليومية.
وأكدت أن البيئات الإدارية التي تعتمد على «التسلط أو الإهمال» تخلق حالة من الاستقالة الخفية، حيث يستمر الموظف في تقاضي 100% من راتبه وبدلاته، بينما لا يقدم سوى 20% إلى 30% من طاقته الإنتاجية، مما يحوله بفعل الإدارة إلى تكلفة مالية صافية.
وهو ما أكدته أيضا دراسة لجامعة هارفارد للأعمال بعنوان The Cost of Poor Leadership and Micromanagement on Employee Output ونشرت في Harvard Business School Working Papers.
حيث أثبت أن الموظف الذي يعمل تحت قيادة مفرطة في التدخل ينخفض إنتاجه الإبداعي بنسبة 45%، وتزيد أخطاؤه التشغيلية بنسبة 38%، مما يلغي قيمته الاستثمارية ويجعله مجرد بند رواتب يستهلك وقت الإدارة والشركة.
بالمقابل.. خلصت دراسة لجامعة ستانفورد حول السلامة النفسية والتمكين الإداري بعنوان: Psychological Safety and Employee Innovation: How Managers Turn Human Capital into Investment ، خلصت الى أن الشركات التي توفر «سلامة نفسية» للموظفين تحقق عائداً على الاستثمار في الموظفين يتجاوز 2.5 ضعف الشركات ذات البيئات الترهيبية. كما أن الإدارة التي تمنح التمكين وتوفر أدوات العمل الحديثة، تحول الموظف من «منفذ آلي» مكلف إلى «شريك استثماري» يبتكر حلولاً تخفض التكاليف وتزيد الإيرادات.
ومن المؤشرات التي تعزز الدور السلبي للإدارة في بقاء الموظف مجرد تكلفة على المؤسسة:
1. عدم وضوح الأهداف والأدوار المطلوبة من الموظف، وكيف يتم قياس أدائه.
2. سوء التعيين والاختيار، مثل التوظيف بناء على المحسوبيات، أو التسرع في التوظيف من دون التأكد من الكفاءة والقابلية للتطور، أو التوافق مع ثقافة العمل.
3. سوء توزيع المهام بين الموظفين. مثل وضع موظف مؤهل في وظيفة لا تتناسب مع خبراته، أو تحميله مهامًا تفوق مع قدراته. وكذلك عدم وجود وصف وظيفي محدد، مما يجعل الموظف تائهاً وغير قادر على إبراز قدراته الاستثمارية.
4. ضعف أو غياب برامج التدريب والتطوير. فمن الظلم مطالبة الموظف بالتطور المهني ومواكبة التغيرات التكنولوجية إذا لم توفر له المؤسسة فرصا مناسبة لذلك. ولا يمكن مطالبة الموظف بتحقيق نتائج عالية دون توفير الميزانيات والبرامج والأدوات التي تمكنه من تحقيق هذه النتائج.
وفي هذا الإطار، قارنت دراسة لمعهد الموارد البشرية والجامعة الوطنية في سنغافورة بالتعاون مع المنظمة الدولية لتطوير القوى العاملة، حول قياس العائد الاقتصادي للاستثمار في رأس المال البشري، ونشرت في Human Resource Management Journal ، قارنت بين أداء نوعين من المؤسسات، الأولى تتعامل مع رواتب وتدريب الموظفين كمصروفات يجب خفضها، والثانية تتعامل معها كاستثمار مالي متنامٍ. وأظهرت النتائج أن كل دولار تُنفقه الشركات في برامج التطوير والتأهيل والتمكين الفعلي للموظف يولد عائداً صافياً على أرباح الشركة يتراوح بين 1.50 إلى 3.00 دولارات في صورة تقليل للهدر التشغيلي، وارتفاع في سرعة الابتكار، وجلب عقود جديدة.
5. ضعف القيادة الإدارية، أو المركزية المفرطة، وكذلك البيروقراطية والبطء في صناعة القرار، وكثرة الإجراءات والموافقات. وكل ذلك يسهم في استنزاف وقت الموظف بأعمال إدارية.
6. المتابعة المفرطة وملاحقة الموظف ومحاسبته على كل صغيرة وكبيرة، وهو ما يقتل روح المبادرة والشغف لديه ويحوله تدريجياً من شخص يبتكر ويفكر إلى مجرد «منفذ آلي» ينتظر الأوامر فقط للهروب من المسؤولية. وهذا ما يعني أنه يبقى تكلفة وليس استثمارا منتجا.
7. غياب المعايير الواضحة للمكافآت والجزاءات. وهو ما يعني غياب الحافز لتحسين الأداء، وبالتالي تراجع الإنتاجية التي تحول الموظف إلى تكلفة.
8. عدم مواكبة الإدارة للتطورات التكنولوجية. وبالتالي حتى لو امتلك الموظف المهارة والخبرة، فإن عمله في أنظمة قديمة قد يؤدي إلى انخفاض إنتاجيته، ويبقيه تكلفة أكثر من استثمار.
9. العمل بعقلية الحضور والغياب بدلا من قياس النتائج. وهو ما يعزز ثقافة الانشغال والتشاغل بدلا من التركيز على حجم الإنتاجية.
10. ارتفاع معدل دوران الموظفين والاستقالات بسبب الإدارة. فكل عملية توظيف وما تتطلبه من مقابلات واختيار ثم توظيف وتدريب، تعد كلفة على المؤسسة. وإذا كانت المؤسسة تفقد موظفيها الأكفاء باستمرار بسبب ضعف القيادة أو بيئة العمل، فإنها تتحمل تكلفة إضافية مستمرة وتجعل كل موظف تكلفة وليس استثمارا.
11. التركيز على خفض التكلفة عبر تقليل الأجور أو تقليص أعداد العاملين، وتجاهل تكلفة أكبر ناتجة عن غياب التدريب وضعف الإدارة والبيروقراطية وسوء استخدام الموارد.
...
في الجزء الثاني من الموضوع، نناقش العلاقة بين الراتب المرتفع والإنتاجية، وطرق قياس قيمة الموظف للمؤسسة، واختلاف مفهوم تكلفة الموظف بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب واقع النظرة للموظف في المؤسسات بدول الخليج.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك