مـدرب الفـئات ينبغـي أن يكـون ذا صـفـات مـختلفة
الانضـباط يسـري على الجـمـيع فـي المنتخـب
يمتلك عبد الله المحروس خبرة تمتد لنحو 20 عاما مع منتخبات الفئات العمرية للكرة الطائرة، اكتسب خلالها تجارب واسعة في الجوانب الفنية والإدارية والتعامل مع اللاعبين الناشئين، وفي هذه المقابلة يتحدث المحروس عن أبرز محطات تجربته، وتحديات العمل مع هذه الفئة، ورؤيته لتطوير المنتخبات العمرية وصناعة لاعبين قادرين على خدمة المنتخب الأول.
{ قضيت فترة طويلة مع منتخبات الفئات العمرية، ماذا أضافت لك هذه السنوات على المستوى الشخصي والمهني؟ وهل أصبحت تتعامل مع اللاعب الناشئ اليوم بطريقة مختلفة عما كنت تفعله في بداياتك؟
- بالتأكيد، قرابة 20 عاما من العمل مع المنتخبات العمرية تعني تراكم الكثير من الخبرات والتجارب، ومن الطبيعي أن تختلف طريقة التعامل اليوم عما كانت عليه في البداية.
في السابق كانت التجمعات مرتبطة بالبطولات والمناسبات، بينما أصبح العمل اليوم أكثر تنظيما، وهناك خطط إعداد وبرامج استراتيجية هدفها الأساسي تأهيل اللاعبين للمنتخب الأول، ثم تأتي البطولات كمحطة من محطات التطوير، كما أن عملي حاليا بشكل متفرغ إداريا مع الفئات العمرية في الاتحاد أتاح لي فرصة أكبر لمتابعة اللاعبين.
{ العمل مع اللاعبين في هذه المرحلة العمرية لا يقتصر على الجانب الفني، بل يتداخل معه الجانب السلوكي والنفسي.. ما أبرز الفوارق التي لاحظتها في شخصية اللاعب الناشئ، وما أصعب ما يواجه المشرف أو الجهاز الفني في التعامل معه؟
- أبرز ما نركز عليه هو الانضباط واحترام الوقت، في النادي قد تكون هناك بعض الأمور التي يمكن التعامل معها بمرونة، لكن في المنتخب الوضع مختلف تماما.
منذ بداية إعداد أي منتخب نوضح للاعبين الالتزامات المطلوبة منهم، سواء في الحضور أو المواعيد أو السلوك العام، وقد نواجه بداية بعض الصعوبات، لكن مع مرور الوقت يبدأ اللاعبون في التأقلم والتغيير من النواحي الإدارية والفنية والسلوكية.
{ من خلال احتكاكك بعدد كبير من المدربين المحليين والأجانب، ما أبرز الأساليب التدريبية أو الأفكار التي وجدت أنها تناسب اللاعب البحريني في الفئات العمرية؟
- أفضل المدربين بالنسبة إلي هم الذين يستطيعون معالجة نواقص اللاعب وتأسيسه بالشكل الصحيح قبل الدخول في التفاصيل التكتيكية، اللاعب في النادي قد لا يتدرب أكثر من ساعة ونصف، وعندما يأتي إلى المنتخب تظهر بعض النواقص في الأساسيات، لذلك يجب أن تكون الأولوية لتأسيسه في المهارات الأساسية، وبعدها يمكن الانتقال إلى الجوانب التكتيكية.
{ هل ترى أن المدرب الذي يعمل مع الفئات العمرية يحتاج إلى مواصفات مختلفة عن مدرب الفريق الأول؟ وما الصفات التي يجب أن تتوافر في مدرب الناشئين تحديدا؟
- بالتأكيد، وليس كل مدرب قادرا على العمل مع الناشئين، خصوصا على مستوى المنتخب، فالاختيار الخاطئ قد يؤثر في جيل كامل.
فمدرب الناشئين يجب أن يكون من أصحاب الكفاءة والخبرة، وأن يكون تربويا وصبورا، وقادرا على تشكيل اللاعبين وتطويرهم، إضافة إلى امتلاكه رؤية بعيدة المدى.
{ بحكم قربك من اللاعبين خلال المعسكرات والبطولات، كيف تتعاملون مع اللاعب الذي يمتلك موهبة كبيرة لكنه يفتقد الانضباط أو يعاني من بعض السلوكيات التي قد تعطل تطوره؟
- لا أؤمن بوجود لاعب أفضل من لاعب في مسألة الانضباط، والجميع متساوون في الحقوق والواجبات، سواء كان اللاعب موهوبا أو ما زال في مرحلة اكتساب المهارات.
منذ بداية الإعداد نوضح أهمية الانضباط وتمثيل الوطن، لأن تمثيل المنتخب أمانة ومسؤولية. فما فائدة الموهبة إذا كان اللاعب غير قادر على الالتزام؟
{ إلى أي مدى تؤثر الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي في تكوين لاعب الكرة الطائرة في هذه السن؟ وهل تعتقد أن المنظومة الرياضية وحدها قادرة على صناعة اللاعب؟
- الأسرة والبيئة المحيطة عاملان رئيسيان في تكوين شخصية اللاعب وبناء أساسه، ثم تأتي بيئة الكرة الطائرة لتكمل هذا الدور من خلال التدريب والمشاركات والمنافسات.
لذلك لا تستطيع المنظومة الرياضية وحدها صناعة اللاعب، وإنما هي جزء من منظومة متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع والنادي والمنتخب.
{ مررت مع المنتخبات العمرية ببطولات وتجارب متعددة، ما البطولة أو التجربة التي تعتبرها الأكثر تأثيرا في مسيرتك، ولماذا؟
- جميع البطولات تركت أثرا في مسيرتي الإدارية، سواء كانت خليجية أو عربية أو آسيوية، لكن المشاركات العالمية لها وزنها الخاص.
كانت لي أربع مشاركات عالمية، وأعتبرها من أهم التجارب، لأنها تتيح لك الاحتكاك بأفضل منتخبات العالم، وتمنحك خبرة مختلفة وتكشف لك مستويات وأساليب عمل جديدة.
{ في بعض الأحيان يظهر اللاعب بشكل مميز في الفئات العمرية، لكنه لا يكمل الطريق حتى المنتخب الأول.. من وجهة نظرك، أين تكمن المشكلة: في اللاعب، أم الأندية، أم طريقة إعداد المنتخبات العمرية، أم في المنظومة بأكملها؟
- أعتقد أن الأمر يبدأ من عملية الاختيار، فلا بد أن تكون هناك معايير واضحة ومدروسة، خصوصا فيما يتعلق بالطول والمواصفات البدنية والفنية المطلوبة في كل فئة عمرية.
أحيانا يلفت اللاعب المهاري الأنظار خلال البطولة، لكن الاختيار الصحيح يجب أن يراعي مستقبل اللاعب وليس مستواه في بطولة واحدة فقط، ولهذا فالمسؤولية مشتركة بين الاتحاد والأندية والأجهزة الفنية والإدارية واللاعب نفسه.
{ هل تعتقد أن نتائج منتخبات الفئات العمرية يجب أن تكون المقياس الأساسي للحكم على نجاح العمل، أم أن هناك مؤشرات أخرى أهم مثل عدد اللاعبين الذين يصلون إلى المنتخب الأول؟
- بالنسبة إلي، الاختصاص الأساسي في الفئات العمرية هو إنتاج وتصدير أكبر عدد ممكن من اللاعبين للمنتخب الأول، ثم تأتي النتائج في المرتبة الثانية.
لا يجب أن يعتمد تقييم العمل على نتيجة بطولة واحدة، لأن النتائج أحيانا لا تنصف العمل الذي تقوم به الأجهزة الفنية والإدارية.
وأفضل دائما أن تسألني: أين كان اللاعب؟ وإلى أين وصل بعد سنوات؟ فهذا هو المؤشر الحقيقي لنجاح العمل.
{ كيف تقيم تجربة بطولة المنتخبات العربية الثانية للرجال تحت 17 عاما التي استضافتها المملكة مؤخرا، خصوصا من ناحية المستوى الفني والاحتكاك الذي حصل عليه لاعبونا؟
- أعتبرها تجربة ناجحة بكل المقاييس، خصوصا أن منتخبنا كان حديث التكوين والتأسيس، ولم تتجاوز فترة إعداده ثلاثة أشهر.
معظم المنتخبات المشاركة كانت تمتلك خبرة أكبر من خلال مشاركاتها الآسيوية والإفريقية، كما أن من بينها منتخبان شاركا في بطولة العالم، إضافة إلى المشاركات المدرسية على مستوى آسيا.
وربما كنا المنتخب الوحيد الذي لم يخض معسكرا إعداديا، ومع ذلك ظهرت لدينا، بشهادة الكثير من الفنيين، خامات جيدة يمكن أن تعالج بعض النواقص الموجودة في المنتخب الأول مستقبلا، كما كان المنتخب منافسا قويا لمصر في النهائي، وهذا يؤكد وجود قاعدة جيدة يمكن البناء عليها.
{ من خلال متابعتك للمنتخبات العربية المشاركة في البطولة، ما أبرز الفوارق التي لمستها بين منتخبنا وبقية المنتخبات، سواء من الناحية الفنية أو البدنية أو السلوكية؟
- المنتخب المصري كان الأقوى والأكثر خبرة، فهو بطل إفريقيا في العام الماضي، كما شارك قبل البطولة بفترة قصيرة في نهائي إفريقي أمام نيجيريا.
لكن هذا لا يعني أن مبارياتنا أمام بقية المنتخبات كانت سهلة، رغم أن بعضها انتهى بنتيجة 3-0، فقد كانت المباريات تنافسية وفيها الكثير من التفاصيل.
كما أن جميع المنتخبات الستة المشاركة كانت لديها أجهزة فنية على مستوى عالٍ، وتضم مدربين من خيرة المدربين في المنطقة.
{ البطولات العربية العمرية تمنح اللاعب الناشئ فرصة للتعامل مع أجواء المنافسة والضغط والاحتكاك الخارجي.. إلى أي مدى تعتقد أن مثل هذه البطولات تسهم في تسريع عملية نضج اللاعب؟
- في السابق كانت البطولات الخليجية والعربية تشكل جزءا من مرحلة تأسيس اللاعب وتكوينه، أما اليوم فأصبحت البطولات العربية محطة أساسية في تكوين شخصية اللاعب وتأهيله للمشاركات الآسيوية.
كل مشاركة خارجية تمنح اللاعب خبرة جديدة، وتجعله أكثر قدرة على التعامل مع المنافسة والضغط والاحتكاك بلاعبين من مدارس مختلفة.
{ بعد انتهاء البطولة العربية، ما أكثر جانب تعتقد أن لاعبينا يحتاجون إلى تطويره حتى يكونوا أكثر قدرة على الانتقال إلى مستويات أعلى في السنوات المقبلة؟
- أهم شيء هو مواصلة العمل وعدم الاكتفاء بما تحقق، لأن هذه ليست النهاية وإنما بداية الطريق الصحيح.
نحتاج إلى تكثيف المشاركات والمعسكرات، والعمل بصورة أكبر على تطوير الجانب البدني والذهني، إلى جانب الاستمرار في تطوير المهارات الفنية.
{ من واقع تجربتك الطويلة، لو طلب منك تحديد ثلاثة أمور يجب أن تتغير أو تتطور في منظومة إعداد منتخبات الفئات العمرية في البحرين، ماذا ستختار؟
- أولا، الاستقرار الفني والإداري، مع إجراء تقييم دوري للعمل الذي يقوم به الجميع.
ثانياً، إحداث نقلة نوعية في المعسكرات واستغلال فترات التوقف والمناسبات المختلفة بصورة أفضل لتنظيم التجمعات وبرامج الإعداد.
وثالثاً، مواصلة العمل الاستراتيجي المبني على أسس ومعايير واضحة في اختيار اللاعبين، بحيث تكون عملية إعداد الفئات العمرية مرتبطة في المقام الأول باحتياجات المنتخب الأول.
انتهى الحوار مع المحروس الذي يرى أن نجاح العمل مع الفئات العمرية لا يقاس بالنتائج وحدها، وإنما بقدرته على صناعة لاعبين يصلون إلى المنتخب الأول، مؤكدا أن الاستقرار، وتكثيف المعسكرات والمشاركات، وحسن اختيار اللاعبين، تمثل ركائز أساسية لبناء جيل قادر على مواصلة مسيرة الكرة الطائرة البحرينية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك