لا مجال للتلاعب بالاستقرار المالي والعقوبات الرادعة تحمي المجتمع
إخفاء البيانات والفواتير غير الصحيحة أبرز أساليب التهرب
«التصالح» لا يسقط درس الالتزام ويرسخ ثقافة الالتزام تحت مظلة القانون

أكَّد رئيسُ النيابة رئيس وحدةَ جرائم التهرب الضريبي أحمد عبد الله الرمضان أن الوحدةَ، منذ إنشائها بقرار من النائب العام قبل خمس سنوات، أسهمت في تعزيزِ حماية الاقتصاد الوطني والتصدِّي لمختلف صور التهرب الضريبي والتهريب الجمركي، من خلال التحقيق في القضايا المعقدة وملاحقة المتهمين ومتحصلات الجرائم، إلى جانب متابعة القضايا المحالة إلى المحاكم والتنسيق مع الجهات المختصة لضمان استرداد حقوق الدولة.
وكشف الرمضان، في حوار مع «أخبار الخليج»، أن وحدةَ جرائم التهرب الضريبي باشرت 273 قضية منذ إنشائها وحتى نهاية عام 2025، شملت متهمين من جنسيات عربيَّة وأجنبيَّة ومختلف أنواع الكيانات التجاريَّة، فيما تجاوز إجمالي المبالغ التي ساهمت إجراءات الوحدة في تأمينها واستردادها عبر المسارين القضائي والتصالح 11 مليون دينار بحريني.
وأوضح أن الوحدةَ تعملُ ضمن منظومة وطنيَّة متكاملة وتحت إشراف مباشر من النائب العام الدكتور علي بن فضل البوعينين، بالتنسيق مع الجهاز الوطني للإيرادات وشؤون الجمارك والمركز الوطني للتحريات المالية وإدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية وغيرها من الجهات ذات الصلة، مشيرًا إلى أن التعاون لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يشمل الاجتماعات الدورية وتحليل البيانات لضمان سرعة ودقة الإجراءات.
وحذَّر من تنوُّع أساليب التهرب، وفي مقدمتها إخفاء البيانات المالية، وتقديم فواتير أو بيانات غير صحيحة، وعدم التسجيل الضريبي رغم بلوغ النصاب القانوني، إضافة إلى تحصيل ضريبة القيمة المضافة من العملاء دون توريدها إلى الجهات المختصة، أو استرداد مبالغ ضريبية من دون وجه حق.
وأشار إلى أن التحوُّلَ الرقمي عزز قدرةَ الجهات المختصة على كشف التجاوزات من خلال تحليل البيانات المالية وحركة المبيعات والمشتريات وتقارير نقاط البيع وسجلات المخزون، مؤكدًا أن التشريعات البحرينية تتضمن عقوبات رادعة تصل في بعض الحالات إلى السجن مدة 5 سنوات، وتُضاعف عند العودة، فضلًا عن الغرامات والمصادرة وإلزام المخالف بسداد المستحقات، وإليكم نص الحوار:
*مرت خمس سنوات على إصدار النائب العام قرار إنشاء (وحدة جرائم التهرب الضريبي). كيف تقيِّم دور الوحدة في حماية الاقتصاد الوطني منذ تأسيسها؟
- بعد مرور خمس سنوات على قرار النائب العام بإنشاء وحدة جرائم التهرب الضريبي، يمكننا القول بكل ثقة بأن هذا القرار لم ينشأ مجرد كيان إداري، بل أطلق منظومة أمان استراتيجية تتجاوز لغة الأرقام، وتعزز العلاقة بين التاجر والدولة والمجتمع، لقد أدت وحدة جرائم التهرب الضريبي الدور المناط بها، حيث باشرت التحقيق في عديد من القضايا وتمكنت من حل القضايا المعقدة وملاحقة المجرمين ومتحصلات الجريمة، ولا يقتصر دور الوحدة على مباشرة إجراءات التحقيق فقط، بل يمتد أيضًا إلى متابعة كل قضاياها المنظورة أمام المحاكم الجنائية بالتنسيق مع نيابة الاستئناف للطعن على الأحكام التي تستوجب ذلك.
وعليه، نجحت الوحدة في أن تكون إحدى صمامات الأمان التي تحمي مكتسبات الوطن من أي تلاعب قد يهز استقراره المالي، إذ أصبح الجميع يدرك أن التهرب الضريبي جريمة بحق الوطن والمواطن، مما يعزز شفافية الاقتصاد ويعطي المواطن الاطمئنان بأن كل مساهمة يدفعها تجد طريقها الصحيح لبناء مستقبل أبنائه في الصحة والتعليم والبنية التحتية.
*كيف تنسِّق الوحدة عملها مع الجهات الرقابية الأخرى؟
- تعمل الوحدة تحت إشراف مباشر وحثيث من النائب العام الدكتور علي بن فضل البوعينين والذي يؤكد ضرورة العمل كفريق وطني متكامل بالتعاون مع الجهات المختصة والمعنية، مثل الجهاز الوطني للإيرادات وشؤون الجمارك، المركز الوطني للتحريات المالية، إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية، وغيرها من الجهات ذات الصلة، وذلك كون الوحدة محركا أساسيا في منظومة وطنية تهدف إلى حماية الوطن والمواطن.
ويتجاوز هذا التعاون مجرد تبادل المراسلات الورقية، إذ يتم تنظيم اجتماعات دورية بين الوحدة وباقي الجهات لتبادل المعلومات والبيانات وتحليلها لضمان عدم ضياع الحقائق وسط التعقيدات المالية، وضمان سير كل قضية عبر مسار قانوني دقيق وسريع ضمن إطار قانوني يحفظ سلامة الإجراءات وسرعتها، مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق العدالة الناجزة دون الإخلال بحقوق الأطراف أو الدولة.
*ما أبرز الأساليب التي يعتمد عليها المتهربون ضريبيًّا حاليًا؟
- للأسف يلجأ البعض إلى أساليب متنوعة لارتكاب جرائم التهرب الضريبي أو التهريب الجمركي لعل من أبرزها إخفاء بعض البيانات المالية عن الجهات المختصة أو تقديم بيانات أو فواتير غير صحيحة، أو عدم التسجيل لأغراض الضريبة رغم بلوغ النصاب القانوني، بيد أن أخطرها هو أسلوب التحصيل دون التوريد، حيث يقوم التاجر بتحصيل القيمة المضافة من العملاء من دون توريدها للجهاز الوطني للإيرادات محتفظًا بها لنفسه كربح غير مشروع، وهناك أسلوب آخر لا يقل خطورة عن سالفه، وهو استرداد مبالغ قيمة مضافة دون وجه حق عن طريق تقديم بيانات غير صحيحة للجهات المعنية.
*ما الأضرار الناتجة عن أساليب التهرب الضريبي التي يتخذها المتهربون ضريبيًّا؟
- الضرر الناجم عن عمليات التهرب الضريبي يعد ضررًا ماليًّا يؤثر بلا شك في مقدرات الوطن، إذ إن المتهربين يقومون فعليًّا بأخذ القيمة المضافة من العملاء عند الشراء ويحتفظون بها لأنفسهم، ومن هنا يأتي دور الوحدة بالتنسيق مع الجهات المختصة للكشف عن هذا التلاعب وإعادة الأمانة إلى مسارها الصحيح.
*هل يقتصر دور الوحدة على تلقي البلاغات من الجهات المعنية أم يمتد ليشمل الرصد الاستباقي؟
- تعتمد الوحدة على استراتيجية مزدوجة تجمع بين الرصد الاستباقي وتلقي البلاغات من الجهات المختصة، ويقصد بالرصد الاستباقي إنه في حال اكتشاف الوحدة من خلال القضايا المعروضة على النيابة العامة وجود شبهة جريمة تهرب من الضريبة الانتقائية أو ضريبة القيمة المضافة أو تهريب جمركي، فإنها تباشر تحليل تلك الشبهات وإخطار الجهات ذات الصلة بها للنظر في شأنها واتخاذ ما يلزم حيالها.
وتمكن هذه الآلية الوحدة من التحرك في وقت مبكر، بما يتيح بدء الإجراءات في أوقات قياسية قبل تمكن الجناة من إخفاء معالم الجريمة أو التصرف في أصولهم.
ومن جهة أخرى، تتلقى الوحدة الشكاوى من الجهات المعنية، وفي مقدمتها الجهاز الوطني للإيرادات، وشؤون الجمارك، والمركز الوطني للتحريات المالية وإدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية بالإدارة العامة لمكافحة الفساد والأمن الاقتصادي والإلكتروني، بما يعزز التكامل المؤسسي في مكافحة جرائم التهرب الضريبي والتهريب الجمركي.
وتجدر الإشارة إلى أن دور الوحدة لا يقتصر في تلقي الشكاوى ومباشرة التحقيق فيها فحسب، وإنما يمتد دورها إلى ما هو أبعد من ذلك وهو متابعة مستجدات تلك القضايا في المحاكم ومع الجهات المعنية؛ أي المستجدات التي تمت بعد إحالة القضايا إلى المحاكم - كقيام المتهمين بالتصالح مع الجهات المعنية، ففي هذه الحالة تقوم الوحدة بدورها في عرض التصالح على المحاكم المختصة تمهيدًا لاتخاذ اللازم بشأنها، وكذلك التنسيق مع نيابة التنفيذ من أجل تنفيذ الأحكام النهائية الباتة لتحقيق الردع الخاص والعام.
*هل يمكن للمواطن أو المقيم الإبلاغ عن حالات اشتباه بالتهرب الضريبي وهل هناك ضمانات مقدمة لحماية المبلِّغين؟
بلا شك، المواطنون والمقيمون هم شركاؤنا في حماية هذا الوطن، وقد سبق وأن باشرنا شكاوى تهرب ضريبي وتهريب جمركي كان أساسها بلاغات من مواطنين ومقيمين، وعليه فإنه يحق لكل شخص، بل ومن واجبه الإبلاغ عن أي ممارسات يشتبه في كونها تهريبًا جمركيًّا أو تهربًا ضريبيًا، وفي سياق متصل تجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة تتبع بروتوكولات تضمن سرية بيانات المبلغين والشهود وفقًا للإجراءات المتبعة قانونًا كبرنامج حماية الشهود.
*هل ساهم التحول الرقمي في كشف جرائم التهرب الضريبي أم ضاعف تحديات ضبطها؟
- لا شك أن التحول الرقمي شكّل نقطة تحول جوهرية في مكافحة جرائم التهرب الضريبي، إذ لم يعد المجال مفتوحًا لإخفاء البيانات أو التلاعب بالفواتير والسجلات كما كان يحدث في النظم التقليدية المعتمدة على المعاملات الورقية، فقد أصبحت التكنولوجيا أداة فعالة لتعزيز الشفافية وإحكام الرقابة، من خلال أنظمة تحليل البيانات المالية التي ترصد حركة المشتريات والمبيعات، وتقارير نقاط البيع، وسجلات المخزون، وغيرها من المؤشرات الرقمية، مما أسهم في تسريع وتيرة الكشف عن جرائم التهرب الضريبي ومرتكبيها.
*كم عدد قضايا التهرب الضريبي التي تعاملت معها الوحدة منذ التأسيس؟
- باشرت وحدة جرائم التهرب الضريبي 273 قضية منذ إنشائها حتى نهاية عام 2025، وتضمنت هذه القضايا متهمين من جنسيات عربية وأجنبية، كما شملت مختلف أنواع الكيانات الاعتبارية، الصغيرة منها والكبيرة.
غير أن الأهم من عدد القضايا هو نوعية الاستجابة لها، إذ يتم التعامل مع كل قضية بدقة وشفافية وخصوصية تامة، مع التركيز على جودة التحقيق بما يضمن حقوق جميع الأطراف في إطار سيادة القانون، ويكفل تقديم الجناة إلى القضاء في قضايا لا تدع مجالًا للإفلات من العقاب.
وأشير هنا أن هذا العدد من القضايا يعكس بلا شك جهود المختصين في الكشف عنها وعلى الأخص الجهاز الوطني للإيرادات، وقد بادر كثير من المتهمين بسداد المبالغ المتهرب منها والغرامات الإدارية طلبًا للتصالح وتصحيح أوضاعهم، تجنبًا للمساءلة القانونية.
ويأتي ذلك في سياق توجه تشريعي تبنّاه المشرّع البحريني خلال العقد الأخير، بل ومنذ فترة تسبق ذلك في بعض التشريعات، نحو الأخذ بمفاهيم السياسة العقابية الحديثة، من خلال تقرير نظم الصلح والتصالح والتسوية الجنائية في عدد من التشريعات، وإتاحة تطبيقها في بعض مراحل الدعوى الجنائية، بما يسهم في سرعة حسم المنازعات الجنائية، ومعالجة الآثار القانونية والمالية المترتبة عليها، في إطار الضوابط التي يحددها القانون.
*ما حجم المبالغ التي تم تحصيلها أو استردادها نتيجة هذه القضايا؟
- بلغ إجمالي المبالغ التي ساهمت إجراءات وحدة جرائم التهرب الضريبي بالنيابة العامة في تأمينها واستردادها أكثر من 11 مليون دينار بحريني وذلك عن طريق المسارين، المسار القضائي ومسار التصالح، وهذه الأموال في حقيقتها إيرادات عامة تعود إلى الخزانة العامة للدولة، بما يسهم في دعم الموازنة العامة وتعزيز قدرة الدولة على تمويل المشروعات التنموية والخدمات الأساسية. فعند الحديث عن المبالغ المستردة، فإننا نتحدث عن ترسيخ مبدأ العدالة الضريبية وتخفيف الأعباء عن الملتزمين بأداء ما عليهم من مستحقات، إذ كلما ارتفع مستوى الامتثال الضريبي، تعززت قدرة الدولة على الارتقاء بجودة الخدمات العامة.
*ما أبرز العقوبات القانونية التي تواجه المتورطين في جرائم التهرب الضريبي وهل التشريعات الحالية رادعة بما يكفي؟
- التشريعات المنظمة لأحكام جرائم التهرب الضريبي والتهريب الجمركي في مملكة البحرين هي تشريعات حديثة ومتطورة وتوازن بين الحزم والعدالة، والعقوبات تشمل السجن الذي يصل إلى 5 سنوات، وفي حالة العودة يضاعف هذا الحد، والحبس الذي يصل إلى 3 سنوات والغرامات التي قد تصل إلى ضعف قيمة الضريبة المتهرب منها، بالإضافة إلى أحكام المصادرة وإلزام المحكوم عليهم بسداد الضريبة المستحقة.
وبالتالي فالإجابة عن هذا السؤال هي نعم، التشريعات رادعة، إلا أن هدفها ليس العقاب فحسب، بل تقدم رسالة واضحة مفادها أن المبلغ الذي يوفره التاجر المتهرب اليوم بالتحايل قد يدفع أضعافه غدًا كغرامات، بالإضافة إلى خسارة السمعة التجارية، ونحن نؤمن بأن الردع هو وسيلة لحماية المجتمع، والتشريعات الرادعة هي الأداة التي نضمن بها عدم المساس بالأمن الاقتصادي.
*متى يتم اللجوء إلى التصالح وما شروطه؟
- التصالح هو حق قانوني أعطاه المشرع البحريني للجهات المعنية وهي الجهاز الوطني للإيرادات وشؤون الجمارك، فهو سبيل لتصحيح السلوك المخالف وفرصة لتجنب العقوبة، حيث يتم اللجوء إلى التصالح انطلاقًا من فلسفة اقتصادية حكيمة هادفة لاسترداد المال العام مع الحفاظ على استمرارية الكيانات التجارية والمحافظة عليه، وتوجد عدة شروط لقبول التصالح ولعل من أهمها سداد كامل مبالغ الضريبة المتهرب منها والغرامات الإدارية بالإضافة إلى باقي الشروط المقررة قانونًا، فالهدف من التصالح هو استرداد حق الدولة والمجتمع، ولتحقيق هذا الهدف يمنح القانون فرصة للمتهربين لتعديل أوضاعهم واستمرار عملهم بشكل قانوني وسليم، وتجدر الإشارة إلى أن التصالح يسقط الدعوى الجنائية، ولكنه لا يسقط درس الالتزام، إذ إننا نشجع المبادرة إلى طلب التصالح لما لذلك من أثر في سرعة استرداد المستحقات وترسيخ ثقافة الالتزام الضريبي والعمل تحت مظلة القانون.
*ما دور الوحدة في نشر الوعي الضريبي بين الأفراد والمؤسسات والتعاون مع مأموري الضبط؟
- نؤمن في النيابة العامة بأن الوقاية خير من العلاج وأن المعرفة هي أساس الامتثال، لذلك فإن دور الوحدة لا ينتهي بانتهاء التحقيقات، بل يمتد إلى عقد اجتماعات دورية وورش عمل ودورات وندوات لتبادل الخبرات مع الجهات ذات الصلة وتدريب مأموري الضبط القضائي المختصين، إضافة إلى نشر التصريحات بأحكام المحاكم الجنائية في قضايا التهرب الضريبي والتهريب الجمركي لتعزيز الوعي في المجتمع وصولًا إلى بناء جسور ثقة وتحويل نظرة الخشية من القانون فقط إلى نظرة احترام القانون، ليبقى مجتمعنا البحريني نموذجًا يحتذى به في النزاهة والمسؤولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك