رئيس الجمعية لـ«أخبار الخليج»: أكثر من ثلثي المستفيدين أكملوا البرنامج التأهيلي بدعم أسري و30% نسبة الانتكاسة
الإدمان يبدأ بفضول.. والعزلة مؤشر خطر.. وأصدقاء الماضي محفزات للعودة

كتبت: ياسمين العقيدات
تصوير: عبدالأمير السلاطنة
لا تنتهي رحلة التعافي من الإدمان عند مغادرة البرنامج العلاجي، بل تبدأ بعدها مرحلة جديدة لا تقل أهمية، يكون فيها المتعافي أمام تحدي إعادة بناء حياته وعلاقاته، فيما تجد الأسرة نفسها أمام معادلة دقيقة بين الرغبة في الحماية والخوف من تكرار التجربة، وبين ضرورة منح الثقة والحفاظ على حدود صحية واضحة.
وقد تكون الأسرة أحد أهم عوامل النجاح والاستقرار، كما يمكن أن تتحول، من دون قصد، إلى مصدر إضافي للضغط إذا غابت المعرفة بأساليب التعامل الصحيحة فالمراقبة المفرطة قد تخلق حالة من التوتر والمقاومة، والثقة المطلقة قد تؤدي إلى إغفال مؤشرات تستدعي الانتباه، بينما يمثل التوازن بين الدعم والمتابعة والحوار أحد أهم عناصر الحفاظ على مسار التعافي.
وفي هذا السياق، نظمت جمعية التعافي من الإدمان ورشة توعوية بعنوان «كيف تتعامل الأسرة مع المدمن والمتعافي»، بهدف تعزيز وعي الأسر بأساليب التعامل السليم، وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالإدمان، وتأكيد أن الأسرة ليست مجرد طرف يراقب رحلة العلاج من الخارج، بل شريكا أساسيا فيها.
وتناولت الورشة كيفية بناء علاقة صحية مع المتعافي، ووضع حدود واضحة ومتوازنة، وتقديم الدعم المناسب بعيدًا عن القسوة في الرقابة أو الإفراط في الثقة، إلى جانب مساعدة الأسر على فهم طبيعة الإدمان ومؤشراته والعوامل التي قد تهدد استمرار التعافي.
دعم أسري
وأكد عادل بوصيبع، رئيس مجلس إدارة جمعية التعافي من الإدمان، لـ«أخبار الخليج»، أن النسبة التقريبية للمستفيدين الذين أكملوا البرنامج التأهيلي في الجمعية، وحظوا في الوقت نفسه باهتمام ومتابعة أسرهم وفق الخطة المتفق عليها مع المعالجين، تتجاوز ثلثي المستفيدين من هذه الفئة.
وقال: إن هذه النسبة تعكس أهمية الدور الذي تؤديه الأسرة خلال مراحل التأهيل والتعافي، إذ إن وجود بيئة أسرية واعية بالخطة العلاجية، وقادرة على التعامل مع المتعافي بصورة متوازنة، يمثل عنصرًا مهمًا في دعمه ومساعدته على الاستمرار.
وأوضح أن عدد الأسر التي استفادت من الورش التوعوية الخاصة بالتعامل مع المدمن والمتعافي يبلغ حاليًا نحو 40 أسرة، من خلال حضور أفرادها ومشاركتهم في البرامج التي تنظمها الجمعية، متوقعًا مضاعفة العدد بحلول نهاية العام الجاري.
وأشار إلى أن نسبة الانتكاسة بين مستفيدي البرنامج التأهيلي تبلغ نحو 30%، موضحًا أن هناك مجموعة من الأسباب والعوامل المرتبطة بها، ويأتي محور الأسرة ضمن أهم هذه المحاور، لما للبيئة الأسرية من تأثير مباشر في حياة المتعافي واستقراره بعد انتهاء البرنامج التأهيلي.
وبيّن أن الورش التوعوية تنعقد عادة بمعدل يتراوح بين ثلاث وأربع مرات سنويًا، بما يتيح لأسر المستفيدين فرصة المشاركة والاستفادة من مضامينها، والتعرف على أفضل أساليب التعامل مع الشخص خلال مراحل العلاج والتعافي.
وأضاف أن الجمعية تتوقع أن يستفيد نحو 200 شخص من خدماتها خلال العام الجاري، في إطار برامج التأهيل والتوعية والدعم التي تقدمها للمستفيدين وأسرهم.
الفضول
من جانبه، أكد إبراهيم عباس، مرشد تعافٍ، أن الإدمان مرض مزمن يتطلب علاجًا متخصصًا ومتابعة مستمرة، موضحًا أن أحد أبرز مفاهيمه يتمثل في فقدان السيطرة، سواء على تعاطي مادة أو ممارسة سلوك معين، وما يترتب على ذلك من آثار في السلوك والحياة والصحة العامة.
وأشار إلى أن فهم هذه الحقيقة يمثل خطوة أساسية في التعامل مع المشكلة، بعيدًا عن النظرة التي تختزل الإدمان في مجرد سلوك يمكن للشخص إيقافه بسهولة متى أراد.
وأوضح أن رحلة الإدمان قد تبدأ بخطوة تبدو بسيطة، بدافع الفضول أو الرغبة في التجربة، ثم تتطور بصورة تدريجية حتى يصل الشخص إلى مرحلة يصبح فيها أكثر اعتمادًا، ويحتاج إلى مساعدة متخصصة للخروج من المشكلة.
وأضاف أن تأثير الأصدقاء قد يكون من العوامل المؤثرة في بداية هذه الرحلة، كما قد تدفع الضغوط التي يمر بها الشخص في المنزل أو العمل أو الحياة بصورة عامة إلى البحث عن وسيلة يعتقد أنها تساعده على التعامل مع مشاعره أو التخلص من الضغط.
وقد يعتقد الشخص في البداية أن الأمر مجرد تجربة عابرة، أو أنه قادر على التوقف في أي وقت، إلا أن المشكلة قد تتطور تدريجيًا، ويزداد الاعتماد، حتى تصبح العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة من دون علاج ومتابعة.
مؤشرات لا ينبغي تجاهلها
وأوضح عباس أن الإدمان لا يرتبط بالمادة وحدها، وإنما يرافقه في كثير من الأحيان تغير واضح في سلوك الشخص وعلاقاته وطريقة تعامله مع محيطه.
ومن أبرز هذه التغيرات، وفقًا له، الانسحاب والعزلة والابتعاد عن الأسرة والأصدقاء، والانكفاء على الذات، إلى جانب تراجع الأداء في الدراسة أو العمل وإهمال المسؤوليات وتدهور العلاقات الأسرية والاجتماعية.
وأضاف أن الشخص قد يلجأ إلى إخفاء الحقيقة عن أسرته والمقربين منه، ويبدأ في بناء دائرة من الأسرار، وهو ما قد يجعل اكتشاف المشكلة أكثر صعوبة في مراحلها الأولى.
وأشار إلى أن الأسرة قد تلاحظ أن الشخص الذي كان ملتزمًا في دراسته أو عمله ومسؤولياته أصبح مختلفًا في سلوكه، فيتراجع أداؤه، وتتغير علاقاته، أو يهمل بعض التزاماته، من دون أن تكون الصورة الكاملة واضحة في البداية.
كما قد تظهر تغيرات في المزاج، مثل العصبية الزائدة والتقلبات الحادة، أو تغير مفاجئ في طريقة التعامل مع الأسرة والمحيطين، مؤكدًا أن ظهور مجموعة من التغيرات في وقت واحد يستدعي الانتباه وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد أمور عابرة.
وأشار عباس إلى أن بعض الأسر قد لا تكتشف حقيقة المشكلة إلا بعد مرور فترة طويلة، وقد يمتد الأمر في بعض الحالات لسنوات، وهو ما يؤدي إلى مزيد من التعقيد.
وأوضح أن تأخر اكتشاف المشكلة يسمح باستمرار التغيرات وتوسع آثارها، بحيث لا تقتصر على جانب واحد من حياة الشخص، وإنما قد تمتد إلى صحته وعلاقاته وأدائه الدراسي أو الوظيفي ومسؤولياته اليومية.
وأكد أهمية الانتباه إلى التغيرات الواضحة التي تطرأ على الشخص، وعدم إغفالها أو التعامل معها بصورة منفصلة عن بقية المؤشرات، مشددًا على أن طلب المساعدة المتخصصة في وقت مبكر يساعد على التعامل مع المشكلة قبل أن تصبح أكثر تعقيدًا.
تهديد الأصدقاء
وحول أسباب الانتكاسة، قال عباس: إن الضغوط النفسية والحزن والخسارة والفشل قد تمثل تحديات حقيقية أمام الشخص المتعافي، وخصوصًا إذا لم يمتلك الوسائل المناسبة للتعامل معها.
وأوضح أن مرور المتعافي بمشاعر صعبة لا يعني بالضرورة عودته إلى السلوك السابق، إلا أن التعامل معها بصورة غير صحيحة قد يشكل خطرًا على استقراره، وهو ما يجعل من الضروري تعلم أساليب مختلفة للتعامل مع الضغوط.
وأشار إلى أن الأشخاص والأماكن والمواقف المرتبطة بالفترة السابقة تمثل من أبرز العوامل التي ينبغي الانتباه إليها، لما قد تحمله من ذكريات ومشاعر مرتبطة بتلك المرحلة.
وأوضح أن العودة إلى الأصدقاء السابقين أو وجوده في أماكن ارتبطت بالفترة الماضية قد يحرك الذكريات ويعيد مشاعر مرتبطة بها، ولذلك يحتاج المتعافي إلى بيئة مختلفة وعلاقات أكثر صحة ودعمًا.
وأكد أن بناء حياة جديدة يتطلب في بعض الأحيان الابتعاد عن دوائر قديمة، حتى وإن كانت تضم أشخاصًا قريبين، إذا كانت تلك العلاقات مرتبطة بفترة سابقة وتشكل عاملًا قد يهدد استقرار رحلة التعافي.
وشدد عباس على أن انتهاء البرنامج العلاجي أو مغادرة المركز لا يعني نهاية رحلة التعافي، مؤكدًا أن المتابعة المستمرة تمثل جزءًا أساسيًا من الحفاظ على الاستقرار.
وأوضح أن الشخص المتعافي يحتاج إلى خطة متابعة ورعاية، وأن أي مؤشرات مبكرة على وجود مشكلة ينبغي التعامل معها بسرعة، بدلًا من الانتظار حتى تتفاقم.
وأضاف أن التعامل المبكر مع مؤشرات الخطر يساعد على وضع خطة مناسبة والتدخل في الوقت المناسب، مؤكدًا أهمية الاستمرار في العلاج والمتابعة حتى بعد تحسن الحالة.
وأشار إلى أن مرحلة ما بعد العلاج تتطلب بناء حياة مختلفة، وعلاقات صحية، وبيئة آمنة، إلى جانب معرفة المحفزات والمواقف التي قد تشكل خطورة، وتعلم أساليب التعامل مع الضغوط.
وأكد عباس أن الأسرة تمثل مصدرًا مهمًا للدعم النفسي والاجتماعي، وأن توفير بيئة مستقرة وآمنة يساعد المتعافي على الاستمرار في رحلة التعافي.
وأوضح أن التعامل السليم يبدأ بالاستماع إلى الشخص باهتمام ومن دون إصدار أحكام، واعتماد الحوار الهادئ بدلًا من المواجهة والاتهام، وتشجيعه على التعبير عن مشاعره واحتياجاته.
وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة عدم التستر على المشكلة أو تبرير السلوكيات الخاطئة، مع الانتباه إلى أي مؤشرات تستدعي التدخل وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
وحذر من اللوم والإهانة، لما قد يسببه ذلك من زيادة الضغط والعزلة، كما حذر من السيطرة المفرطة والتفتيش المستمر، مؤكدًا أن الأسرة تحتاج إلى تحقيق التوازن بين الثقة والمتابعة، وبين الدعم ووضع الحدود.
وأشار إلى أن الدعم الحقيقي لا يعني القيام بمسؤوليات المتعافي بدلًا منه، وإنما مساعدته على الالتزام بخطة التعافي وتشجيعه على تحمل مسؤولياته بصورة تدريجية.
بناء الثقة
من جهته، أكد محمد بدر السيد، المستشار الأسري، أن المرحلة التي تلي التعافي تتطلب من المتعافي وأسرته العمل معًا من أجل إعادة بناء الثقة والتعامل مع المشاعر والمسؤوليات والتحديات.
وأوضح أن الثقة لا تعود بالكلمات، وإنما تبنى بالأفعال والتكرار والاستمرارية، فالمتعافي يحتاج إلى فرصة لإثبات التغيير، في حين تحتاج الأسرة إلى وقت لترميم ما خلفته التجربة السابقة من خوف وقلق، وأشار إلى أن منح المتعافي مساحة من الأمان بصورة تدريجية يمكن أن يكون خطوة مهمة في إعادة بناء العلاقة، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى وقت وصبر من جميع الأطراف.
وأضاف أن القلق والخوف على المتعافي مشاعر طبيعية لدى الأسرة، إلا أن تحويل هذا الخوف إلى تفتيش دائم أو مراقبة مستمرة قد يزيد الضغط على الجميع، وأكد أهمية استبدال الشك بالحوار الصريح، بحيث تستطيع الأسرة التعبير عن مخاوفها بطريقة داعمة، والاستماع في المقابل إلى ما يمر به المتعافي.
وبيّن بدر أن من أهم قواعد التعامل مع المرحلة الجديدة إسناد المسؤوليات وتشجيع المتعافي على الاعتماد على ذاته، مؤكدًا أن التعافي مسؤولية شخصية، وأن العودة إلى الحياة الطبيعية تحتاج إلى المبادرة والمشاركة وتحمل الواجبات.
وأوضح أن دعم الأسرة لا يعني القيام بمهام الشخص بدلًا منه، بل مساعدته على استعادة قدرته على إدارة حياته وتحمل نتائج أفعاله بصورة تدريجية.
وأشار إلى أن أي خلاف عائلي لا يعني بالضرورة رفض الأسرة لتعافي الشخص أو فشل رحلته، كما أن أي تغير في المزاج لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره عودة إلى المشكلة السابقة.
ودعا إلى التعامل مع المشكلات القائمة في وقتها، بعيدًا عن استدعاء ملفات الماضي، وأن تعمل الأسرة والمتعافي بوصفهم فريقًا واحدًا يواجه التحديات، بدلًا من أن يتحولوا إلى أطراف متقابلة.
قطع دوائر الماضي
وفيما يتعلق بكيفية تعامل المتعافي مع الحياة الجديدة، أكد بدر أهمية إدارة الوقت والفراغ، وإضافة عادات وأنشطة إيجابية جديدة، مثل ممارسة الرياضة والهوايات والعمل أو الدراسة والأنشطة الاجتماعية والتطوعية.
وأشار إلى أن بناء نمط حياة جديد يساعد الشخص على الابتعاد عن الأجواء والذكريات التي قد ترتبط بالماضي، ويمنحه بدائل إيجابية تساعده على الاستمرار.
كما شدد على أهمية إعادة النظر في بعض العلاقات والأماكن التي ارتبطت بالفترة السابقة، والعمل على بناء شبكة من العلاقات الصحية والداعمة.
وأكد ضرورة استمرار المتعافي في برنامج التعافي والإرشاد والمتابعة، وعدم الانقطاع عن الجلسات أو مجموعات الدعم، وخاصة عند مواجهة ضغوط أو تقلبات في المزاج أو تحديات قد تؤثر في استقراره.
وفي المقابل، دعا إلى تعزيز التواصل داخل الأسرة، وتخصيص وقت للحوار والأنشطة المشتركة، إلى جانب وضع قواعد واضحة للمسؤوليات والالتزامات والحدود المالية بما يتناسب مع ظروف المتعافي ومرحلته.
وتبقى الأسرة، وفق ما أكدته الورشة، في قلب معادلة التعافي؛ فبين الثقة والمتابعة، وبين الدعم والمساءلة، يحتاج المتعافي إلى بيئة واعية تمنحه فرصة حقيقية لبناء حياة جديدة.
فالتعافي لا يتوقف عند نهاية البرنامج العلاجي، بل هو رحلة مستمرة تحتاج إلى متابعة وفهم وصبر، وإلى أسرة تدرك أن دورها لا يقتصر على الخوف من الماضي، وإنما يمتد إلى المساهمة في بناء مستقبل مختلف، يقوم على الحوار والمسؤولية والثقة التي تُستعاد خطوة بعد أخرى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك