الغني والفقير يلهثان خلف المال.. ولكن لا نهاية لحاجات الغني!
كتب: محمد الساعي
تصوير - عبدالامير السلاطنة
أشار خبير الإنتاجية، الرئيس التنفيذي لمؤسسة جفكون للاستشارات، الدكتور أكبر جعفري إلى أن اجمالي الثروات التي يمتلكها العالم بما فيها الثروات تحت البحار وفي الجو وعلى الأرض وما تحتها، يبلغ حوالي 5 كوادرليون دولار (15 صفرا الى جانب الرقم 5).
في حين أن الثروات المستغلة والمتداولة فعلا في العالم لا تتجاوز 464 ترليون دولار، وهو ما يعادل 9% فقط من الثروات المتوافرة.
وتساءل الدكتور جعفري: طالما ان الخير وفير في العالم، فلماذا كل هذا التقاتل والتنافس والحروب على هذه الثروات؟
الجواب على ذلك جاء في المحاضرة التي ألقاها الدكتور أكبر جعفري بنادي الخريجين تحت عنوان (تاريخ صعود المال وانحرافه).
حيث أوضح بداية أن 50% من الثروات يملكها 1% من البشر! وهذا التقسيم يؤكد أن المشكلة ليست في توافر الثروات، وانما في تقسيمها. مع الإشارة هنا الى أنه لا يمكن ان نغفل عن دور هذه النسبة ممن يمتلكون الثروات في خلق المشاريع وتوفير فرص التنمية والعمل والتطور.
ويضيف الدكتور جعفري: في الواقع، هذه الإشكالية ليست بالجديدة، حيث ان تاريخ البشرية وللأسف، مليء بالتجارب والشواهد للاستغلال السلبي وغير العادل للثروات، وهو ما يجعل مسألة توزيع تلك الثروات يشوبها الكثير من الإشكاليات والقلق.
ولعل من المصادر المعتبرة في هذا الجانب هو ما خلص اليه عالم الرياضيات الإيطالي ولفريدو باريتو في بحوثه حول ثروات العالم، حيث وجد في بحث أجراه عام 1848 حول الثروات في دول العالم الثالث، أن 80% من الثروات يهيمن عليها 20% من السكان. وبعدها أعد بحثا مشابها حول الدول المتقدمة، والملفت انه توصل الى نسب متقاربة الى حد كبير. وهو ما يعني ان التوزيع السيئ للثروات يمثل نزعة بشرية وليس نزعة مناطقية او عرقية أو عقائدية. وان الأقلية غالبا ما تمتلك الجزء الأكبر من الثروات.
والمشكلة هنا أن هذه الفجوة بين الفقراء والاغنياء تتزايد، وعلى الرغم مما تشير اليه الدراسات من أن وضع الفقر في تحسن بنسبة تصل إلى 15%، فإن المشكلة تبقى في عدم التوازن والتجانس بين تلك الفجوة المتزايدة وبين هذا التحسن، والسبب في ذلك هو التسابق لاكتناز الثروات.
بداية الانحراف
وللخوض في تفاصيل هذه الإشكالية، ينتقل المحاضر الدكتور جعفري في رحلة تاريخية تبحث ما اذا كانت البشرية بحاجة الى هذه الصورة من اكتناز الثروات بشكل نتج عنه سوء استغلال الثروات. وفي هذا يقول:
تشير مصادر التاريخ الانثروبولوجي والآثار التي تعود الى حوالي 700 ألف سنة من عمر البشرية، خاصة في شرق افريقيا مثل كينيا واثيوبيا والصومال، أن البشر في ذلك الوقت اعتمدوا على محاصيل الغابات والصيد فقط.
ومع حدوث كوارث ومشاكل مثل الحروب والحرائق والجفاف وغيرها، بدأ الكثيرون في النزوح الى مناطق مجاورة مثل الجزيرة العربية واليمن وبلاد ما بين النهرين، واتخذوا من تلك المناطق موطنا لهم، وبدأوا في الزراعة والتطوير، حتى أسسوا حضارات كبرى، قبل أن ينزحوا شمالا الى الشام وضفاف النيل، وهي المنطقة التي تعرف بالهلال الخصيب. وهنا، لم يعد العمل مقتصرا على الصيد والزراعة، بل بدأ الانسان بالعمل الإنتاجي، واخترعوا العديد من أدوات ومعدات الإنتاج مثل العجلة والعربة. وهو ما انعكس إيجابا على تطوير الزراعة وعلى حجم الإنتاج. وحصلت وفرة في الموارد الغذائية ومواد البناء والتعمير والمواصلات. كما بدأوا في تحديد المواسم والمحاصيل، وتراكمت المعلومات، حتى ارتقت البشرية حضاريا وفكريا بشكل تدريجي. ومثلت مصر مركز انفجار الحضارة البشرية المادية، واوجدوا نظام إدارة الموارد البشرية والعمالة، وبدأت التخصصات والمهن المختلفة بالظهور. وكان الانسان يستغل قدراته العقلية للتطوير والتحضر. ولكن مع ارتفاع مستويات الإنتاج الى حد وجود فوائض من المواد الغذائية بشكل خاص.. بدأ الانحراف.
تنمية وتدمير
يشرح خبير الإنتاجية الدكتور أكبر جفعري ذلك بقوله: وفي الوقت الذي كان يفترض استغلال تلك الوفرة في الإنتاج للتخزين والتخطيط، بدأ البشر بالمقارنة والمفاضلة في الفائض، بل تحولت المقارنة مع الاخرين ظاهرة لدى الناس. وكانت هذه هي نقطة البدء والفساد الأخلاقي.
ولم يتوقف الأمر على الإنتاج الزراعي، توسعت ظاهرة المفاضلة والمقارنة والمفاخرة الى المعادن الثمينة خاصة الذهب. وهذا كان قبل الفراعنة بكثير. وبالتالي يمكن أن نخلص الى ان حضارة بلاد الرافدين أسهمت في الارتقاء بالذات البشرية والنزعة الإنسانية، وحتى النظام المصرفي والقوانين والدساتير والكتابة بدأ في هذه الحضارة. أي كانت مركز انفجار الحضارة البشرية الوجدانية.
ولكن بالمقابل وعلى الرغم من أن الحضارة في النيل -قبل الفراعنة بكثير- كانت متطورة في مجال التكنولوجيا وأدوات الإنتاج، فإن ذلك التطور في الإنتاج والفوائض اسهم للأسف في تعزيز نزعات الطمع الإنساني.
واستمر هذا الأمر مع تطور التعاملات بين البشر وتعقد المعاملات وانتشار التبادل والمقايضة، فمثلا كان الصياد يبادل صيده من السمك مع القمح الذي يحصده الفلاح. ثم زاد عدد الأطراف التي تدخل في المعاملة الواحدة، وكل له مصلحة واحتياجات مختلفة. فمثلا كان صاحب القمح يأخذ من صاحب الذرة من اجل ان يدفع لصاحب السمك. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، فتدريجيا دخلت الديون والقروض في المعاملات، وهو ما أسهم في تعقد المعاملات بشكل أكبر.
وهنا اضطر الانسان الى اعتماد الكتابة لتوثيق المعاملات والديون. وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول معاملة رسمية مكتوبة على لوحة تعود إلى سنة 2000 قبل الميلاد في بلاد الرافدين وتنص على ان (يدفع أميل ميرا 330 معيارا من الشعير لحامل هذه اللوحة عند وقت الحصاد).
واستمر تطور التعاملات، ليستمر معها وفي خط مواز حاجة متزايدة إلى أداوت لتنظيمها. وهنا ظهر صك العملات كخيار أمثل، وكانت أول عملة مصكوكة تعود الى 700 سنة قبل الميلاد، فيما ظهرت اول عملة ورقية في الصين قبل 767 سنة.
وفي خط مواز أيضا، ومع تطور المعاملات أكثر، كانت النزعات البشرية تتطور أيضا بين الأسوأ (مثل النهب) والأفضل (مثل المقايضة). وبين هذا وذاك ظهرت الاشتراكية. وهذا كان بداية لتحضر المدنية.
وبنفس الوقت زاد اكتناز الانسان للمال أكثر وأكثر. وبات الامر قرينا بالثراء والسلطة. وعلى الرغم من أنه كان وسيلة مهمة للتعاملات وبين الأفراد، خاصة بين المنتج والمستهلك، سرعان ما تحول وللأسف الى أداة للتفاخر والتكابر والصراع والايذاء.
وعلى عكس الانسان البدائي الذي يركز على يومه فقط، بات الانسان أكثر انشغالا بالماضي والمستقبل. وهذا ما جعل الانسان يخطط للأمام والمستقبل، ولكنه للأسف كثيرا ما يأخذ في حدوه هذا منعطفات جانبية. وهذه الإشكالية لا تزال مستمرة حتى اليوم. لذلك نجد الكثير من الاختراعات والأدوات التي تستخدم لنمو المجتمعات والاقتصادات، تستخدم أيضا لتدمير البشرية. فيما أصبحت الظواهر الثلاث (النهب، المقايضة، الاشتراكية) أكثر تقنينا مثل النهب والابتزاز السياسي والعسكري والتجاري كالعقوبات والتهديدات التي تفرض من دول على أخرى.
الأنا الكاذبة
إذن هي رحلة تاريخية طويلة استغرقها صعود المال البشري.. ثم انحرافه على امتداد مئات الآلاف من السنين. والاشكالية هنا أن هذا الانحراف يتطور مع الوقت، وهذا ما يشرحه الدكتور أكبر بقوله: بعد هذه التطورات، تولدت شخصية (الإيغو) أو (الأنا الكاذبة) لدى الانسان التي تعتبر المصدر لكل متاعب البشرية ومصدر الأفكار المؤذية.
وهنا نستحضر مقولة ألبرت أينشتاين: «كلما زادت المعرفة صغرت الأنا، وكلما قلت المعرفة كبرت الانا».
ووفقا لتقديرات الاختصاصيين، 95% من البشر يقضون 95% من الوقت بالتفكير في الماضي أو المستقبل اللذين يمثلان أمرا غير موجود سوى في فكر الانسان الذي تحركه الانا الكاذبة. وبالتالي فإن الانسان، ونتيجة لتفكيره بالماضي والمستقبل، وبغض النظر عن واقع وحجم الثروات التي عنده، يعيش حالة عدم استقرار وعدم امان وشعور بالخوف من شح الموارد. وهذا الخوف يتحول في الكثير من الحالات الى تهديد الآخرين لأنه منبع الجشع الاقتصادي. وهذا الجشع لا يأتي من الحاجة وانما من وهم الحاجة.
لذلك عندما ننظر الى مستوى الثروات الموجودة، وطريقة توزيعها، وأسلوب تفكير الثري، نجد ان الفقر يتجسد لدى الثري الذي يعاني من حاجة فكرية وهمية، وأن مصطلح الفقر المادي يجب الا يكون له وجود لان الثروات متوافرة، ولكن نتيجة الاكتناز والنهب والطمع وسوء توزيع الثروات، نجد هذا التفاوت الكبير في امتلاك تلك الثروات.
وبنفس الوقت، نجد أن كلا من الفقير والثري يلهثان وراء المال خوفا من المستقبل. وهذا ما يجعل كلاهما فقير لمزيد من المال! ولكن الفرق ان حاجة الفقير فعلية وقد يكون لها نهاية وحدود، وقد تنتهي خلال جيل واحد. وبالمقابل، فإن حاجة الثري الذي يعد هو الفقير الحقيقي، تعد حاجته نفسية لا تنتهي، وكلما امتلك ثروات أكبر، فإنه يبقى قلقا وراغبا في اكتناز المزيد. أي ان فقر الثري لا نهاية له، وهو يعيش ظرفا وهميا بعكس الفقير الحقيقي.
ووفقا لنظرية ابن خلدون، فإن الكثير من الأثرياء المكتنزين للمال يحتاجون الى ما لا يقل عن أربعة أجيال قبل ان يصل وضعهم الى التراجع والهلاك، حيث يستمر الثري في الاختزان والتكديس لأبنائه الذين يلهون بالمال، ويورثون ذلك للأحفاد وصولا الى الحفيد الرابع الذي يصل في النهاية الى مرحلة الحاجة بعد ضياع تلك الاموال، وتصبح الحاجة الوهمية حقيقية.
العقيدة.. والصحوة
الأمر لا يقتصر في انحراف المال على استغلال الجانب الاقتصادي والآخرين لمضاعفة الثروات، بل امتد الى استغلال العقائد لتحقيق هذه المآرب. ووفقا لما طرحه الدكتور أكبر، فإنه في الوقت الذي تلعب فيه العقائد دورا محوريا في التنوير وتصحيح الانحرافات والأفكار الخاطئة، فإن البعض استغل المبالغة العقائدية لإخراج السلوك والفكر البشري من إطاره السليم إلى الانحرافات، وحشروا العقيدة في انحرافاتهم.
وبالتالي فإن علاج هذا الوضع يتمثل في سلاح أساسي هو (الصحوة). وهذه الصحوة التي تتطلب وعيا كبيرا، بدأ الحديث عنها قبل 150عاما من خلال ظهور مدارس فكرية تعمل على اخراج الانسان من حيز الماضي والمستقبل الى حيز الحاضر. وهو ما يتطلب تنقيح العقائد وإنهاء سيادة الفكر الوهمي ووهم الماضي والمستقبل، والتركيز على الرجوع الى الذات الحاضرة والادراك الحسي بالحاضر، الامر الذي يخفف من حالة القلق والمعاناة التي يعيشها الثري والفقير في لهفتهما خلف المال.
ويتابع الدكتور جعفري: الكثير من الصراعات الاقتصادية تحدث لأسباب وحاجات وهمية، وتتطلب صحوة فكرية عميقة تؤثر على الأجيال بشكل تراكمي، وخاصة أن الدراسات تؤكد ان الانسان يحمل معاناة الماضي بشكل موروث منذ خلق النطفة. فمثلا حوالي 40% من تصرفات الانسان موروثة في الجينات وكأنها طوق في عنقه. وتتراوح بين الجوانب السلبية كالحسد والجشع وغيرها من النزعات، والجوانب الإيجابية مثل الطيبة والمشاركة والعطاء. في حين أن 25% من السلوكيات تكون مما تم توريثه في الطفولة حتى سن السابعة. و20% يكون مما اكتسبه والتقطه الانسان من المجتمع بشكل تراكمي بين عمر 7 سنوات و23 سنة. وما بقي من العمر يؤثر على التصرفات بنسبة 15% فقط.
وهذا ما يعني انه حتى التصرفات السلبية في المال هي موروثات مكتسبة. لذلك لا تستغرب أن نجد شخصا واجه جده مجاعة قبل مئات السنين، يعاني هو خوفا مبهما من الجوع والحاجة! وبالتالي يعيش حالة من الحرص على تكديس وكنز الأموال حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين. وهذه من المعضلات البشرية الأزلية.
وذات الأمر ينسحب على الحروب التي تنشب في كثير من الأحيان بسبب المصالح الاقتصادية والطمع والخوف من المجهول. كما أن اغلب المشاكل الاقتصادية لا تحدث بسبب شح الموارد، وانما نتيجة إرباك البشر لتلك الموارد واستنزافها وسوء استغلالها وسرقتها، ونقلها من المحتاج الى غير المحتاج. كل ذلك يعمق من إشكالية الاختلال في التوازن العالمي وفي توزيع الثروات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك