دول الخليج تخوض تحولات هيكلية للحد من الظاهرة
دراسات: الإنتاجية الفعلية في بعض مواقع العمل بدول المنطقة ساعة واحدة فقط!
تقرير: محمد الساعي
تعرف البطالة المقنّعة بأنها بيئة العمل التي يعمل بها أفراد ظاهريا ويتلقون أجوراً، لكن إنتاجيتهم تساوي الصفر أو قريبة منها، وهو ما يعني أنه إذا تم الاستغناء عنهم لا يتأثر حجم الإنتاج أو مستوى الخدمات المقدمة، لأن عدد العمال يزيد على الحاجة الفعلية للعمل.
وهناك بعد آخر للبطالة المقنعة وهي أن يتقاضى الشخص مرتبا مقابل وظيفة محدودة المهام أو لا تتناسب مع قدراته وإمكانياته وخبراته. وبالتالي لا يضيف أي إنتاجية حقيقية.
وتكمن خطورة البطالة المقنّعة في أنها أقل وضوحا وإمكانية للقياس، وهي تحمل الحكومة والمؤسسات تكاليف وأجور من دون عائد يذكر. لذلك قد يبدو سوق العمل مستقرا لأن معدلات التوظيف مرتفعة، بينما تكون الإنتاجية منخفضة. بمعنى آخر، في الوقت الذي تكون فيه أرقام البطالة التقليدية ظاهرة، فإن أرقام البطالة المقنّعة تختفي خلف أرقام التوظيف، ما يصعب قياس كلفتها الحقيقية.
وغالبا ما تتزايد البطالة المقنعة نتيجة سياسات التوظيف غير المبنية على الاحتياج الفعلي، والمحسوبية في التوظيف، وضعف التخطيط التنظيمي، وضعف أنظمة إدارة وتقييم الأداء. وأحيانا تكون بسبب التطوّر التكنولوجي والأتمتة من دون إعادة هيكلة، وخاصة مع وجود البيروقراطية.
مظاهر البطالة المقنعة
كما سبق، من الصعوبة قياس الحجم الحقيقي للبطالة المقنعة في مواقع العمل والمؤسسات، ولكن تُقدّر تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الحجم التقريبي للبطالة المقنّعة في الأجهزة الإدارية والقطاعات العامة بالدول النامية واقتصادات الريع بين 20% و40% من إجمالي موظفي القطاع العام، نتيجة سياسات التوظيف الاجتماعي وتضخم الهياكل التنظيمية والبيروقراطية.
وإجمالا، هناك عدة مظاهر للبطالة المقنعة من أبرزها:
- وجود عدد من الموظفين يفوق حاجة موقع العمل، بحيث يمكن الاستغناء عن جزء منهم من دون انخفاض ملموس في الإنتاج أو مستوى الخدمة.
- انخفاض ساعات العمل الفعلية، بحيث يقضي الموظف جزءاً كبيراً من ساعات الدوام من دون إنتاجية أو مهام حقيقية.
- عدم توافق المؤهلات مع الوظيفة، ما يؤدي إلى هدر رأس المال البشري. وهذا ما يشمل التوظيف في غير الاختصاص.
- استمرار بعض الوظائف لأسباب إدارية او اجتماعية على الرغم من عدم الحاجة الفعلية اليها.
- ضعف الإنتاجية الحقيقية رغم ارتفاع عدد العاملين، بحيث تكون كلفة الأجور أكبر من القيمة الاقتصادية التي يضيفها الموظفون.
- اللجوء الى التوظيف كحل اجتماعي واستيعاب الباحثين عن العمل رغم عدم وجود حاجة فعلية.
- بقاء الموظف في وظيفة سنوات من دون تطوير مهاراته أو توسيع مسؤولياته أو زيادة مرتبه.
- ارتفاع كلفة الأجور والمزايا مقارنة بالإنتاجية.
- توزيع المهام البسيطة على أكثر من شخص على الرغم من إمكانية إنجازها من قبل موظف واحد.
- البيروقراطية والبطء الإداري والروتين. مثل وجود عدد كبير من الموظفين يتعين عليهم التوقيع أو المراجعة على معاملة واحدة.
- كثرة اللجان والمسؤولين والمشرفين من دون وجود مهام ميدانية أو إنتاجية حقيقية.
التكنولوجيا
وفقا لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد ماكينزي العالمي، حول مستقبل الوظائف، فإن ما بين 30% و45% من المهام الوظيفية الروتينية الحالية عالمياً يُمكن أتمتتها بالكامل باستخدام التقنيات والذكاء الاصطناعي.
ومع وجود الموظفين الشاغلين لهذه الوظائف الروتينية من دون إعادة تأهيلهم أو الاستفادة منهم في مهام جديدة، فإن ذلك يُشكّل صورة حديثة للبطالة المقنّعة الرقمية في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء.
من هنا يمكن القول: إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يسهمان في إعادة تشكيل مفهوم البطالة المقنعة وتعزيزها، حيث أدت التطورات والأتمتة إلى تقليل الحاجة الى الجهد البشري في إنجاز الكثير من المهام، من دون أن يرافقه تخفيضٌ في أعداد الموظفين. وهو ما يعني أن إنتاجيتهم الفعلية تنخفض إلى مستويات متدنية، يقود الى وجود فائض مستتر في العمالة داخل المؤسسات.
وبالتالي إذا لم تواكب المؤسسات هذا التحول بإعادة تصميم الوظائف وتدريب العاملين ونقلهم إلى مجالات أكثر إنتاجية، قد يتحول الأمر الى بطالة مقنعة وعدم استغلال كاف لإمكانيات ومهارات الموظفين.
وهذا ما يعني أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في قدرة المؤسسة على اعتماد التكنولوجيا ذاتها، وإنما في تحويل العمالة التي أصبحت فائضة بسبب الأتمتة إلى قوة عمل جديدة أكثر إنتاجية.
بين العام والخاص
تاريخيا.. تتركز البطالة المقنّعة بصورة أكبر في القطاع العام وخصوصاً عندما تكون قرارات التوظيف مرتبطة بأهداف اجتماعية أو سياسية أكثر من ارتباطها بالإنتاجية والربحية، مع عدم وجود ضغوط كبيرة بشأن الربحية كما هو الحال في القطاع الخاص، يضاف الى ذلك صعوبة الاستغناء عن الموظفين في القطاع العام، وتضخم الهياكل الإدارية.
لكن يبقى القطاع الخاص ليس محصناً منها، وخاصة في الشركات العائلية والصغيرة، أو نتيجة قرارات توطين الوظائف، وكذلك عند الاندماج والاستحواذ بين الشركات.
وأيا كانت الأسباب، فإن البطالة المقنّعة لا تكلف الاقتصاد قيمة الرواتب المدفوعة فقط، بل تشمل «الكلفة الخفية» التي تقود إلى خسائر آجلة وغير الملموسة. ومن أبرز أبعاد هذه الكلفة:
- كلفة الأجور والمزايا وتأمينات الموظفين رغم تدني انتاجيتهم.
- خسارة الناتج المحلي المفترض نتيجة عدم استثمار مهارات وامكانيات الموظفين الاكفاء.
- ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض إنتاجية العمل مقارنة بعدد العاملين.
- هدر رأس المال البشري وارتفاع كلفة الفرصة البديلة. فكل موظف يعمل بأقل من طاقته يمثل موردًا بشريًا يمكن استخدامه في مكان آخر لإنتاج قيمة أكبر.
- إضعاف القدرة التنافسية للشركات.
- هدر فرص الاستثمار، لأن الأموال التي تُستهلك في أجور العمالة الفائضة يمكن توجيهها إلى الاستثمار في التكنولوجيا والتوسع والتطوير ومن ثم رفع الإنتاجية.
- التأثير على النمو الاقتصادي وخاصة إذا أصبحت البطالة المقنّعة واسعة النطاق. حيث تؤدي إلى انخفاض كفاءة استخدام أحد أهم عوامل الإنتاج، وهو العمل.
- انخفاض إنتاجية الجهاز الحكومي وهدر الموارد العامة.
- إخفاء مشكلة البطالة الحقيقية.
- ارتفاع أسعار المنتجات والخدمات نتيجة ارتفاع تكاليف العمالة.
- هدر فرص التطوير نتيجة توجيه الميزانيات الى رواتب غير منتجة.
- ضغط طويل الأجل على المالية العامة.
- تكاليف نفسية ومجتمعية. وهو جانب مهم لا يمكن اغفاله. فمثلا تعاني العمالة المقنّعة من الإحباط وفقدان الشغف والشعور بعدم الجدوى، ما يؤدي إلى مشكلات نفسية وصحية.
وقد تمتد العدوى لتؤدي إلى تراجع الروح المعنوية حتى عند الموظفين المنتجين. وغالبا ما تنتشر مشاعر الإحباط وفقدان الدافعية مع تراجع الطموح المهني، ونمو الشعور بعدم التقدير، وانتشار ثقافة اللامبالاة، مع فرص لزيادة التوتر والصراعات داخل بيئة العمل.
التسريح
السؤال البديهي هنا: هل تسريح الموظفين هو الحل؟
في الواقع، يؤكد الاقتصاديون أن هذه الخطوة لا تعتبر حلا للبطالة المقنعة، لأن المشكلة في كثير من الحالات ليست في عدد الموظفين فقط، وإنما في سوء توزيع الموارد البشرية وغياب التخطيط الفعال. فضلا عن أن التسريح أذا تم بصورة عشوائية قد يقود الى مشاكل اجتماعية واقتصادية ويضاعف من معدلات البطالة التقليدية. لذلك فإن المعيار هنا هو تحويل الموظف غير المستغل إلى موظف منتج قبل أن نحوله إلى عاطل عن العمل. وهناك خطوات قد تكون أكثر جدوى من التسريح، ومنها:
- إعادة توزيع الموظفين ونقل العمالة الفائضة الى أقسام لديها نقص في الكوادر.
- إعادة تأهيل الموظفين على مهارات جديدة تمكنهم من الانتقال إلى وظائف يحتاج إليها سوق العمل.
- إعادة تصميم الوظائف مثل تحويل الوظائف التقليدية إلى وظائف أكثر إنتاجية بدلًا من إلغائها.
- تجميد التوظيف الجديد.
- التحول إلى العمل القائم على النتائج، وقياس الموظف وفق ما ينجزه وليس فقط عدد ساعات وجوده في العمل.
- التقاعد المبكر أو الطوعي.
- الاستفادة من الموظفين في قطاعات جديدة.
ومتى ما فشلت جميع هذه الجهود في التخفيف من المشكلة، يمكن أن يكون التسريح آخر الخيارات، شريطة أن يكون القرار مبنيًا على دراسة واضحة للإنتاجية والكلفة والاحتياجات المستقبلية.
في الخليج
مشكلة البطالة المقنّعة في دول مجلس التعاون الخليجي لها ابعادها الخاصة المرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي والاجتماعي، والطفرة النفطية وتوسع دور الدولة. ومن منطلق مفهوم «الدولة الراعية»، تولت الحكومات الخليجية تاريخياً مسؤولية توفير الفرص الوظيفية للمواطنين كآلية لتوزيع الثروة النفطية وضمان الأمان الاجتماعي، ما أدى إلى تضخم الأجهزة الحكومية. وما عزز ذلك أيضا، وجود فجوة بين القطاعين العام والخاص وخاصة فيما يتعلق بالأجور والمميزات، واعتماد القطاع الخاص على العمالة الوافدة منخفضة التكلفة، ما خلق خللاً في توزيع القوى العاملة الوطنية وتكدسها في المكاتب الحكومية.
فمثلا أوضحت دراسة نشرتها مجلة الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة الكويت بعنوان (تقييم كفاءة أداء العاملين في القطاع الحكومي وأثر التوظيف الاجتماعي)، أن سياسة التوظيف الحكومي الرعائي المتبعة لاستيعاب الخريجين أدت إلى ظاهرة تكدس الموظفين في المكاتب. كما أن أكثر من 40% من المشاركين يرون أن وظائفهم لا تقدم قيمة مضافة فعلية الى مؤسساتهم.
ومن المهم الإشارة هنا الى ان ظاهرة البطالة المقنعة ليست حكرًا على دول الخليج، بل هي إشكالية توجد حتى في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. لكن خصوصية الخليج تكمن في هيكل سوق العمل، وارتفاع وزن الدولة في الاقتصاد، ووجود أعداد كبيرة من العمالة الوافدة إلى جانب المواطنين، ما يجعل تحليل البطالة المقنّعة أكثر تعقيدًا.
وحتى مع فرض الحكومات نسباً محددة لتوطين الوظائف، تلجأ بعض الشركات إلى التوظيف الصوري الذي يمثل شكلا مباشرا من أشكال البطالة المقنّعة.
فمثلا أكد تقرير لإدارة الموارد البشرية والإنتاجية بالرياض، استند الى دراسة مسحية وتحليلية لطاقات القوى العاملة وإنتاجية القطاع العام، أن نسبة ساعات العمل الفعلي للموظف في بعض قطاعات الجهاز الإداري البيروقراطي تتراوح بين ساعة وساعتين يومياً فقط من أصل 7-8 ساعات دوام.
بالمقابل، باتت دول الخليج تخوض تحولات هيكلية عميقة من خلال رؤاها التنموية للحد من هذه الظاهرة. وتعتمد في ذلك على:
- التحول الرقمي الشامل والأتمتة مثل تحويل الخدمات الحكومية إلى منصات رقمية متكاملة، ما يقلل الحاجة الى المراجعات المكتبية.
وأشارت دراسة أجرتها شركة ماكينزي عام 2020 بعنوان مستقبل العمل في دول مجلس التعاون الخليجي: الأتمتة وإعادة توزيع المهارات، إلى أن التحول الرقمي وأتمتة الخدمات الحكومية سيكشفان القيمة الصفرية لما يقارب من 45% من الوظائف الروتينية والإدارية في المؤسسات الحكومية والخاصة.
- إعادة هيكلة القطاع العام وتحويل العديد من الجهات الحكومية إلى شركات مملوكة للدولة تُدار بأسس تجارية تنافسية.
- التوطين الكيفي بدلاً من الكمي والتركيز على الوظائف ذات القيمة المضافة العالية، وتشديد الرقابة والتفتيش على ممارسات التوطين الوهمي.
- إعادة تأهيل وتدريب الكوادر.
- تشجيع ريادة الأعمال والعمل الحر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك