إعداد: محمد الساعي
عندما تتجه الى منصة الدفع في متجرك المفضل، غالبا ما يطلب منك الموظف رقم الهاتف او الرقم الشخصي، ليضيف سلة مشترياتك الى ملفك الشخصي بحجة الحصول على تخفيض او مكافأة للولاء.
ولكن في الواقع، الهدف أبعد من ذلك بكثير. فكل عملية شراء تقوم بها، فإنك تقدم من خلالها ومن دون أن تشعر، بيانات متكاملة يتم تحليلها بدقة واستخدامها لاحقا للتسويق ورفع المبيعات وتقديم عروض جاذبة لكل عميل على حدة وفقا لسلوكه الانفاقي وتفضيلاته.
لذلك، لم تعد عملية جمع وتحليل بيانات العملاء بالنسبة الى أقسام التسويق والعلاقات العامة في الشركات مجرد خيار ثانوي أو ترفا تلجأ اليه عند الحاجة. كما أنه في عصر الاقتصاد الرقمي، لم تعد المنافسة بين تلك الشركات تتوقف على جودة الخدمات والمنتجات فقط، بل أصبحت القدرة على فهم احتياجات وسلوكيات العميل معيارا أساسيا باعتبار هذه البيانات أحد أهم الأصول غير الملموسة التي تمتلكها الشركات، وأحد الأدوات المهمة التي تساعدها في اتخاذ قرارات مؤثرة وتطوير منتجات وخدمات تلبي توقعات المستهلكين، وبوصلة لتصميم الحملات التسويقية والعروض ورفع المبيعات.
ويتم جمع هذه البيانات عبر المواقع الالكترونية ومنصات البيع بشكل تراكمي او من خلال العمليات التي يقوم بها العميل، ليتم تحليلها وفرزها واستغلالها لاحقا في التسويق.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن الشركات التي تستثمر في تحليل بيانات العملاء تحقق أداءً ماليًا أفضل، لأنها تستطيع الوصول إلى العملاء المناسبين في الوقت المناسب. كما ان استخدام البيانات في التسويق قد يخفض كلفة اكتساب العملاء بنسبة تصل إلى 50%. وبنفس الوقت، يسهم الاستثمار في تحليلات البيانات إلى زيادة الأرباح التشغيلية بنحو 6%.
وهذا ما أكدته دراسة لشركة ماكنزي للاستشارات بعنوان (كيف تعزز تحليلات العملاء أداء الشركات)، حيث أظهرت أن الشركات التي تستخدم تحليلات بيانات العملاء بشكل مكثف تكون أكثر قدرة على تحقيق أرباح أعلى من منافسيها، وعلى تحقيق عائد استثمار مرتفع بمقدار 2.6 مرة مقارنة بالشركات الأقل استخدامًا للبيانات.
وبينت دراسة أخرى لنفس الشركة بعنوان (التخصيص الرقمي واسع النطاق: الكأس المقدسة للتسويق)، أن استخدام بيانات العملاء في التسويق الشخصي يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق التسويقي وخفض كلفة اكتساب العملاء، لأن الشركات تصبح أكثر قدرة على استهداف العملاء المناسبين بالعروض المناسبة.
وأكدت دراسة نشرتها مجلة Industrial Management & Data Systems عام 2021 أن استخدام بيانات العملاء والتفاعل معهم عبر المنصات الرقمية يساعد الشركات على تطوير قدراتها التسويقية وتحسين الأداء المؤسسي.
التسويق المخصص
تُعرف بيانات العملاء بأنها المعلومات التي تجمعها الشركات عن عملائها الحاليين أو المحتملين أثناء تواصلهم أو تفاعلهم معها، بهدف التعرف عليهم بشكل أفضل وفهم احتياجاتهم وسلوكهم الشرائي. وهذا ما يجعل البيانات بمثابة أصول تعتمد عليها الشركات في اتخاذ قراراتها التجارية، وتساعد على الانتقال من التسويق التقليدي العام للجميع، إلى التسويق المخصص الذي يقدم لكل عميل عروضًا ومنتجات تتناسب مع اهتماماته وسلوكه الشرائي.
ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، أصبحت بيانات العملاء تمثل عنصرًا استراتيجيًا في المنافسة بين الشركات، إذ لا تقتصر قيمتها على معرفة العميل، بل تمتد إلى التنبؤ بقراراته المستقبلية وتصميم استراتيجيات تسويقية أكثر كفاءة ودقة.
وتشمل بيانات العملاء:
1- البيانات الشخصية مثل الاسم والعمر والجنس ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني والعنوان وحتى الحالة الاجتماعية.
2- البيانات الديموغرافية مثل المهنة ومستوى الدخل والمستوى التعليمي. وهو ما يساعد الشركات على تقسيم العملاء إلى شرائح متشابهة واستهداف كل شريحة بما يناسبها.
3- البيانات السلوكية، وهي البند الأكثر أهمية كونها تعطي صورة عن تفضيلات وتصرفات العميل، وتشمل المنتجات التي يبحث عنها والصفحات التي يزورها وعدد مرات الشراء وتوقيت الشراء والمنتجات التي يضيفها إلى سلة التسوق ثم يتراجع عن شرائها.
4- بيانات المعاملات، مثل قيمة المشتريات وعدد الطلبات وطريقة الدفع والمنتجات الأكثر شراءً.
5- التفضيلات والاهتمامات والانطباعات، مثل العلامات التجارية المفضلة والألوان أو المقاسات والفئات التي يتابعها باستمرار ونوع العروض التي يستجيب لها.
مصادر البيانات
السؤال هنا: كيف تجمع الشركات بيانات العملاء؟
في الواقع، تلزم قوانين الكثير من الدول الشركات بإبلاغ العملاء بالبيانات التي يتم جمعها وكيفية استخدامها، وخاصة أنه لم تعد الشركات تعتمد فقط على المعلومات التي يقدمها العميل عند شراء منتج أو خدمة، بل أصبحت تستخدم مجموعة واسعة من الوسائل الرقمية والتقليدية لجمع البيانات وتحليلها عبر عدة آليات بهدف بناء صورة متكاملة عن اهتماماته وسلوكه الشرائي. ومن أبرز الطرق التي تعتمد عليها الشركات لجمع بيانات العملاء:
1- إنشاء الحسابات والتسجيل في المواقع الإلكترونية والتطبيقات، التي تطلب بيانات رئيسية من العميل.
2- رصد عمليات الشراء وسجل المعاملات، حيث تعتبر كل عملية شراء مصدرًا غنيًا للمعلومات، وتسجل فيها نوع المنتجات التي اشتراها العميل وقيمة المدفوعات وعدد مرات الشراء وطريقة الدفع وتوقيت الشراء والفروع تمت عبرها العملية. وبالتالي تحليل هذه البيانات يساعد في التعرف على أنماط الإنفاق والتنبؤ بالمشتريات المستقبلية.
3- المواقع الإلكترونية وملفات تعريف الارتباط. فعند زيارة الموقع الإلكتروني، غالبا ما تُستخدم ملفات تعريف الارتباط لتتبع نشاط المستخدم، بهدف معرفة تفضيلاته وعرض إعلانات ومنتجات تتوافق مع اهتماماته.
4- تطبيقات الهواتف الذكية التي توفق معلومات عن الموقع الجغرافي ونوع الجهاز ومدة استخدام التطبيق والأقسام الأكثر استخدامًا وعمليات الشراء داخل التطبيق.
5- برامج الولاء والمكافآت، وهي من أشبه بمصيدة للعميل، تشجعه على تقديم بياناته بدقة، وبذلك تجمع الشركات معلومات كافية عن المنتجات المفضلة ومعدل الإنفاق والمناسبات الخاصة مثل أعياد الميلاد، وبالتالي تعمد الى تقديم عروض ومكافآت مصممة لكل عميل.
6- تحليل سلوكك في منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الإعجابات والتعليقات والمشاركات ومفاتيح البحث.
7- الاستبانات واستطلاعات الرأي لمعرفة مستوى رضا العميل ونقاط القوة والضعف. واقتراحات التطوير وغيرها.
8- خدمة العملاء مثل المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، لمعرفة المشكلات والاحتياجات ومستوى الرضا.
9- الذكاء الاصطناعي وأدوات التحليل، بهدف فهم سلوك العملاء، وتوقع احتياجاتهم، ومن ثم تصميم حملات تسويقية مناسبة لكل عميل. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل أصبح شريكًا في صنع القرار.
من بيانات إلى قرارات
بعد جمع البيانات، تبدأ عملية تحويلها إلى أداة لزيادة المبيعات وإلى قرارات تسويقية. ومع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، أصبحت الشركات قادرة على تحويل ملايين البيانات إلى استراتيجيات ترفع المبيعات وتعزز ولاء العملاء، وذلك من خلال:
- تصميم عروض ترويجية خاصة لكل عميل وفقا لتفضيلاته وتاريخه الشرائي.
- التوصية بالمنتجات المناسبة بناء على تحليل المعلومات التي تم جمعها.
- تقسيم العملاء إلى شرائح مثل العمر والموقع ومستوى الدخل والاهتمامات، ومن ثم تصميم حملات تسويقية تناسب كل فئة، بدل تقديم حملات عامة للجميع.
- تحليل سلوك العميل للتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية قبل حتى ان يبدا بالبحث عنه.
- إعادة استهداف العملاء. فمثلا، هل صادف ان أضفت سلعة الى سلة التسوق ثم حذفتها او تجاهلتها، لتفاجئ بعدها بكم كبير من الإعلانات الجاذبة حول نفس السلعة؟ او رسائل تذكير بشأنها، او حتى خصومات حولها. هذه احدى أكثر الاستراتيجيات فعالية في استعادة العملاء وزيادة المبيعات.
- التسعير الذكي والديناميكي وفقا لسلوك العملاء وحجم الطلب والموسم والمخزون.
- قياس فعالية الحملات التسويقية من خلال مؤشرات مثل عدد مشاهدات الإعلان، ونسبة التحويل إلى عمليات شراء والفئات الأكثر تفاعلًا مع الحملة الاعلانية. ومن ثم إعادة تصميم او تعديل الحملة.
- تعزيز ولاء العملاء من خلال تقديم خصومات حصرية وعروض مبكرة تشعرهم بالتميز، وكذلك برامج المكافآت والهدايا في المناسبات.
- اكتشاف المشاكل وتحسين تجربة العميل.
وكل ما سبق يؤكد أن قوة أداء الشركات لم يعد يقاس فقط بما تمتلكه من مصانع أو أصول مادية، بل أيضًا بما تمتلكه من بيانات وقدرة على تحليلها وتوظيفها. وكلما امتلكت الشركة بيانات أكبر، وكانت أكثر قدرة على تحليلها وتوظيفها، كلما تمكنت من:
- زيادة المبيعات والإيرادات.
- خفض تكاليف التسويق.
- رفع كفاءة الحملات الإعلانية.
- تعزيز ولاء العملاء وتقليل كلفة الاحتفاظ بهم.
- تحسين إدارة المخزون.
- تطوير المنتجات والخدمات والابتكار.
- تحسين اتخاذ القرارات بدلًا من الاعتماد على الحدس أو الخبرة الشخصية.
- زيادة القدرة التنافسية من خلال فهم أعمق لمتغيرات السوق والاستجابة السريعة لها.
- تحقيق نمو مستدام من خلال الحفاظ على العملاء الحاليين والتوسع في أسواق جديدة وتلبية احتياجات العملاء وتحسين الكفاءة التشغيلية.
- بناء أصل غير ملموس. حيث تُعد «قاعدة البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي» في الاقتصاد الحديث أصلًا استراتيجيًا يرفع من قيمة الشركة.
الجانب المظلم
بالمقابل، يبقى هناك حذر ومخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن الرقمي والأخلاقيات. فكلما ازدادت كمية البيانات التي تجمعها الشركات، زادت أيضًا مسؤوليتها في حمايتها واستخدامها بشكل قانوني وشفاف.
ولم يخل الأمر من حالات حدث فيها تسريب البيانات واستغلالها من قبل أطراف أخرى، الأمر الذي دفع الكثير من الدول إلى تشديد التشريعات الخاصة بحماية البيانات الشخصية. ومن الاحتمالات السلبية في هذا الجانب:
- انتهاك الخصوصية مثل العنوان والاهتمامات وسجل التصفح في الانترنت وعمليات البحث.
- بيع البيانات أو مشاركتها مع أطراف أخرى. وهو ما حدث فعلا، حيث قد تلجأ بعض الشركات إلى مشاركة بيانات العملاء مع شركات إعلان أو جهات تجارية أخرى بهدف التسويق أو التحليل.
- الاختراقات وتسريب البيانات. فكثير من الشركات تكون عرضة جاذبية للهجمات الإلكترونية والحصول على معلومات الأفراد بما في ذلك بيانات بطاقات الدفع وأرقام الهواتف.
- التأثير والتلاعب بقرارات شراء العميل، مثل استغلال المناسبات الشخصية او الحالة النفسية لدفعه لشراء سلع معينة.
- التحيز في العروض والأسعار.
- فقدان ثقة العملاء.
- البيع غير القانوني للبيانات، حيث تقوم بعض الشركات ببيع بيانات عملائها لوسطاء بيانات ما يعرض البيانات للتداول في الأسواق السوداء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك