الخرطوم - (أ ف ب): تجوب مركبات عسكرية مزوّدة صواريخ شوارع الخرطوم حيث يتجوّل مسلحون شاهرين بنادقهم، رغم تأكيد الجيش انتهاء المعارك في العاصمة، ما يثير المخاوف من اندلاع نزاع جديد بعدما دمّرت الحرب المدينة وشرّدت الملايين. في العام الرابع من الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الحليفين السابقين، يستند الجيش الى تحالفات مع مجموعات مسلحة أخرى تثير الخشية من تكرار السيناريو ذاته. ويقول كاتب سوداني لوكالة فرانس برس طالبا عدم كشف هويته حفاظا على سلامته: «شاهدنا هذا السيناريو مرارا وتكرارا. الوعود والأخطاء ذاتها. وهي مسألة وقت فقط قبل أن ينقلبوا ضد بعضهم البعض».
وبين عشرات المجموعات المسلحة النشطة في مناطق سيطرة الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان، تعتبر القوة المشتركة وهي تحالف بين جماعات مسلحة من دارفور، وقوات درع السودان وهي مجموعة منشقة عن قوات الدعم السريع، وكتيبة البراء بن مالك وهي مجموعة مسلحة إسلامية مرتبطة بإيران، الأقوى. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ارتفعت أعداد المنضمين إلى تلك المجموعات التي تملك مدفعية وصواريخ مضادة للطائرات وطائرات مسيّرة فتاكة.
وفي مناطق سيطرة الجيش في بورتسودان والخرطوم وود مدني، يتهامس سودانيون تحدثت إليهم فرانس برس بأن انقلاب تلك المجموعات ضد بعضها مسألة وقت. ويقول أحد سكان الخرطوم، وهو أب يبلغ 50 عاما: «حظّرت الحكومة التجوّل بالسلاح، ولكن ما زلنا نرى مسلحين وسط المواطنين في الأسواق وفي الشوارع، ما يثير مخاوف كبيرة». وفي مطعم بالخرطوم، جلس مسلحون من القوة المشتركة مرتدين العمامات الدارفورية التقليدية (الكدمول)، وهم يحملون بنادقهم الى طاولة مجاورة لجنود جيش غير مسلحين. وعند أطراف الخرطوم، شاهد فريق من فرانس برس مقاتلين من كتيبة البراء ابن مالك، أحدهم بلباس مدني ويحمل بندقية كلاشنيكوف على كتفه، يوقفون السيارات المارة.
وفي ولاية الجزيرة جنوب شرق الخرطوم، أقامت قوات درع السودان التي يقودها المنشق عن قوات الدعم السريع أبو عاقلة كيكل، نقاط تفتيش توقف المدنيين في الشوارع التي تسيطر عليها الآن باسم التحالف مع الجيش، بعدما ارتكبت فيها انتهاكات كبيرة نيابة عن الدعم السريع قبل عامين. وتقول ناشطة في العشرينيات في الولاية: إن مقاتلي درع السودان يتصرفون «كأنهم يملكون الجزيرة». وتضيف: «لا يمكن أن أثق في أي منهم أبدا. لا أحد يعلم لمن يدينون بالولاء».
ولعقود طويلة، أوكل الجيش السوداني حروبه لمجموعات مسلحة خاصة في المناطق النائية. ففي مطلع الألفية الثانية، أوكل الرئيس السابق عمر البشير لقوات الجنجويد قمع تمرّد أقليات عرقية في إقليم دارفور في غرب البلاد حيث حصلت مذابح راح ضحيتها أكثر من 300 ألف شخص. في عام 2013، حوّل البشير الجنجويد إلى «قوات الدعم السريع» كجزء من جيشه، تحت قيادة محمد حمدان دقلو الملقّب بـ«حميدتي».
ولكن بعد ستة أعوام، انقلب حميدتي على البشير إبان الاحتجاجات الشعبية الواسعة في عامي 2018 و2019 التي انتهت بإطاحة البشير. ثم تولّى البرهان قيادة الجيش ورئاسة المجلس السيادي، أعلى سلطة في البلاد، وكان دقلو نائبه. وصمد تحالف البرهان وحميدتي بضعة أعوام، ونفّذا معا انقلابا عام 2021 لإخراج المدنيين من الحكومة الانتقالية. وفي كلمة في أبريل 2022، قبل عام واحد من اندلاع حربهما، أكد البرهان أمام مقاتلي الدعم السريع أنه «مستحيل. مستحيل أن يحدث قتال بيننا». لكن القتال اندلع بعد حين. وأودت الحرب حتى الآن بحياة أكثر من 200 ألف شخص، وفقا لبعض التقديرات.
وإن كانت المؤشرات تدلّ على أن البرهان تعلّم الدرس، من الواضح أن جيشه غير قادر على المواجهة وحده. وأمر البرهان المجموعات المسلحة التي ساعدته في طرد قوات الدعم السريع من الخرطوم العام الماضي بمغادرة العاصمة، لكنهم لا يزالون يتجوّلون بالسلاح في شوارعها حتى اليوم. ويحاول البرهان كبح جماح كتيبة البراء بن مالك، الجناح المسلّح للحركة الإسلامية المرتبطة بحكم عمر البشير والخاضعة لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويرى دبلوماسي يعمل في السودان أن «جميعهم مرتزقة يسعون وراء مصالحهم.. ليست لديهم استراتيجية ولا يخططون للمستقبل. وإذا شعروا بأنهم لم يحصلوا على ما تمّ الاتفاق عليه، سينسحبون». ويقول لفرانس برس: «من هم القوات المشتركة؟ إنهم حميدتي القادم». وتقول محاسبة في الأربعين من العمر: إن المسلحين يسيرون في الخرطوم «كأنهم يبحثون عن المشاكل»، مضيفة: «المواطنون خائفون من حرب جديدة بين القوة المشتركة والجيش».
SALEH JAMEEL - File: (8) - Folder: (7) 23 --7-2026

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك