منذ أكثر من ألفي عام، لا تزال مصر الفرعونية محتفظة بمكانتها كإحدى أكثر الحضارات قدرة على استثارة الخيال الإنساني، بما تحمله من رموز غامضة وجماليات متفرّدة امتد أثرها من العصور القديمة إلى الفنون الزخرفية الحديثة. فمن انبهار الرومان بآلهتها وطقوسها، إلى نقل مسلّة الأقصر إلى ساحة الكونكورد في باريس عام 1836، وصولاً إلى موجات “الهوس بالمصرية” التي طبعت الفنون الزخرفية في القرن العشرين، ظلّت الحضارة المصرية مصدرًا لا ينضب للإلهام الفني والثقافي عبر العصور.
في هذا السياق، تعود دار فان كليف أند آربلز لتؤكد ارتباطها العميق بهذا الإرث الحضاري من خلال مجموعة المجوهرات الراقية “Fascinating Egypt” التي لا تكتفي باستحضار الرموز المصرية القديمة، بل تعيد تأويلها برؤية معاصرة تمزج بين الخيال التاريخي والدقة الحرفية الفرنسية، في حوار بصري متقن بين الماضي والحاضر.
تضم المجموعة نحو 180 قطعة عالية المجوهرات، تتنوّع بين تصاميم تجريدية وأخرى تجسيدية، مستلهمة من قراءة معاصرة لمفردات الحضارة المصرية القديمة ومشاهدها الرمزية. وتنعكس في هذه الإبداعات ملامح الحياة في مصر الفرعونية، من نبات البردي الذي شكّل أحد أبرز رموزها الطبيعية، إلى الحيوانات المقدسة والشخصيات المرسومة بأسلوب جانبي، في استحضار مباشر لأسلوب النقوش الجدارية التي زيّنت المعابد والمقابر، وكأن الدار تعيد صياغة تلك المشاهد بلغة تصميمية حديثة تنبض بالحركة والضوء. وتبرز في المجموعة مقاربة جمالية دقيقة تجمع بين روح الآرت ديكو والخطوط الزخرفية المصرية، في توازن لافت بين الصرامة الهندسية والثراء الرمزي. ويتجلى هذا التلاقي في تنسيق الأحجار الكريمة والملونة، حيث تتجاور الألماس والزمرد والياقوت والزفير مع اللازورد والفيروز والكريستال الصخري، ضمن تركيبات لونية مدروسة تعكس عمق البحث الجمالي، وتكشف في الوقت نفسه عن براعة استثنائية في إبراز جمال الأحجار الطبيعية.
من بين أبرز الإبداعات، يبرز عقد “ريفاج إيجيبسيان” المصنوع من الذهب الأبيض والأصفر، والمزيّن بـ37 زمردة بقطع الإجاصة بوزن إجمالي يبلغ 41.58 قيراطًا من زامبيا، إلى جانب الألماس الذي يمنح التصميم توازنًا بصريًا بين الفخامة والصفاء. كما يبرز عقد “بوتيه ليجاندير” الذي يجمع بين ماس أصفر بقطع الوسادة بوزن 10.02 قيراط، مع الزفير والياقوت والألماس، في تكوين يعكس حضور الحجر بوصفه عنصرًا سرديًا داخل العمل، لا مجرد مادة تزيينية.
وتتجلّى رمزية زهرة اللوتس، أحد أقدس رموز الحضارة المصرية، في مشبك “فليور دو لوتس ميستيريوز”، حيث تمتزج أحجار الياقوت والألماس ضمن تقنية “ميستري ست” التي تُخفي المعدن وتمنح الأحجار حضورًا خالصًا وكأنها تطفو على الضوء. أما عقد “دييس إيليه ميستيريوز”، فيستحضر أجنحة الآلهة المصرية في بنية هندسية معاصرة تجمع بين الياقوت المرصوف بأسلوب “ميستري ست” والألماس بتقنية الترصيع الثلجي، ويتوسطه ألماس نادر بقطع الإجاصة قابل للفصل والتحويل إلى خاتم، في تجسيد واضح لفلسفة التحول والابتكار في التصميم.
وتواصل المجموعة استكشاف الرموز الطبيعية عبر سلسلة “أوريجين”، التي تعيد قراءة عناصر الماء والزهور والشمس ضمن لغة بصرية مستلهمة من الرموز الهيروغليفية، باستخدام أحجار نادرة تشمل الياقوت السريلانكي والزمرد الكولومبي والياقوت الأحمر من موزمبيق، جميعها بقطع الوسادة التي تبرز عمق اللون ونقاء التكوين.
وفي منحى آخر، تعكس قلادة “أورنومان دو سافير” مفهوم المجوهرات القابلة للتحول، إذ يتوسطها الزفيرالأزرق من سريلانكا بوزن 6.59 قيراط، محاط باللازورد والألماس والياقوت، ضمن خطوط هندسية تستلهم روح الثمانينيات وحركة “ميمفيس” الفنية، في مزيج يجمع الجرأة اللونية بالمرونة التصميمية. أما عقد “ناراسيون بريسيوز”، فيقدّم قراءة سردية متكاملة مستلهمة من رمزية الإله آمون رع كما وردت في كتابات جان-فرانسوا شامبليون، حيث تتداخل عناصر الذهب الأصفر في تكوين يشبه الفسيفساء المتحركة، تتخلله أحجار الألماس والزمرد والياقوت والزفير بتدرجات محسوبة، لتتحول القطعة إلى مشهد بصري يختزل الأسطورة في صياغة معاصرة نابضة بالحياة. من خلال “مصر الساحرة”، لا تكتفي فان كليف أند آربلز بإعادة إحياء رموز حضارة عريقة، بل تعيد تفسيرها ضمن رؤية فنية معاصرة تؤكد استمرار حضور مصر كمصدر إلهام عالمي لا يخفت بريقه، حيث تتحول الأسطورة إلى تصميم، والتاريخ إلى مجوهرات تنبض بالضوء والحركة والدقة الحرفية الرفيعة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك