قال المحلل الفني زهير فريدون إن تأهل المنتخب المغربي إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026 بعد فوزه على المنتخب الهولندي بركلات الترجيح (3-2)، عقب التعادل (1-1) في الوقتين الأصلي والإضافي، يؤكد أن «أسود الأطلس» لم يعودوا مجرد قصة نجاح عابرة كما وصفها البعض بعد مونديال قطر 2022، وإنما أصبحوا حالة كروية مستمرة تفرض نفسها على الساحة العالمية من خلال مشروع متكامل يقوم على التخطيط والاستقرار والعمل طويل المدى.
وأضاف: «هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ، بل جاء في نسخة استثنائية من كأس العالم تحمل الكثير من المتغيرات، سواء من ناحية نظام البطولة أو مستوى المنافسة. لذلك فإن ما حققه المنتخب المغربي حتى الآن يكتسب قيمة مضاعفة، لأنه تحقق في ظروف مختلفة تماماً عن النسخ السابقة».
وأوضح فريدون أن مونديال 2026 يمثل نقطة تحول في تاريخ البطولة، وقال: «هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها 48 منتخباً بدلاً من 32، كما أنها النسخة الأولى التي تستضيفها ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. هذا التغيير لم يكن مجرد زيادة في عدد المنتخبات، بل غيّر فلسفة البطولة بالكامل».
وتابع: «التوسعة فتحت المجال أمام منتخبات جديدة للمشاركة وأعطت القارتين الآسيوية والأفريقية تمثيلاً أكبر، وهو أمر إيجابي لتطوير كرة القدم عالمياً، لكن في المقابل أصبحت البطولة أكثر تعقيداً من الناحية البدنية واللوجستية، بسبب زيادة عدد المباريات وطول مسافات السفر بين المدن والدول المستضيفة، وهو ما جعل إدارة الجهد والجاهزية البدنية من أهم عوامل النجاح».
وأضاف: «رغم أن دور المجموعات أصبح أقل ضغطاً مقارنة بالنسخ السابقة نتيجة زيادة عدد المتأهلين، فإن المنافسة الحقيقية تبدأ من الأدوار الإقصائية، حيث تختفي الفوارق الكبيرة بين المنتخبات، وتصبح التفاصيل الصغيرة هي من تحسم النتائج. وهذا ما شاهدناه بوضوح في مباراة المغرب أمام هولندا».
وأشار فريدون إلى أن النسخة الحالية شهدت العديد من المفاجآت، وقال: «خروج ألمانيا مبكراً، وتأهل عدد من المنتخبات الأفريقية والآسيوية، يؤكد أن خريطة كرة القدم العالمية تتغير بصورة واضحة، لكن المغرب يختلف عن بقية المنتخبات، لأنه لا يعتمد على عنصر المفاجأة، وإنما يقدم نفسه كمشروع كروي متكامل بدأ منذ سنوات، واستطاع أن يحافظ على تطوره واستقراره منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر».
وعن مشوار المنتخب المغربي في دور المجموعات، قال: «المغرب وقع في مجموعة قوية للغاية ضمت البرازيل، ومع ذلك قدم مستويات كبيرة. التعادل مع منتخب بحجم البرازيل كان رسالة واضحة بأن الفريق يمتلك شخصية قوية وقدرة على مجاراة أفضل منتخبات العالم، ثم جاء الفوز على اسكتلندا بهدف نظيف، وبعدها الانتصار على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين ليؤكد أن المنتخب قادر على تحقيق النتائج عندما تكون المباراة مفتوحة أيضاً، وليس فقط في المواجهات الدفاعية».
وأضاف: «جمع سبع نقاط في مجموعة تضم البرازيل لم يكن أمراً سهلاً، بل يعكس جودة العمل الفني والذهني داخل المنتخب، كما يؤكد أن الفريق أصبح يعرف كيف يتعامل مع كل مباراة وفق ظروفها، سواء أمام منتخب كبير أو منتخب يبحث عن المفاجأة».
وتحدث فريدون عن مواجهة هولندا قائلاً: «من وجهة نظري، الفوز على هولندا لم يكن نتيجة للحظ أو لركلات الترجيح فقط، بل كان نتيجة تفوق واضح في جوانب عديدة من المباراة. المنتخب المغربي فرض أسلوبه في فترات طويلة، وكان الأكثر وضوحاً من الناحية الهجومية، وفي الوقت نفسه حافظ على توازنه الدفاعي، لذلك لم يتمكن المنتخب الهولندي من فرض شخصيته المعتادة».
وأضاف: «حتى تصريحات قائد المنتخب الهولندي فيرجيل فان دايك بعد المباراة كانت دليلاً على احترامه لما قدمه المنتخب المغربي، وهو اعتراف غير مباشر بأن المغرب كان الطرف الأفضل في كثير من فترات اللقاء».
وأكد فريدون أن قوة المنتخب المغربي ترتكز على ثلاثة عناصر رئيسية، موضحاً: «العامل الأول هو الاستقرار الدفاعي، فالمغرب يمتلك خط دفاع منظماً يعرف كيف يغلق المساحات ويقلل الأخطاء الفردية أمام المنتخبات الكبيرة. والعامل الثاني يتمثل في خط الوسط، الذي يملك شخصية واضحة، ويجيد التحكم في إيقاع المباراة، ويمنح الفريق التوازن بين الدفاع والهجوم. أما العامل الثالث فهو الجاهزية الذهنية، وهي نقطة في غاية الأهمية، وقد ظهرت بوضوح في ركلات الترجيح، حيث تعامل اللاعبون مع الضغط بثقة كبيرة وأعصاب هادئة».
وأضاف: «البطولات الكبرى لا تُحسم بالمهارة فقط، وإنما أيضاً بالقوة الذهنية والانضباط التكتيكي، والمنتخب المغربي أثبت أنه يمتلك هذين العاملين، وهذا ما جعله يواصل المنافسة أمام منتخبات تملك أسماء كبيرة وخبرة طويلة في كأس العالم».
وأشار فريدون إلى أن الاستمرارية هي أهم ما يميز المشروع المغربي، وقال: «هذه المشاركة الثالثة على التوالي للمغرب في نهائيات كأس العالم، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ الكرة المغربية، ويؤكد أن النجاح الحالي ليس مرتبطاً بجيل واحد، وإنما بمنظومة عمل متكاملة بدأت من تطوير الفئات السنية، مروراً بالدوري المحلي، ووصولاً إلى المنتخب الأول».
وعن المواجهة المقبلة أمام المنتخب الكندي، قال: «المباراة ستكون مختلفة تماماً، لأن كندا ستلعب مدعومة بجماهيرها باعتبارها إحدى الدول المستضيفة، كما أنها تمتلك عناصر سريعة وقوية بدنياً، لكن في المقابل يدخل المنتخب المغربي المباراة بثقة كبيرة بعد الأداء الذي قدمه أمام هولندا. إذا استطاع المغرب فرض أسلوبه، والمحافظة على انضباطه التكتيكي، واستغلال الفرص بالشكل المطلوب، فأعتقد أن حظوظه في التأهل ستكون كبيرة».
واختتم فريدون تصريحه قائلاً: «المغرب اليوم لم يعد ضيفاً على الأدوار المتقدمة في كأس العالم، بل أصبح منافساً حقيقياً يمتلك كل المقومات الفنية والبدنية والذهنية لمقارعة أكبر المنتخبات. وإذا استمر الفريق بنفس الروح والانضباط والتركيز، فأنا أعتقد أنه قادر على الذهاب بعيداً في هذه البطولة، وربما تجاوز الإنجاز التاريخي الذي تحقق في مونديال قطر 2022، لأن ما نراه اليوم هو ثمرة مشروع كروي ناجح يواصل كتابة التاريخ».


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك