إعداد: محمد الساعي
تحظر قوانين مملكة البحرين على أي صاحب عمل يملك سجلًا تجاريًا بيع أو تأجير السجل التجاري أو تأجير محله التجاري لغير البحرينيين. ويُعرف باسم التستر التجاري.
ويعتبر التستر التجاري جريمة لأن الحكومة منحت حق ممارسة الأعمال التجارية لصاحب العمل نفسه وليس له منح هذا الحق للآخرين.
وكانت وزارة الصناعة والتجارة والسياحة قد أطلقت خلال السنوات السابقة حملة تفتيشية وتصحيحية وطنية لكشف حالات التستر التجاري. واستمرت عمليات الكشف عن الحالات ومحاسبتها. فمثلا في عام 2025 أعلنت وزارة الصناعة والتجارة رصد 197 حالة تستر تجاري وأحالتها إلى القنوات القانونية.
ووفقا للقانون، لا يُعامل التستر في البحرين كمخالفة بسيطة، بل مخالفة اقتصادية جسيمة قد تتحول إلى جريمة، ويترتب عليها عقوبات تصل الى السجن أو غرامات مالية، وإغلاق النشاط التجاري أو شطب السجل التجاري.
وقد يأخذ التستر عدة أشكال شائعة داخل السوق منها تأجير السجلات لشخص أجنبي مقابل مبلغ شهري مقطوع، أو ترك إدارة المنشأة والتصرف في أموالها بالكامل للوافد من دون أي إشراف فعلي من صاحب السجل. او استغلال الاسم التجاري وتفويض الأجنبي لفتح حسابات بنكية وإبرام عقود تجارية باسم المواطن ولحساب الأجنبي.
والحق يقال، شهدت هذه الممارسات تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة نتيجة عدة عوامل منها تشديد الرقابة الحكومية والحملات التفتيشية من قبل وزارة الصناعة والتجارة، وتحويل العديد من القضايا إلى النيابة العامة، مع إطلاق حملات وطنية لمكافحة التستر، ورفع مستوى الوعي القانوني لدى أصحاب السجلات، واستمرار الرقابة على السجلات المؤجرة والأنشطة المشبوهة. ويصاحب ذلك تطور الأنظمة الإلكترونية والربط الحكومي وتطوير التشريعات.
والسؤال هنا: لماذا كل هذا الاهتمام بمكافحة التستر التجاري؟ ما انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية؟ وما أنواعه؟ وكيف يختلف عن الاستثمار الأجنبي العادي؟
تعد ظاهرة التستر التجاري واحدة من أعقد وأخطر التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسواق لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي، وهو يندرج تحت مظلة «الاقتصاد الخفي» أو «الرمادي»، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية والتقارير الرقابية إلى أن الظاهرة شهدت انتشاراً واسعاً على مدى العقود الماضية خاصة في دول المنطقة، وحتى مع تراجعها في السنوات الأخيرة الا انه يبقى تحديا اقتصاديا قائما.
فمثلا تشير البيانات الرسمية الصادرة عن البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري في المملكة العربية السعودية الى انه خلال عام 2025 تم رصد 1017 حالة اشتباه بالتستر التجاري، وإحالة 724 مخالفة إلى الجهات المختصة، مع فرض غرامات تجاوزت 8.69 ملايين ريال سعودي.
قطاعات حيوية
اقتصاديا.. يعرف التستر التجاري بأنه قيام شخص أو شركة مرخصة قانونياً بتمكين شخص آخر غير مخول أو غير مرخص من ممارسة نشاط اقتصادي لحسابه الخاص باستخدام اسم أو سجل الطرف المرخص. وهنا يكون صاحب السجل التجاري ظاهرياً هو مالك النشاط، بينما تكون الإدارة الفعلية والقرارات التشغيلية والمالية بيد الطرف الآخر.
ويختلف التستر عن الاستثمار الأجنبي النظامي بأن هذا الأخير يتم وفق قوانين واضحة تتيح للمستثمر الأجنبي مزاولة نشاطه بشكل مباشر بعد الحصول على التراخيص والموافقات المطلوبة، ويكون نشاطه خاضعاً للرقابة والأنظمة المعمول بها. أما في التستر التجاري، فإن المستثمر أو المدير الحقيقي للنشاط يختبئ خلف اسم شخص أو مؤسسة أخرى لتجاوز بعض المتطلبات القانونية أو التنظيمية.
وتشير التجارب الدولية إلى أن التستر غالبا ما يتركز في قطاعات حيوية مثل قطاع التجزئة والمقاولات كالبرادات والمطاعم وورش السيارات وصالونات الحلاقة وخدمات التنظيف ومحلات مواد البناء والمقاولات الصغيرة. وكذلك المؤسسات الصغيرة ومتناهية الصغر.
وأكثر أنواع التستر شيوعا هو التستر في المؤسسات الفردية، والتستر عبر السجلات التجارية الوهمية، والتستر من خلال الشراكات الصورية.
ويعود انتشار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل منها ثقافة العائد السلبي السهل، الذي يتمثل في رغبة بعض المواطنين في الحصول على عائد شهري مضمون ومريح من دون أعباء أو مخاطر تجارية. وقد يكون السبب افتقار البعض للمهارة أو الوقت لإدارة العمل، فيترك الامر للوافد. وفي كثير من الأحيان يكون الهدف كسب مصدر دخل إضافي من خلال تأسيس سجلات تجارية وتأجيرها كلوحة غطاء لتأمين دخل إضافي يساعد في مواجهة التزامات الحياة. وقد يلجأ البعض إلى التستر لتجاوز الاشتراطات القانونية المتعلقة بممارسة بعض الأنشطة التجارية أو الاستثمارية. ويلعب ضعف الوعي القانوني دورا في لجوء البعض الى هذه الممارسات. كما تعتبر الثقة الشخصية والعلاقات الاجتماعية أحد العوامل، حيث تنشأ بعض حالات التستر بين أقارب أو أصدقاء أو شركاء سابقين.
وفي بعض الدول يكون لضعف الحوكمة والشفافية المالية دور في انتشار حالات التستر. يضاف الى ذلك أنه قد يستخدم كوسيلة للتوسع في السوق عبر إنشاء عدة أنشطة أو فروع بأسماء مختلفة، مما يمنح بعض الأطراف نفوذاً اقتصادياً أكبر من المسموح به نظاماً.
آثار التستر
عندما ننظر الى القوانين التجارية، نلمس مدى الصرامة في التعامل مع حالات التستر التجاري، وهذا ما قد يثير استفهاما حول أسباب هذه الصرامة واعتبار التستر تحديا بل جريمة يجب التعامل معها بحزم وجدية.
الدراسات الاقتصادية كفيلة بالإجابة عن هذا الاستفهام. فمثلا أكدت دراسة نشرها البنك الدولي بعنوان (The Long Shadow of Informality) وشملت أكثر من 160 دولة خلال 30 عامًا، أن التستر التجاري يضر بالنمو الاقتصادي طويل المدى ويضعف الاستقرار الاقتصادي للدول. كما ان انتشار الاقتصاد الخفي ومن ضمنه التستر التجاري، يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الحكومية وضعف القدرة على تمويل الخدمات، مع فرص أكبر لارتفاع نسب الفقر وانخفاض دخل الفرد، وضعف الاستثمار والإنتاجية، وتراجع التنمية المالية والابتكار.
فيما أشار تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بعنوان (Shining Light on the Shadow Economy) والذي ركز على تأثير الاقتصاد الخفي في الدول المتقدمة والنامية، أشار الى أن التستر التجاري يؤدي إلى خلل هيكلي في بيئة الأعمال والحوكمة الاقتصادية. ومن أبرز مخاطر وجود هذه الظاهرة زيادة التهرب الضريبي وصعوبة التحصيل، وتوسع الأنشطة غير المنظمة مع الاقتصاد الرقمي، مع تنامي الحاجة الى تقنيات رقابية متقدمة لمواجهته.
يضاف الى ذلك أن الاقتصاد الخفي يشوه المنافسة العادلة ويقلل من جودة الخدمات العامة ويضعف الثقة في المؤسسات.
أما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فيقدران حجم الاقتصاد الخفي عالميًا بحوالي 11%–19% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهو ما يعني مخاطر كبيرة تتمثل في خسائر ضخمة في الضرائب، وصعوبة السيطرة على التدفقات المالية غير المشروعة، وفرص توسع الأنشطة المرتبطة بالجريمة.
وعلى الوتيرة ذاتها، اشارت دراسة بعنوان «جريمة التستر التجاري من منظور الفقه الإسلامي وأثرها على التنمية المستدامة والاقتصاد» نشرت عام 2025 في مجلة International Journal of Environmental Sciences إلى أن التستر يعوق تحقيق مستهدفات الرؤى الاقتصادية في الدولة لأنه يمنع عدالة المنافسة، ويحرم الكفاءات الوطنية الشابة من دخول السوق، ويؤدي إلى هروب الرساميل إلى الخارج بشكل غير قانوني.
وأظهرت دراسة أجريت في المملكة العربية السعودية ونُشرت في مجلة International Journal of Economics and Finance عام 2016 بعنوان «الآثار السلبية للتستر التجاري على أداء المنشآت الصغيرة في محافظة جدة» أن التستر التجاري ينعكس سلباً على تنافسية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويسهم في إضعاف نمو القطاع الخاص الوطني، فضلاً عن ارتباطه بمخاطر اقتصادية وأمنية تشمل التهرب المالي وغسل الأموال وتسرب رؤوس الأموال إلى خارج الاقتصاد المحلي.
يضاف الى ذلك خلق منافسة غير عادلة مع المؤسسات الملتزمة بالأنظمة، وخفض فرص نجاح رواد الأعمال المحليين، وإضعاف نمو القطاع الخاص الوطني، وزيادة خروج الأموال إلى خارج الاقتصاد المحلي وصعوبة الرقابة على الأنشطة الاقتصادية، وتشويه السوق والأسعار. إذ قد تلجأ بعض الأنشطة المتسترة إلى خفض الأسعار بشكل غير واقعي أو تقديم خدمات لا تلتزم بالمعايير المطلوبة، ما يؤدي إلى اضطراب السوق وإرباك المستهلكين.
ويمتد الامر الى آثار اجتماعية مثل زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية في بعض الأنشطة، وتقليص فرص العمل المتاحة للمواطنين، وتشجيع بعض الممارسات التجارية غير النظامية، وإضعاف ثقافة الامتثال للقوانين والأنظمة التجارية. فكلما زادت حالات التستر التجاري، تراجعت ثقة المستثمرين والمستهلكين في عدالة السوق وقدرة الجهات المعنية على فرض الأنظمة، وهو ما قد يؤثر على سمعة البيئة الاستثمارية بشكل عام. كما ان التستر التجاري يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، حيث يشعر البعض بأن السوق لا يوفر فرصاً متساوية للجميع، الأمر الذي قد يؤثر على قرارات الاستثمار والتوسع.
وعندما تصبح المنافسة قائمة على تجاوز الأنظمة بدلاً من الجودة والكفاءة، تقل الحوافز لدى الشركات للاستثمار في الابتكار والتطوير وتحسين الخدمات.
ليس هذا فحسب، بل يمتد الامر الى آثار أمنية، إذ قد يشكل التستر التجاري بيئة مناسبة لبعض الجرائم الاقتصادية مثل غسل الأموال والتهرب المالي واستخدام أنشطة تجارية ظاهرها مشروع لإدارة أعمال مخالفة.
تحديات
أمام ذلك، تكافح الدول من أجل مواجهة هذا التحدي بصرامة، وتعمل الحكومات على إصدار وتحديث التشريعات الخاصة بمكافحة التستر التجاري بهدف سد الثغرات القانونية وتعزيز الشفافية في الأنشطة الاقتصادية. وبنفس الوقت تحرص على تطوير آليات الرقابة والتفتيش، مع تطبيق العقوبات الرادعة على المخالفين والتي تتنوع بين الغرامات المالية وإلغاء التراخيص وإغلاق المنشآت، وقد تشمل في بعض الأنظمة مصادرة العوائد الناتجة عن المخالفة أو فرض عقوبات أشد بحسب طبيعة الحالة.
وبالمقابل، تبقى هناك تحديات تواجه جهود مكافحة التستر منها:
- صعوبة إثبات المخالفة أحيانا.
- استخدام أساليب حديثة لإخفاء التستر مثل العقود الصورية أو توزيع العمليات المالية على عدة حسابات.
- ضعف الوعي المجتمعي وعدم الإدراك بمخاطر التستر وما قد يترتب عليه من عقوبات وآثار قانونية واقتصادية.
- الجهود التكاملية بين مختلف الجهات الاقتصادية والمالية والرقابية والأمنية والمجتمعية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك