مبادرات ملكية رائدة ومستنيرة لتعزيز قيم التعايش والتسامح والتفاهم الإنساني
جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح تعزز شبكة عالمية لبناء السلام
150 شابا من 66 دولة يتخرجون في برامج التعايش
أجرت الحوار: مروة أحمد
أشادت منيرة نوفل الدوسري المدير التنفيذي لمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بمكانة مملكة البحرين كنموذج عالمي رائد في ترسيخ قيم التعايش والتسامح واحترام التنوع الديني والثقافي، باعتبارها ركائز أساسية في ظل النهج الإنساني والحضاري الحكيم لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وتوجهات الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
وأكدت منيرة الدوسري، في حوار مع «أخبار الخليج»، حرص مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح على ترجمة الرؤية الملكية المستنيرة إلى برامج ومبادرات عملية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بما يسهم في تعزيز مكانة البحرين كمنارة عالمية للتسامح والحوار الحضاري ونشر ثقافة السلام، من خلال إعداد الكوادر الشابة وتوسيع الشراكات الدولية، من أجل بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وانفتاحًا وازدهارًا. وفيما يلي نص الحوار:
* ما الركائز الأساسية التي يقوم عليها عمل مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح داخل مملكة البحرين وخارجها؟
- يقوم عمل مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح على رؤية شاملة مستلهمة من النهج الإنساني والحضاري لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، وتوجهات الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بشأن ترسيخ قيم التعايش والتسامح والانفتاح والتفاهم الإنساني واحترام التنوع الديني والثقافي، باعتبارها ركائز أساسية لترسيخ السلام والاستقرار ودعم التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، يركز المركز على إبراز القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع الشعوب والحضارات على اختلاف خلفياتها الثقافية والدينية، من خلال برامج ومبادرات عملية لترسيخ ثقافة السلام والحوار والعيش المشترك والاحترام المتبادل، والتصدي للأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بما يسهم في تعزيز مكانة مملكة البحرين كمنارة عالمية للتسامح والتعايش والحوار الحضاري، وشريك دولي فاعل في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وانفتاحًا وازدهارًا.
* كيف يترجم المركز الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك المعظم في مجال التعايش والتسامح إلى برامج ومبادرات عملية؟
- يلتزم المركز بترجمة الرؤية الملكية السامية إلى برامج ومبادرات عملية وسياسات مستدامة تستهدف تعزيز الوعي المجتمعي ونشر ثقافة السلام محليًا وإقليميًا ودوليًا، إيمانًا بأن السلام والتعايش ليسا مجرد شعارات، بل هو نهج عمل متكامل، وذلك من خلال برامج أكاديمية متخصصة، ومبادرات ودورات تدريبية وعلمية لإعداد وتأهيل الكوادر الشابة، ومنتديات ومؤتمرات للحوار والتفاهم بين الأديان والثقافات والحضارات، بما يتسق مع «إعلان مملكة البحرين» لحرية الدين أو المعتقد.
* وما أبرز المبادرات المحلية والإقليمية والدولية التي أطلقها المركز لتعزيز ثقافة التعايش والوئام؟
- انطلاقًا من الرؤية الملكية السامية، أطلق مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح العديد من المبادرات والبرامج العلمية والتثقيفية والتنموية النوعية الهادفة إلى تعزيز ثقافة التعايش والتسامح، بالشراكة مع مؤسسات أكاديمية ودينية وفكرية وثقافية وإعلامية وطنية وإقليمية ودولية.
ومن أبرز هذه المبادرات دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش، بالشراكة مع جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة ومؤسسة «جُويا» للتعليم العالي في مالطا، و«برنامج الملك حمد للريادة في التعايش» بالتعاون مع منظمة «الإيمان في القيادة» ومعهد 1928 التابع لجامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة، إلى جانب دعم رسالة «كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش» في جامعة سابينزا الإيطالية، وغيرها من البرامج المتخصصة الرامية إلى تأهيل كوادر تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
كما نفذ المركز مبادرات مجتمعية وتنموية، من بينها «مسار التعايش» في العاصمة المنامة، بوصفه تجربة حضارية تبرز تنوع المجتمع البحريني وتعايش مكوناته في مودة ووئام، ومشروع «دور العبادة الخضراء» بالتعاون مع مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات) وهيئة الكهرباء والماء، لدمج مفاهيم الاستدامة البيئية والوعي المجتمعي في المنشآت الدينية. كما شمل التعاون تنظيم الاحتفال بالذكرى الـ120 لتأسيس الكنيسة الإنجيلية الوطنية في مملكة البحرين، برعاية ملكية سامية، وبحضور سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة، الممثل الشخصي لجلالة الملك المعظم، ضمن مبادرات تعكس عمق التعايش الديني والثقافي، وأجواء الحريات الدينية، وترسخ قيم التعاون والتفاهم والمسؤولية المشتركة، بما يضمن استدامة الأثر وتحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية متجذرة في الوعي المجتمعي.
وعلى الصعيد العالمي، نفخر بإشراف مجلس أمناء المركز على إطلاق جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، واعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة مملكة البحرين المقدمة من المركز بشأن إقرار «اليوم الدولي للتعايش السلمي»، فضلاً عن إدراج مملكة البحرين في موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أعلى دول العالم كثافةً لدور العبادة قياسًا إلى المساحة، وهي إنجازات دولية تعكس التزام المملكة الراسخ بنشر قيم السلام والتسامح والحوار الحضاري.
* ما آخر المستجدات المتعلقة بالبرامج الأكاديمية التي ينظمها المركز لتمكين الشباب، ومدى التفاعل والإقبال الدولي على المشاركة فيها؟
- بلغ إجمالي عدد الطلبة الملتحقين ببرنامج دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش نحو 150 طالبًا وطالبة من 66 دولة حول العالم من مختلف الثقافات والأديان، ما يعكس الطابع الدولي للبرنامج واتساع أثره الأكاديمي والثقافي. وقد انطلقت الدفعة الأولى بطاقة استيعابية بلغت 50 مشاركًا، قبل أن ترتفع إلى 100 مشارك في الدفعة الثانية استجابةً للإقبال الدولي المتزايد، ليواصل البرنامج أداء دوره في إعداد كوادر أكاديمية ومهنية متخصصة في مجالات التعايش وحل النزاعات والحوار بين الثقافات.
أما برنامج الملك حمد للريادة في التعايش، فقد انطلقت مرحلته الأولى بمشاركة نحو 25 طالبًا وطالبة من مملكة البحرين، في إطار يركز على بناء نموذج تأسيسي نوعي يعزز المهارات القيادية ويعمق فهم قيم التعايش والتسامح ضمن رؤية متكاملة. ومن المقرر أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا يشمل طلبة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما يسهم في بناء شبكة إقليمية من القيادات الشابة القادرة على نشر ثقافة التعايش وتعزيز التعاون بين المجتمعات الخليجية.
كما يواصل المركز دعمه لكرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش في جامعة سابينزا الإيطالية، بوصفه أحد الكراسي الأكاديمية المتخصصة المستلهمة من الرؤية الملكية السامية. وقد أُعد نظامه الأكاديمي بالاستعانة بنخبة من العلماء والأكاديميين المتخصصين، في إطار رسالة تنويرية تهدف إلى تنمية قدرات الشباب من مختلف أنحاء العالم، وتعزيز دورهم في ترسيخ قيم التسامح والتعايش، ومواجهة التطرف والتعصب والإرهاب.
* كيف انعكست مخرجات هذه البرامج الأكاديمية على المجتمع البحريني؟
- انعكست مخرجات برامج المركز بصورة ملموسة على المجتمع البحريني من خلال تعزيز الوعي بقيم التعايش والانفتاح، وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر لدى مختلف الفئات، ولا سيما الشباب الذين يشكلون محورًا أساسيًا في استراتيجية المركز.
فعلى المستوى المجتمعي، أسهمت هذه البرامج في ترسيخ فهم أعمق للتعددية بوصفها عنصر قوة وإثراء للنسيج الاجتماعي، وليس مجرد تنوع شكلي. كما ساعدت في تعزيز السلوكيات الإيجابية داخل بيئات العمل والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال نشر قيم الاحترام المتبادل والتواصل البنّاء والقدرة على إدارة الاختلاف بصورة حضارية.
وقدم خريجو برامج المركز نماذج وقصص نجاح ملهمة، عبر إطلاق العديد منهم مبادرات ومشاريع مجتمعية وإعلامية وتوعوية متنوعة، شملت تنظيم ورش عمل للأطفال، وإعداد مقالات وتقارير متخصصة، وتنفيذ جلسات داعمة في مجال الصحة النفسية، ما أسهم في نشر قيم التعايش والاحترام المتبادل والتفاهم الإنساني داخل المجتمع، ورفع مستوى الوعي العام بهذه القيم في الفضاء الإعلامي.
ويحرص المركز على متابعة هذه المخرجات بصورة مستمرة من خلال شبكة الخريجين، التي تمثل اليوم إحدى أهم أدوات قياس الأثر، إذ تعكس مدى استدامة التأثير واتساع نطاقه، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان يظل المدخل الأهم لترسيخ قيم التعايش على المدى الطويل.
* وما أبرز الدلالات الحضارية والإنسانية لإطلاق جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح على المستوى الدولي؟
- تمثل جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح منصة عالمية لتكريم المبادرات والجهود الإنسانية والمؤسسية الرائدة في مجالات الحوار بين الأديان والثقافات، وترسيخ قيم السلام والتفاهم على المستوى الدولي، كما تأتي امتدادًا للمبادرات الملكية الرائدة الهادفة إلى تعزيز القيم الإنسانية النبيلة، وإبراز البعد الحضاري للنموذج البحريني في التعايش واحترام الحريات الدينية.
ومن شأن الجائزة أن تسهم في بناء شبكة عالمية من الفاعلين والمؤثرين في مجالات التعايش الإنساني وبناء السلام، إذ تُمنح للأفراد والمؤسسات الذين قدموا إسهامات نوعية في تعزيز التعايش والتسامح والحوار بين الثقافات والأديان، وحققوا أثرًا إيجابيًا ملموسًا ومستدامًا في مجتمعاتهم.
* كيف أسهم اعتماد اليوم الدولي للتعايش السلمي في نشر قيم السلام والحوار بين الشعوب؟ وما الدور الذي قام به المركز في الترويج لهذه المناسبة العالمية؟
- شكّل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة «اليوم الدولي للتعايش السلمي» خطوة مهمة في ترسيخ ثقافة الحوار والسلام، وتعزيز الوعي بأهمية الحوار بين الثقافات والأديان، واحترام التنوع بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة والحد من النزاعات، بما يعزز السلم والأمن الدوليين.
ولعب المركز دورًا استباقيًا في هذا المسار الدبلوماسي والحضاري منذ مراحله الأولى، انطلاقًا من خبرته المتخصصة في مجالات التعايش والحوار بين الثقافات، وذلك من خلال إعداد مشروع قرار متكامل قدمته مملكة البحرين، بالتعاون مع دول شقيقة وصديقة، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبعد مشاورات ونقاشات بناءة، تم اعتماد القرار في الرابع من مارس 2025 بتأييد 162 دولة، ليصبح الثامن والعشرون من يناير من كل عام يومًا دوليًا للتعايش السلمي، في إضافة نوعية إلى أجندة العمل الدولي المعني ببناء السلام وتعزيز التماسك الإنساني.
وفي هذا السياق، واصل المركز دوره المحوري في إبراز هذه المناسبة العالمية وتعزيز الوعي بأهدافها الإنسانية، من خلال مبادرات توعوية وأنشطة فكرية وبرامج حوارية بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين، لترسيخ قيم الحوار والسلام والتفاهم بين الشعوب والثقافات. وقد أقام المركز حفل عشاء رفيع المستوى بمشاركة عدد من كبار المسؤولين وأعضاء السلطة التشريعية ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى مملكة البحرين، وشخصيات دينية وفكرية وإعلامية، إلى جانب استضافة الطلبة الدوليين المشاركين في برنامج دبلوم الدراسات العليا في التعايش المشترك. كما شهدت المناسبة تنظيم حفل تخرج الدفعة الثانية من المشاركين في البرنامج، إلى جانب الدفعة الأولى من برنامج الملك حمد للريادة في التعايش.
ويحرص المركز على توسيع نطاق التفاعل مع هذا اليوم العالمي خلال السنوات المقبلة، باعتباره إطارًا جامعًا يربط بين المبادرات المحلية والجهود الدولية الداعمة للسلام والحوار بين الحضارات، من خلال تبادل الخبرات وتعزيز التفاعل البنّاء بين المشاركين من مختلف الدول والخلفيات الدينية والثقافية، بما يعكس مكانة مملكة البحرين كنموذج رائد في التعايش والتنوع الديني والثقافي، ويسهم في بناء مجتمعات أكثر انفتاحًا وتفهمًا وتقبّلًا للتنوع.
* كيف أسهمت مبادرات المركز في تعزيز حضور البحرين على خارطة التعايش والتسامح العالمية؟
- أسهمت مبادرات المركز في إبراز التجربة البحرينية في إطار مؤسسي ومعرفي متكامل، من خلال البرامج الأكاديمية والمبادرات الحوارية والشراكات الدولية، ما عزز من حضور المملكة كنموذج حضاري رائد في التسامح والتعايش، ومرجع إقليمي ودولي في مجالات الحوار والتفاهم الإنساني بين مختلف المكونات الدينية والثقافية.
كما عكست هذه المبادرات قدرة مملكة البحرين على المواءمة بين عمق تجربتها التاريخية في التعايش والانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات، ودورها المحوري كشريك فاعل في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلام والتفاهم الإنساني، لاسيما من خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعامي 2026 و2027.
* ما أبرز الملامح التي تجعل التجربة البحرينية نموذجًا متميزًا في مجال التعايش؟
- تتميز التجربة البحرينية بكونها نتاج مسار تاريخي طويل من التفاعل الإنساني بين مختلف المكونات الدينية والثقافية، الأمر الذي جعل التعايش ممارسة يومية راسخة وجزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية.
ومن أبرز الشواهد على ذلك «مسار التعايش» في قلب العاصمة المنامة، حيث تتجاور دور العبادة لمختلف الأديان ضمن نطاق جغرافي متقارب، في مشهد يجسد واقعًا عمليًا للتعايش واحترام حرية المعتقد. كما جاء إدراج مملكة البحرين في موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أعلى دول العالم كثافةً لدور العبادة لمختلف الأديان، بمعدل 2.577 دار عبادة لكل كيلومتر مربع، ليشكل اعترافًا دوليًا بطبيعة هذا الواقع البحريني القائم على الاحترام المتبادل وحرية المعتقد واحتضان التنوع الديني والثقافي.
ويؤكد هذا الإنجاز أن التعايش في البحرين جزء أصيل من الهوية الوطنية والموروث الاجتماعي والثقافي للمملكة، كما يحمل رسالة إلى العالم مفادها أن التعايش المستدام يقوم على جذور اجتماعية وثقافية راسخة وممتدة عبر العقود، وأن النموذج البحريني يقدم تجربة عريقة ومستدامة في إدارة التنوع وتعزيز الاستقرار المجتمعي وترسيخ قيم الانفتاح والاحترام المتبادل، في ظل الرعاية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، وتوجيهات صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
* كيف يقيس المركز أثر برامجه ومبادراته على المجتمع؟ وما أبرز المؤشرات التي يستند إليها في تقييم نجاحها؟
- يتبنى المركز مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية لقياس أثر برامجه ومبادراته، من أبرزها حجم المشاركة، والتنوع الجغرافي والثقافي والديني للمستفيدين، ومدى تطور مستوى المعرفة والوعي بقيم التعايش والتسامح والحوار وقبول الآخر، إلى جانب تنمية قيم الاحترام والمسؤولية والتفاهم والتوازن الشخصي.
كما يولي المركز أهمية خاصة لقياس الأثر المستدام للبرامج من خلال متابعة المبادرات والمشروعات التي يطلقها المشاركون بعد انتهاء البرامج التدريبية، ومدى نجاحهم في نقل الخبرات والمعارف إلى مجتمعاتهم ومؤسساتهم. ويبقى المؤشر الأهم هو مدى قدرة هذه البرامج على إحداث تغيير إيجابي في السلوكيات والمفاهيم، وتعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، وتحويل قيم التعايش والتسامح إلى ممارسات يومية تنعكس إيجابًا على الأفراد والمجتمعات على حد سواء.
* ما أبرز المشاريع والبرامج الجديدة التي يعمل المركز على إطلاقها خلال المرحلة المقبلة؟
- يعمل المركز على تطوير حزمة من المشاريع والبرامج النوعية التي تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من برامجه التعليمية والتدريبية، وتعزيز الشراكات الأكاديمية والمؤسسية مع جهات محلية وإقليمية ودولية، إلى جانب توظيف الأدوات الرقمية الحديثة للوصول إلى فئات أوسع من الشباب حول العالم، وتقديم خطاب معاصر للتعايش يقوم على الفهم الواعي للتنوع الثقافي والديني والتعامل معه بمسؤولية، بما يسهم في إعداد جيل أكثر قدرة على الحوار وقبول الآخر، وتعزيز مهارات القيادة والتواصل بين المشاركين في برامجه.
ويهتم المركز في فعالياته بترسيخ قيم التعايش والتسامح ضمن منظومة عمل مؤسسية متكاملة تستند إلى اثنتي عشرة ركيزة، من أبرزها: الحوكمة الرشيدة الرافضة لسوء توظيف الدين في السياسة، والتشريعات العادلة، والضمانات الإنسانية، وتطوير التعليم القيمي، وتعزيز الوعي الثقافي والتاريخي، وبناء ممارسات إعلامية مسؤولة تكافح التضليل وخطاب الكراهية، فضلًا عن توظيف العلوم والتكنولوجيا الحديثة في دعم قيم السلام وترسيخ الثقة والاستقرار.
* كيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة التعايش، لاسيما بين الأجيال الشابة؟
- يمثل توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي أداة محورية في تعزيز نشر ثقافة التعايش، لا سيما بين الشباب، من خلال الوصول إليهم عبر الوسائل الأكثر حضورًا في حياتهم اليومية، وتقديم محتوى تفاعلي وإبداعي يبرز القيم الإنسانية المشتركة، ويعزز الحوار وقبول الآخر عبر قصص وتجارب واقعية مؤثرة، فضلاً عن تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل توجهات الجمهور بشكل أدق، بما يتيح تصميم رسائل اتصالية أكثر فاعلية وملاءمة للفئات المستهدفة.
وفي هذا الإطار، استفاد المركز من هذه المنصات الرقمية عبر تنظيم سلسلة من الندوات بعنوان: «من الكراهية إلى الأمل: مناهج تحويلية لمعالجة خطاب الكراهية من خلال التعليم»، والتي تناولت قضايا التعايش والحوار بين الثقافات والأديان، بمشاركة دولية واسعة، وبالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومؤسسة أريجاتو الدولية، وجامعة السلام التابعة للأمم المتحدة.
كما نظم المركز، بالتعاون مع وزارة الداخلية وهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، ندوة بعنوان «الحماية في العالم الرقمي» بمشاركة ممثلين عن مختلف الأديان والطوائف ومؤسسات المجتمع المدني وخبراء في الأمن السيبراني والتحول الرقمي، حيث تناولت أهمية الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات الحديثة، ودور الوعي الرقمي في حماية المجتمع، لا سيما فئة الشباب، من مخاطر الجرائم الإلكترونية والتنمر الرقمي والمعلومات المضللة وخطابات الكراهية والتحريض، مؤكدة أهمية الشراكة المجتمعية في بناء فضاء رقمي آمن يعزز قيم الاحترام المتبادل والتعايش والتسامح.
* هل هناك توجه لتنظيم مؤتمر دولي دوري يُعنى بالتعايش السلمي والحوار بين الأديان والثقافات؟
- شارك المركز في تنظيم العديد من المؤتمرات والملتقيات والمنتديات الدولية والفعاليات المشتركة، في مجالات التعايش وحرية الدين والمعتقد وبناء السلام ومكافحة خطاب الكراهية، ويتطلع الى مزيد من الشراكات الاستراتيجية الدولية ذات الأثر المستدام بالتعاون والتنسيق مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من المنظمات والمؤسسات الأكاديمية والدينية والثقافية حول العالم، بما يعزز مكانة مملكة البحرين كمنصة دولية فاعلة للحوار بين الأديان والثقافات.
* في ظل ما يشهده العالم من صراعات واستقطابات متزايدة، ما الرسالة التي يود المركز إيصالها إلى المجتمع الدولي؟
- تؤكد مملكة البحرين، بقيمها الإنسانية والحضارية، وسياستها الحكيمة، أن التعايش ليس خيارًا ظرفيًا، بل مسارا مستداما يقوم على الاعتراف بالتنوع الإنساني باعتباره قيمة إيجابية تعزز الاستقرار والسلم المجتمعي والتنمية المستدامة، إذ قدّم الشعب البحريني الوفي مثالاً راسخًا في الولاء للقيادة الحكيمة، والانتماء الوطني الصادق، والمواطنة الصالحة القائمة على الوعي والمسؤولية، والتمسك بروح الوحدة والتكاتف والتعايش والتسامح بين جميع مكونات المجتمع، ونبذ التطرف والكراهية، ما جعل التجربة البحرينية نموذجًا ملهمًا لجهود تعزيز السلام على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي ظل التحديات الراهنة، يدعو المركز المجتمع الدولي إلى ضرورة الاستجابة للمبادرة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، بشأن إقرار اتفاقية دولية تجرّم خطابات الكراهية الدينية والطائفية والعنصرية، وتمنع إساءة استخدام الحريات والمنصات الإعلامية والرقمية في ازدراء الأديان أو التحريض على التعصب والتطرف والإرهاب، إلى جانب أهمية دعم المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشأن إقرار معاهدة دولية لتنظيم وحوكمة تطوير الذكاء الاصطناعي بما يعزز السلام والأمن والازدهار العالمي.
ويؤكد مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح أهمية توطيد أواصر التعاون والشراكات الاستراتيجية الدولية في ترسيخ الحوار والتفاهم، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتغليب المشتركات الإنسانية الجامعة على عوامل الفرقة، بما يسهم في بناء جسور الثقة بين الشعوب والثقافات، وحماية الأجيال المقبلة من ويلات الحروب والصراعات وما تسببه من تداعيات إنسانية جسيمة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك