الإنجاز يرفع القيمة السوقية للشركة.. يزيد الإنتاجية.. يقلل التكاليف.. يقلص معدل دوران الموظفين
التأثير الاقتصادي للحوادث يشمل خسائر خفية تصل إلى 4 أضعاف التكاليف المباشرة
دراسات: كل دولار يستثمر في برامج السلامة يعود بعوائد تصل إلى 4.4 دولارات
إعداد: محمد الساعي
تتسابق الشركات الكبرى في إعلان ساعات العمل الآمنة، أو ما يعرف اصطلاحا بساعات العمل من دون حوادث مضيعة للوقت.
بل في ظل التنافس المتزايد بين الشركات والمؤسسات الصناعية والخدمية على تعزيز كفاءتها التشغيلية وتحقيق أعلى مستويات الإنتاجية تبرز «ساعات العمل الآمنة» كأحد المعايير والمؤشرات التي تعكس نجاح الإدارة في توفير منظومة سلامة مهنية فاعلة. وبالتالي لم يعد إعلان تحقيق ملايين الساعات من العمل من دون إصابات مضيعة للوقت مجرد إعلان دعائي، بل هي دليل على قدرة الشركة على إدارة المخاطر التشغيلية وحماية مواردها البشرية.
فما الذي يعنيه هذا المصطلح؟ وما أهميته بالنسبة إلى الشركة؟ كيف تحتسب هذه الساعات؟ وما المعايير الذي تحدد ما إذا كان الحادث مضيعا للوقت أم لا؟ بالمقابل، ما الأثر الاقتصادي والمعنوي الذي تخلفه الاصابات المضيعة للوقت للشركة؟
العمل المفقود
ببساطة.. تعرف ساعات العمل الآمنة بأنها إجمالي عدد ساعات العمل التي ينجزها الموظفون والعمال في أداء مهامهم داخل الشركة أو المصنع في فترة زمنية محددة من دون وقوع أي حادثة تؤدي إلى إصابة تمنع العامل من مواصلة عمله في اليوم التالي. وهو ما يُعرف بـ«إصابة وقت العمل المفقود».
وتحتسب هذه الساعات وفقا لعدد العمال وعدد الساعات. فمثلا إذا كان لدى الشركة 100 عامل يعمل كل منهم 8 ساعات يومياً، فإن هذا يعني أن الشركة تسجل 800 ساعة عمل آمنة في اليوم. ويتم تجميع هذه الساعات بشكل دوري. وعند مرور فترة نصف عام او عام كامل من دون حادث يؤدي إلى غياب موظف، تبادر الشركة إلى الإعلان وبفخر عن تحقيق «مليون ساعة عمل آمنة» أو أكثر، وهو ما يعتبر في الواقع إنجازا كبيرا في عالم الصناعة.
ولكن إذا ما وقع حادث تسبب في غياب عامل لتلقي العلاج، يتم هنا تصفير العداد وتبدأ الشركة الحساب من جديد. علما بأنه يبدأ احتساب «الوقت المفقود» من اليوم التالي للحادث. أي أن يوم وقوع الحادث نفسه لا يُحسب ضمن الأيام الضائعة.
وهنا قد يتبادر سؤال حول معايير تصنيف الحادث بين مضيع للوقت من عدمه.
في الواقع، لا يقتصر التصنيف على شدة الإصابة وخطورتها، بل يشمل أيضا تأثيرها في قدرة الموظف على أداء العمل واضطراره الى التوقف عن العمل من عدمه. ويخضع الامر لمعايير عالمية صارمة وضعتها منظمات السلامة والصحة المهنية مثل OSHA الأمريكية وILO الدولية.
فالإصابة المضيعة للوقت (Lost Time Injury - LTI) هي الإصابة التي تجعل العامل عاجزا عن العودة إلى عمله وممارسة مهامه المعتادة في يوم العمل التالي مباشرة للحادث، مثل التعرض لكسور او إصابات في الظهر.
في حين ان الإصابة غير المضيعة للوقت هي الإصابة التي لا تؤدي إلى فقدان يوم عمل كامل، حتى لو احتاجت إلى علاج طبي، مثل الجروح التي تعالج في نفس اليوم.
وهناك حالة وسطى وهي العمل المقيد (Restricted Work Case)، وفي هذه الحالة لا يغيب الموظف ولكن قد يُمنع من أداء مهامه المعتادة ويُكلف بأعمال أخف بسبب الإصابة. وهنا تضع الكثير من الشركات تصنيفا منفصلا عن الإصابات المضيعة للوقت، لكنه يبقى مؤشراً مهماً على أداء السلامة.
انعكاسات مباشرة
إذا.. ما الذي يجعل الشركات تهتم بإعلان عدد الساعات الآمنة بفخر وتباهي؟ وما أهمية هذه الأرقام بالنسبة إلى الشركة؟
في الحقيقة، اهتمام الشركات بالوصول إلى ملايين «ساعات العمل الآمنة» يتجاوز مجرد رغبتها في تجنب الحوادث، بل يمتد الى كونه مؤشراً استراتيجياً ينعكس بشكل مباشر على نجاح الشركة المالي والتجاري، وعلى التزامها بمعايير السلامة وامتلاكها بيئة عمل آمنة وإجراءات ناجحة في إدارة المخاطر، مما يعزز الإنتاجية ويقلل الخسائر المالية الناتجة عن الحوادث والتوقفات التشغيلية.
وامتلاك أي شركة سجلا كبيرا من الساعات الخالية من الحوادث المضيعة للوقت يساعدها على:
- الحفاظ على السمعة والقيمة السوقية. فأحد أهم ركائز تقييم الشركات هو معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. وعدم وجود حوادث متكررة يعكس صورة جيدة للشركة كبيئة عمل مسؤولة ومستدامة، ما يرفع من قيمتها السوقية وثقة المستثمرين بها.
- رفع الإنتاجية. عندما تنخفض تقل ساعات التوقف والغياب عن العمل، ما يساعد على استمرارية الإنتاج وتحقيق الأهداف التشغيلية.
- الحصول على فرص أفضل في المناقصات والمشاريع الكبرى، خاصة في قطاعات مثل النفط والغاز والإنشاءات واللوجستيات. فكثير من العقود الحكومية او الخاصة لا تمنح إلا للشركات التي تملك سجلاً نظيفاً في السلامة.
- تقليل التكاليف وزيادة العوائد. فالحوادث تعين صرف تعويضات للمصابين وعلاج وإصلاح للمعدات المتضررة. وبنفس الوقت تتسبب الحوادث في انخفاض الإنتاجية نتيجة توقف خطوط الإنتاج ليس وقت الحادث فحسب، بل قد يمتد الى فترات طويلة بسبب التحقيقات القانونية والإدارية بعد الحادث.
- تقليل تكاليف التأمين، حيث ترفع شركات التأمين المبالغ على الشركات ذات معدلات الحوادث العالية.
- الحفاظ على الموارد البشرية والكفاءات ورفع المعنويات. فالعامل الذي يشعر بأن حياته وسلامته تمثل أولوية لدى الإدارة، يزيد ولاؤه للمؤسسة وترتفع إنتاجيته، فضلا عن بيئة العمل الآمنة تقلل من معدل دوران الموظفين وتجعل الشركة جاذبة لأفضل الكفاءات في السوق.
- تجنب الغرامات المالية الضخمة أو العقوبات التي قد تصل الى الاغلاق الإداري.
خسائر تراكمية
أمام ذلك.. فإن التأثير الاقتصادي للحوادث وإصابات العمل على الشركات لا يقتصر فقط على التكاليف المباشرة الواضحة مثل التعويضات أو التكاليف الطبية، بل يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير ليشمل خسائر تعتبر اقتصاديا خفية ومتراكمة يصفها البعض بـ«جبل الجليد» الذي يكون الجزء الأكبر منه مخفيا تحت السطح. وتُقدر منظمة العمل الدولية أن الخسائر الناجمة عن حوادث العمل وأمراض المهنة تكلف الاقتصاد العالمي ما يقرب من 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، وهي مبالغ هائلة لو استثمرت الشركات جزءاً بسيطاً منها في تطوير أنظمة السلامة (HSE) لتحولت هذه الخسائر إلى أرباح صافية وتوسع في الأعمال.
وأكدت دراسة بعنوان «تكلفة فقدان الإنتاجية بسبب الإصابات غير القاتلة» نشرتها American Journal of Preventive Medicine عام 2025
أن خسائر الإنتاجية الناتجة عن الإصابات غير القاتلة في الولايات المتحدة تبلغ حوالي 25.15 مليار دولار سنوياً. وتؤكد الدراسات أن وقوع حادث بليغ يؤدي الى تصفير عداد السلامة، يصيب الموظفين الآخرين في الموقع بصدمة نفسية تجعلهم يعملون ببطء شديد وتوجس، وهو رد فعل طبيعي لحماية أنفسهم، لكنه يبطئ وتيرة الإنتاج.
ويمكن تقسيم الآثار السلبية هنا إلى نوعين، تكاليف مباشرة وتكاليف غير مباشرة.
أولا: التكاليف الاقتصادية المباشرة التي تتمثل في المصاريف النقدية التي تدفعها الشركة فور وقوع الحادث، وتشمل النفقات الطبية وتكاليف الإسعاف والعلاج وإعادة التأهيل والتعويضات والتسويات القانونية.
يضاف الى ذلك ارتفاع أقساط التأمين والتعرض لغرامات قانونية وعقوبات مالية مباشرة إذا ما ثبت أن هناك خللا في معايير الأمان.
ثانيا: التكاليف الاقتصادية غير المباشرة. ووفقا لدراسات منظمة العمل الدولية (ILO) فإن التكاليف غير المباشرة قد تصل إلى 4 أضعاف التكاليف المباشرة، وهي التي تستنزف ربحية الشركات بصمت، وتشمل خسارة الإنتاجية وتوقف موقع العمل بعد الحادث، وخسائر وقت العمال الآخرين الذين يتوقفون عن العمل بسبب الصدمة أو للمساعدة أو للمراقبة. وكذلك خسائر تكاليف العمالة البديلة أو دفع أجور عمل إضافي لتغطية النقص. فضلا عن احتمال تضرر معدات أو أصول بسبب الحوادث. وقد يتبع ذلك تأخير في تسليم المشاريع وما يرتبط به من شروط جزائية وفقا للعقود. هذا إلى جانب الوقت الإداري المهدور سواء من قبل المسؤولين والمشرفين أو موظفي الموارد البشرية والعمال.
وعلى المدى البعيد، تتأثر القيمة السوقية للشركة، وقد تفقد الميزة التنافسية إذا تكرر الحادث، ويصل الامر الى ان تُستبعد من المناقصات الكبرى، ما يعني خسارة فرص نمو بمليارات الدولارات. وبنفس الوقت تتراجع السمعة التجارية ما قد يدفع المستثمرين الى سحب أموالهم.
تكاليف.. أم استثمار؟
كل ما سبق يقودنا الى سؤال مهم، هل ما تدفعه أي شركة من مبالغ طائلة لتعزيز الأمن والسلامة هي تكاليف تشغيلية أم استثمار اقتصادي؟
الدراسات تجيب مباشرة: المبالغ التي تنفقها الشركات للحد من الحوادث هي استثمار حقيقي ومربح، وليس مجرد «كلفة» أو مصاريف تشغيلية مهدورة.
بل تؤكد دراسات وكالة السلامة والصحة المهنية الأمريكية (OSHA) والجمعية الدولية للضمان الاجتماعي (ISSA) أن كل دولار تستثمره الشركة في برامج السلامة ومنع الحوادث، يعود عليها بعائد مالي يتراوح بين 2.4 إلى 4.4 دولارات. وقد لا يظهر هذا العائد كأرباح نقدية مباشرة، لكنه قد يكون تكاليف ضخمة تم تجنبها من خلال تجنب الغرامات التعويضات القضائية ومصاريف العلاج، وحماية الآلات والمعدات باهظة الثمن، وخفض التكاليف الثابتة مثل أقساط التأمين، وكذلك تحسين كفاءة الإنتاج وحماية رأس المال البشري والمهارات التي تمثل أثمن أصول الشركة.
والى جانب ما سبق، يسهم الاستثمار في السلامة في تعزيز أصول معنوية للشركة مثل السمعة التجارية والقيمة السوقية التي تتحول إلى قيمة مالية عندما تنمو الشركة او تفوز بمناقصات كبرى ما كانت لتحصل عليها لو امتلكت سجلا تشوبه الحوادث.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك