العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرياضة

ليس بعـدد العمليات.. بل بجــودة القـــرار

بقلم: د. عبدالله الجودر

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يُسأل‭ ‬الطبيب‭ ‬الناجح‭: ‬كم‭ ‬عملية‭ ‬أجريت؟‭ ‬بل‭: ‬كم‭ ‬مريضاً‭ ‬عاد‭ ‬آمناً‭ ‬إلى‭ ‬حياته‭ ‬ورياضته‭ ‬وعمله‭ ‬بأقل‭ ‬ضرر‭ ‬ممكن؟

في‭ ‬الرياضة‭ ‬نحب‭ ‬الأرقام‭: ‬عدد‭ ‬الأهداف،‭ ‬عدد‭ ‬البطولات،‭ ‬عدد‭ ‬المشاركات،‭ ‬عدد‭ ‬الدقائق‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تنتقل‭ ‬عدوى‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬الطب،‭ ‬تصبح‭ ‬المسألة‭ ‬أخطر‭. ‬فالعملية‭ ‬الجراحية‭ ‬ليست‭ ‬هدفاً‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬الخصم،‭ ‬ولا‭ ‬رقماً‭ ‬يرفع‭ ‬رصيد‭ ‬الطبيب‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬ترتيب‭ ‬غير‭ ‬معلن‭. ‬العملية‭ ‬قرار‭ ‬إنساني‭ ‬ومعرفي‭ ‬وأخلاقي،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬إنقاذاً‭ ‬لمستقبل‭ ‬رياضي،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬أخرى‭ ‬تدخلاً‭ ‬لا‭ ‬يضيف‭ ‬الى‭ ‬المريض‭ ‬إلا‭ ‬ندبة‭ ‬وقلقاً‭ ‬وكلفة‭ ‬وربما‭ ‬ضرراً‭.‬

تخيّل‭ ‬لاعباً‭ ‬أو‭ ‬موظفاً‭ ‬أو‭ ‬رب‭ ‬أسرة‭ ‬يدخل‭ ‬العيادة‭ ‬وفي‭ ‬يده‭ ‬تقرير‭ ‬رنين‭ ‬مغناطيسي‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬تمزق‮»‬‭. ‬يسأل‭ ‬بقلق‭: ‬‮«‬هل‭ ‬أحتاج‭ ‬الى‭ ‬عملية؟‮»‬‭ ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يلتقطها‭ ‬الإعلان،‭ ‬ولا‭ ‬تختصرها‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬ولا‭ ‬تقيسها‭ ‬قائمة‭ ‬العمليات‭ ‬الأسبوعية‭. ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬الطبيب‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬العملية؟‭ ‬بل‭: ‬هل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُجرى‭ ‬أصلاً؟‭ ‬وهل‭ ‬هذا‭ ‬المريض،‭ ‬بهذه‭ ‬الأعراض،‭ ‬وهذا‭ ‬الفحص‭ ‬السريري،‭ ‬وهذه‭ ‬التوقعات،‭ ‬وهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬العمرية‭ ‬والرياضية،‭ ‬سيستفيد‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬سيتحمل‭ ‬من‭ ‬مخاطرها؟

منطق‭ ‬العدّ‭ ‬ومنطق‭ ‬القيمة

كان‭ ‬الطب‭ ‬زمناً‭ ‬طويلاً‭ ‬يُقاس‭ ‬بما‭ ‬ينتجه‭: ‬عدد‭ ‬المراجعين،‭ ‬عدد‭ ‬الأشعة،‭ ‬عدد‭ ‬الحقن،‭ ‬عدد‭ ‬العمليات،‭ ‬عدد‭ ‬الأسرّة‭ ‬المشغولة‭. ‬هذه‭ ‬كلها‭ ‬‮«‬مخرجات»؛‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬النظام‭ ‬الصحي‭. ‬أما‭ ‬الطب‭ ‬الحديث‭ ‬فيسأل‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النتائج‮»‬‭: ‬هل‭ ‬خف‭ ‬الألم؟‭ ‬هل‭ ‬عاد‭ ‬المريض‭ ‬إلى‭ ‬الرياضة؟‭ ‬هل‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬عمله؟‭ ‬هل‭ ‬تحسنت‭ ‬جودة‭ ‬حياته؟‭ ‬هل‭ ‬تجنب‭ ‬المضاعفات؟‭ ‬هل‭ ‬احتاج‭ ‬الى‭ ‬عملية‭ ‬ثانية؟‭ ‬وهل‭ ‬بقيت‭ ‬النتيجة‭ ‬جيدة‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬وخمس‭ ‬وعشر‭ ‬سنوات؟

هذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القيمة‭. ‬فالقيمة‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تقليل‭ ‬الصرف‭ ‬بطريقة‭ ‬عمياء،‭ ‬ولا‭ ‬حرمان‭ ‬المريض‭ ‬من‭ ‬علاج‭ ‬ضروري،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬تحسين‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬المريض‭ ‬مقابل‭ ‬الموارد‭ ‬والمخاطر‭ ‬المبذولة‭ ‬لتحقيقها‭. ‬وقد‭ ‬عرّف‭ ‬مايكل‭ ‬بورتر‭ ‬في‭ ‬New‭ ‬England‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Medicine‭ ‬القيمة‭ ‬بأنها‭ ‬النتائج‭ ‬الصحية‭ ‬المتحققة‭ ‬مقابل‭ ‬الكلفة،‭ ‬بينما‭ ‬تؤكد‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬تُخلق‭ ‬حين‭ ‬تتحسن‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬فعلاً‭ ‬لا‭ ‬حين‭ ‬تزداد‭ ‬الإجراءات‭ ‬حوله‭.‬

ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬تعرّف‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬بأنها‭ ‬زيادة‭ ‬احتمال‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬صحية‭ ‬مرغوبة،‭ ‬بما‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬المعرفة‭ ‬المهنية‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬الدليل،‭ ‬وتربط‭ ‬الجودة‭ ‬بكون‭ ‬الخدمة‭ ‬فعالة‭ ‬وآمنة‭ ‬ومتمحورة‭ ‬حول‭ ‬الإنسان‭ ‬وفي‭ ‬وقتها‭ ‬ومنصفة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬وكفؤة‭. ‬وهذا‭ ‬تعريف‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬مساحة‭ ‬كبيرة‭ ‬لثقافة‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬يعني‭ ‬أفضل‮»‬‭. ‬

هل‭ ‬كثرة‭ ‬العمليات‭ ‬تعني‭ ‬جودة‭ ‬أعلى؟

الجواب‭ ‬الناضج‭: ‬أحياناً‭ ‬تعني‭ ‬خبرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬الجودة‭. ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬الحجم‭ ‬الجراحي‭ ‬المرتفع‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العمليات‭ ‬المعقدة‭ ‬قد‭ ‬يرتبط‭ ‬بنتائج‭ ‬أفضل‭ ‬بسبب‭ ‬الخبرة،‭ ‬الفريق،‭ ‬التخدير،‭ ‬التمريض،‭ ‬البروتوكولات،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬المضاعفات‭. ‬مراجعة‭ ‬واسعة‭ ‬شملت‭ ‬403‭ ‬دراسات‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬حجم‭ ‬العمليات‭ ‬بالنتائج‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الدراسات‭ ‬أظهرت‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بين‭ ‬الحجم‭ ‬الأعلى‭ ‬والنتائج‭ ‬الأفضل،‭ ‬لكنها‭ ‬حذرت‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬القياس،‭ ‬وأن‭ ‬العلاقة‭ ‬تختلف‭ ‬بحسب‭ ‬نوع‭ ‬الجراحة‭ ‬والمؤشرات‭ ‬المستخدمة،‭ ‬وأن‭ ‬الحجم‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معياراً‭ ‬مطلقاً‭ ‬لصناعة‭ ‬القرار‭ ‬الصحي‭. ‬‮ ‬

إذن،‭ ‬الطبيب‭ ‬كثير‭ ‬العمليات‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬خبيراً،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬عالي‭ ‬الكفاءة‭. ‬لكن‭ ‬كثرة‭ ‬العمليات‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬أيضاً‭ ‬توسعاً‭ ‬في‭ ‬المؤشرات،‭ ‬أو‭ ‬ضغطاً‭ ‬تجارياً،‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬قبولاً‭ ‬متساهلاً‭ ‬لحالات‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬علاجها‭ ‬بغير‭ ‬جراحة‭. ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬الطبيب‭ ‬النشط‭ ‬والطبيب‭ ‬ذي‭ ‬القيمة‭ ‬ليس‭ ‬عدد‭ ‬ما‭ ‬فعله،‭ ‬بل‭ ‬دقة‭ ‬من‭ ‬اختارهم،‭ ‬وصدق‭ ‬ما‭ ‬شرحه‭ ‬لهم،‭ ‬ونتائج‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬لهم‭.‬

حين‭ ‬يكون‭ ‬عدم‭ ‬إجراء‭ ‬العملية‭ ‬قراراً‭ ‬متقدماً

في‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي‭ ‬وجراحة‭ ‬العظام‭ ‬تحديداً،‭ ‬توجد‭ ‬أمثلة‭ ‬عالمية‭ ‬جعلت‭ ‬المجتمع‭ ‬الطبي‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬شائعة‭. ‬في‭ ‬التمزقات‭ ‬التنكسية‭ ‬للغضروف‭ ‬الهلالي‭ ‬لدى‭ ‬متوسطي‭ ‬العمر،‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬عشوائية‭ ‬ومراجعات‭ ‬وإرشادات‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬المنظم‭ ‬قد‭ ‬يعطي‭ ‬نتائج‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬الاستئصال‭ ‬الجزئي‭ ‬بالمنظار‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭. ‬ففي‭ ‬تجربة‭ ‬ESCAPE‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬JAMA‭ ‬Network‭ ‬Open،‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬فرق‭ ‬مهم‭ ‬سريرياً‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬بين‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬والجراحة‭ ‬لدى‭ ‬مرضى‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬45‭ ‬و70‭ ‬عاماً،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬داعمة‭ ‬لجعل‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬الخيار‭ ‬المفضل‭ ‬في‭ ‬التمزقات‭ ‬التنكسية‭. ‬‮ ‬

وليست‭ ‬هذه‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬الجراحة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬مؤشراتها‭. ‬فهناك‭ ‬تمزق‭ ‬حاد‭ ‬عند‭ ‬رياضي‭ ‬شاب،‭ ‬وركبة‭ ‬مقفلة،‭ ‬وعدم‭ ‬ثبات‭ ‬واضح،‭ ‬وإصابة‭ ‬رباطية‭ ‬مصاحبة،‭ ‬وتمزق‭ ‬قابل‭ ‬للإصلاح،‭ ‬وحالات‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬التدخل‭ ‬الجراحي‭ ‬قراراً‭ ‬صحيحاً‭ ‬وربما‭ ‬ضرورياً‭. ‬لكن‭ ‬الأدلة‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭: ‬إن‭ ‬الألم‭ ‬المزمن‭ ‬مع‭ ‬تغيرات‭ ‬تنكسية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬منظار‭. ‬توصيات‭ ‬Choosing‭ ‬Wisely‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬جعل‭ ‬منظار‭ ‬الركبة‭ ‬خياراً‭ ‬أولياً‭ ‬للتمزقات‭ ‬التنكسية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أعراض‭ ‬ميكانيكية‭ ‬واضحة،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬علاج‭ ‬غير‭ ‬جراحي‭ ‬مناسب‭ ‬أولاً‭. ‬‮ ‬

الأهم‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬FIDELITY‭ ‬الشهيرة‭ ‬قارنت‭ ‬الاستئصال‭ ‬الجزئي‭ ‬للغضروف‭ ‬الهلالي‭ ‬بجراحة‭ ‬وهمية،‭ ‬ووجدت‭ ‬في‭ ‬نتائجها‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الجراحة‭ ‬الوهمية،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬متابعة‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬NEJM‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬لتعيد‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬بقوة‭ ‬أكبر‭ ‬حول‭ ‬فائدة‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التنكسية‭ ‬المختارة‭ ‬بعناية‭. ‬‮ ‬

الرنين‭ ‬المغناطيسي‭ ‬شاهد‭.. ‬لا‭ ‬قاضٍ

من‭ ‬أخطر‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الصحية‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬أصبحت‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬القصة‭. ‬يرى‭ ‬المريض‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬تمزق‮»‬‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬الرنين،‭ ‬فيتصور‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬قدر‭ ‬محتوم‭. ‬لكن‭ ‬الطب‭ ‬لا‭ ‬يُمارس‭ ‬من‭ ‬التقرير‭ ‬وحده‭. ‬الصورة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُقرأ‭ ‬مع‭ ‬العمر،‭ ‬الأعراض،‭ ‬الفحص‭ ‬السريري،‭ ‬مستوى‭ ‬النشاط،‭ ‬أهداف‭ ‬المريض،‭ ‬وتاريخ‭ ‬الإصابة‭.‬

الدراسات‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الموجودات‭ ‬في‭ ‬الرنين‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬عند‭ ‬أشخاص‭ ‬بلا‭ ‬ألم‭. ‬ففي‭ ‬الركبة،‭ ‬بيّنت‭ ‬دراسات‭ ‬على‭ ‬الغضروف‭ ‬الهلالي‭ ‬أن‭ ‬التمزقات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬شائعة‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يشكون‭ ‬من‭ ‬أعراض‭. ‬وفي‭ ‬الكتف،‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬في‭ ‬JAMA‭ ‬Internal‭ ‬Medicine‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬تغيرات‭ ‬أوتار‭ ‬الكفة‭ ‬المدورة‭ ‬في‭ ‬الرنين‭ ‬كانت‭ ‬شبه‭ ‬شاملة‭ ‬بعد‭ ‬سن‭ ‬الأربعين،‭ ‬وظهرت‭ ‬لدى‭ ‬أكتاف‭ ‬بلا‭ ‬أعراض‭ ‬وأخرى‭ ‬مؤلمة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الرنين‭ ‬الروتيني‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬وحده‭ ‬تشخيص‭ ‬وعلاج‭ ‬ألم‭ ‬الكتف‭ ‬غير‭ ‬الرضحي‭. ‬‮ ‬

ليست‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬مشرط،‭ ‬وليست‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬مرضاً‭ ‬مستقلاً‭. ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬التقرير‭ ‬وصفاً‭ ‬للعمر،‭ ‬أو‭ ‬للحمل‭ ‬الرياضي،‭ ‬أو‭ ‬لتغير‭ ‬بنيوي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬الألم‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬قيمة‭ ‬الطبيب‭: ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬الصورة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لها‭.‬

العلاج‭ ‬التحفظي‭ ‬ليس‭ ‬طباً‭ ‬أقل‭ ‬قيمة

من‭ ‬الظلم‭ ‬أن‭ ‬نقدّم‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬وكأنهما‭ ‬‮«‬مرحلة‭ ‬انتظار‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬الجراحة،‭ ‬أو‭ ‬خياراً‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية‭. ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي‭ ‬المتقدم،‭ ‬إعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬علم‭ ‬كامل‭: ‬تقييم‭ ‬حركة،‭ ‬قوة،‭ ‬توازن،‭ ‬تحكم‭ ‬عصبي‭ ‬عضلي،‭ ‬تحميل‭ ‬تدريجي،‭ ‬تعديل‭ ‬نمط‭ ‬التدريب،‭ ‬إدارة‭ ‬ألم،‭ ‬بناء‭ ‬ثقة،‭ ‬ثم‭ ‬عودة‭ ‬محسوبة‭ ‬إلى‭ ‬الرياضة‭. ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬أدبيات‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الرياضة‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الرجوع‭ ‬بعد‭ ‬الإصابة‭ ‬ليس‭ ‬لحظة‭ ‬منفصلة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العلاج،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬تشارك‭ ‬فيها‭ ‬عوامل‭ ‬بدنية‭ ‬ونفسية‭ ‬ورياضية،‭ ‬ويتخذها‭ ‬الفريق‭ ‬مع‭ ‬اللاعب‭ ‬لا‭ ‬نيابة‭ ‬عنه‭. ‬‮ ‬

العملية‭ ‬الجراحية‭ ‬قد‭ ‬تصلح‭ ‬الرباط‭ ‬أو‭ ‬الوتر‭ ‬أو‭ ‬المفصل،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعيد‭ ‬وحدها‭ ‬لاعباً‭ ‬إلى‭ ‬الملعب‭. ‬الذي‭ ‬يعيده‭ ‬هو‭ ‬القرار‭ ‬الصحيح،‭ ‬والجراحة‭ ‬المناسبة‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬والتأهيل‭ ‬المتقن‭ ‬بعدها،‭ ‬والمتابعة‭ ‬الطويلة،‭ ‬وصدق‭ ‬التوقعات‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭.‬

الإفراط‭ ‬في‭ ‬العلاج‭: ‬مشكلة‭ ‬عالمية‭ ‬لا‭ ‬محلية

الإفراط‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬ليس‭ ‬اتهاماً‭ ‬للأطباء،‭ ‬بل‭ ‬ظاهرة‭ ‬عالمية‭ ‬تعترف‭ ‬بها‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬المتقدمة‭. ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬الصحي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يضيف‭ ‬الى‭ ‬تحسين‭ ‬صحة‭ ‬الناس،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬أسوأ‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬الرعاية‭ ‬الصحيحة‮»‬‭ ‬في‭ ‬The‭ ‬Lancet‭ ‬ناقشت‭ ‬عالمياً‭ ‬خطر‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬قليلة‭ ‬القيمة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ضرورية،‭ ‬وما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬ضرر‭ ‬للمريض‭ ‬وهدر‭ ‬للموارد‭ ‬وتحويل‭ ‬للانتباه‭ ‬عن‭ ‬تدخلات‭ ‬أكثر‭ ‬فائدة‭. ‬‮ ‬

المريض‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬التدخل‭ ‬غير‭ ‬الضروري‭ ‬لأنه‭ ‬يريد‭ ‬الضرر‭. ‬هو‭ ‬يطلبه‭ ‬لأنه‭ ‬خائف،‭ ‬أو‭ ‬لأنه‭ ‬سمع‭ ‬تجربة‭ ‬صديق،‭ ‬أو‭ ‬لأنه‭ ‬رأى‭ ‬مقطعاً‭ ‬دعائياً،‭ ‬أو‭ ‬لأنه‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬الأسرع‭ ‬هو‭ ‬العلاج‭ ‬الأفضل‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬التواصل‭ ‬علاجاً‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭. ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬الطبيب‭ ‬للمريض‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬عملية‭ ‬الآن‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬تهرباً‭ ‬من‭ ‬العلاج؛‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬العلاج‭.‬

الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الأطباء‭.. ‬علم‭ ‬لا‭ ‬معركة

ليس‭ ‬كل‭ ‬اختلاف‭ ‬بين‭ ‬طبيبين‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أحدهما‭ ‬مخطئ‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬أمين‭. ‬الطب‭ ‬علم‭ ‬احتمالات،‭ ‬لا‭ ‬معادلة‭ ‬رياضية‭ ‬مغلقة‭. ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬طبيب‭ ‬أن‭ ‬المريض‭ ‬مناسب‭ ‬للجراحة،‭ ‬ويرى‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬العلاج‭ ‬التحفظي‭ ‬أولى،‭ ‬وكلاهما‭ ‬قد‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬معتبر‭ ‬إذا‭ ‬وُثقت‭ ‬الأسباب،‭ ‬وشرحت‭ ‬البدائل،‭ ‬واحترمت‭ ‬تفضيلات‭ ‬المريض‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬الاختلاف‭. ‬الأخلاقيات‭ ‬المهنية‭ ‬العالمية‭ ‬تؤكد‭ ‬احترام‭ ‬الزملاء،‭ ‬والتعاون‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬مناسباً،‭ ‬وتقديم‭ ‬مصلحة‭ ‬المريض،‭ ‬وتجنب‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬ثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬بالمهنة‭. ‬وتؤكد‭ ‬الإرشادات‭ ‬الحديثة‭ ‬للممارسة‭ ‬الجيدة‭ ‬أن‭ ‬رعاية‭ ‬المريض‭ ‬أولاً،‭ ‬وأن‭ ‬الشراكة‭ ‬معه،‭ ‬واحترام‭ ‬الزملاء،‭ ‬والصدق‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬الخطأ،‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬المهنية‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬كمالياتها‭. ‬‮ ‬

التقليل‭ ‬من‭ ‬زميل‭ ‬أمام‭ ‬المريض‭ ‬قد‭ ‬يعطي‭ ‬صاحبه‭ ‬انتصاراً‭ ‬لحظياً،‭ ‬لكنه‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬أعمق‭: ‬مريضاً‭ ‬مرتاباً،‭ ‬وأسرة‭ ‬مشوشة،‭ ‬ومهنة‭ ‬تفقد‭ ‬هيبتها‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬النقد‭ ‬العلمي‭ ‬مطلوب،‭ ‬والمراجعة‭ ‬المهنية‭ ‬واجبة،‭ ‬والإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬الخطر‭ ‬ضرورة؛‭ ‬أما‭ ‬التشهير‭ ‬والتلميح‭ ‬والتسويق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين‭ ‬فليست‭ ‬شجاعة‭ ‬علمية،‭ ‬بل‭ ‬إضعافا‭ ‬للثقة‭ ‬العامة‭.‬

وسائل‭ ‬التواصل‭..‬

‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬وتسويق‭ ‬الوهم

وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منصة‭ ‬عظيمة‭ ‬للتثقيف،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تخلق‭ ‬صورة‭ ‬مضللة‭ ‬عن‭ ‬النجاح‭ ‬الطبي‭. ‬عملية‭ ‬مصورة،‭ ‬مريض‭ ‬يمشي‭ ‬بعد‭ ‬ساعات،‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬تقنية‭ ‬متقدمة‮»‬،‭ ‬وصورة‭ ‬قبل‭ ‬وبعد؛‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬صحيحاً‭ ‬جزئياً،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬للحكم‭. ‬أين‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحتج‭ ‬الى‭ ‬عملية؟‭ ‬أين‭ ‬المضاعفات؟‭ ‬أين‭ ‬النتائج‭ ‬بعد‭ ‬عامين؟‭ ‬أين‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬للرياضة؟‭ ‬أين‭ ‬معيار‭ ‬الاختيار؟

توصيات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لجراحي‭ ‬العظام‭ ‬بشأن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬تؤكد‭ ‬الخصوصية،‭ ‬المهنية،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬محكمة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الحكايات‭ ‬الشخصية،‭ ‬وتذكّر‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬منشور‭ ‬يمس‭ ‬سمعة‭ ‬المريض‭ ‬والجراح‭ ‬والمؤسسة‭ ‬والمهنة‭. ‬كما‭ ‬تشدد‭ ‬إرشادات‭ ‬الكلية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للجراحين‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬خلط‭ ‬الحدود‭ ‬المهنية‭ ‬والشخصية،‭ ‬وعلى‭ ‬أن‭ ‬التواصل‭ ‬الرقمي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحمي‭ ‬مصلحة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭. ‬‮ ‬

الفرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬عرض‭ ‬النتائج‭ ‬وتسويق‭ ‬الإنجازات‭. ‬عرض‭ ‬النتائج‭ ‬يعني‭ ‬شفافية‭: ‬أرقام،‭ ‬مؤشرات،‭ ‬متابعة،‭ ‬مضاعفات،‭ ‬إعادة‭ ‬عمليات،‭ ‬رضا‭ ‬مرضى،‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬والرياضة‭. ‬أما‭ ‬التسويق‭ ‬فينتقي‭ ‬اللحظة‭ ‬الجميلة‭ ‬ويخفي‭ ‬السياق‭.‬

القانون‭ ‬الحديث‭ ‬يحب‭ ‬الدليل‭ ‬لا‭ ‬البطولة

في‭ ‬الزمن‭ ‬الحديث،‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬الطبيبَ‭ ‬الادعاء‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬اجتهد‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬يحمي‭ ‬المريضَ‭ ‬أن‭ ‬الطبيب‭ ‬‮«‬مشهور‮»‬‭ ‬فقط‭. ‬ما‭ ‬يحمي‭ ‬الطرفين‭ ‬هو‭ ‬القرار‭ ‬الموثق‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الدليل‭: ‬قصة‭ ‬مرضية‭ ‬واضحة،‭ ‬فحص‭ ‬سريري،‭ ‬تفسير‭ ‬للصورة،‭ ‬تشخيص‭ ‬تفريقي،‭ ‬عرض‭ ‬خيارات،‭ ‬شرح‭ ‬مخاطر‭ ‬وفوائد،‭ ‬توقعات‭ ‬واقعية،‭ ‬موافقة‭ ‬مستنيرة،‭ ‬وخطة‭ ‬متابعة‭ ‬وتأهيل‭.‬

المنظمة‭ ‬الطبية‭ ‬العالمية‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التوثيق‭ ‬الطبي‭ ‬الدقيق‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬وعلى‭ ‬أن‭ ‬المعلومات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬واقعية‭ ‬وغير‭ ‬مضللة‭. ‬كما‭ ‬تؤكد‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الوطنية‭ ‬للطب‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭ ‬حول‭ ‬التشخيص‭ ‬أن‭ ‬التشخيص‭ ‬عملية‭ ‬معقدة‭ ‬وتعاونية،‭ ‬وأن‭ ‬فشل‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المريض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬السلامة‭ ‬التشخيصية‭. ‬‮ ‬‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الشكاوى‭ ‬الطبية‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬خطأ‭ ‬تقني‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬الفهم‭: ‬مريض‭ ‬لم‭ ‬تُشرح‭ ‬له‭ ‬البدائل،‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬الطب‭ ‬احتمالي،‭ ‬أو‭ ‬فوجئ‭ ‬بمضاعفة‭ ‬لم‭ ‬يتوقعها،‭ ‬أو‭ ‬شعر‭ ‬أن‭ ‬قراره‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مشتركاً‭. ‬وقد‭ ‬بيّنت‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬BMJ‭ ‬Quality‭ ‬‭&‬‭ ‬Safety‭ ‬أن‭ ‬شكاوى‭ ‬المرضى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأحداث‭ ‬الضارة‭ ‬والمطالبات‭ ‬القانونية،‭ ‬وأنها‭ ‬مورد‭ ‬مهم‭ ‬لتحسين‭ ‬السلامة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬إداري‭ ‬مزعج‭. ‬‮ ‬

السجلات‭ ‬الوطنية‭.. ‬نهاية‭ ‬عصر‭ ‬الانطباع

في‭ ‬الأنظمة‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النجاح‭ ‬الجراحي‭ ‬قصة‭ ‬تُروى‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بيانات‭ ‬تُقاس‭. ‬سجلات‭ ‬المفاصل‭ ‬الوطنية،‭ ‬وسجلات‭ ‬الرباط‭ ‬الصليبي،‭ ‬ومؤشرات‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬عنها‭ ‬المرضى،‭ ‬كلها‭ ‬غيّرت‭ ‬معنى‭ ‬النجاح‭. ‬السجل‭ ‬الأمريكي‭ ‬لاستبدال‭ ‬المفاصل‭ ‬يضم‭ ‬بيانات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬إجراء،‭ ‬ويستخدم‭ ‬للمقارنة‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬وسلامة‭ ‬المرضى‭. ‬والسجل‭ ‬الوطني‭ ‬للمفاصل‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬سجل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬ملايين‭ ‬إجراء‭ ‬منذ‭ ‬2003‭ ‬بهدف‭ ‬تحسين‭ ‬نتائج‭ ‬المرضى‭ ‬وسلامتهم‭. ‬‮ ‬

وفي‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي،‭ ‬تكشف‭ ‬سجلات‭ ‬الرباط‭ ‬الصليبي‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تكشفه‭ ‬صور‭ ‬النجاح‭ ‬السريعة‭: ‬معدلات‭ ‬إعادة‭ ‬العملية،‭ ‬أسباب‭ ‬الفشل،‭ ‬أثر‭ ‬العمر،‭ ‬نوع‭ ‬الطعم،‭ ‬الإصابات‭ ‬الجديدة،‭ ‬والنتائج‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭. ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬من‭ ‬السجل‭ ‬النرويجي‭ ‬للرباط‭ ‬الصليبي‭ ‬شملت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬حالة،‭ ‬وقدرت‭ ‬معدل‭ ‬المراجعة‭ ‬بعد‭ ‬15‭ ‬عاماً،‭ ‬وبيّنت‭ ‬أن‭ ‬الفشل‭ ‬متعدد‭ ‬العوامل‭ ‬وأن‭ ‬الإصابة‭ ‬الجديدة‭ ‬سبب‭ ‬شائع‭. ‬‮ ‬

لهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬سؤال‭: ‬‮«‬كم‭ ‬عملية‭ ‬أجريت؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭: ‬كم‭ ‬مريضاً‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬رياضته؟‭ ‬كم‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬عمله؟‭ ‬كم‭ ‬تحسنت‭ ‬جودة‭ ‬حياته؟‭ ‬كم‭ ‬احتاج‭ ‬الى‭ ‬عملية‭ ‬ثانية؟‭ ‬كم‭ ‬أصيب‭ ‬بمضاعفات؟‭ ‬ما‭ ‬النتائج‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات؟‭ ‬وماذا‭ ‬قال‭ ‬المرضى‭ ‬أنفسهم‭ ‬عن‭ ‬الألم‭ ‬والوظيفة‭ ‬والثقة‭ ‬والرضا؟

تؤكد‭ ‬مبادرات‭ ‬مثل‭ ‬PaRIS‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬أن‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬بدأت‭ ‬تقيس‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬الناس‭: ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬الوظيفة‭ ‬الجسدية،‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬وتجربة‭ ‬الرعاية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬المدخلات‭ ‬والعمليات‭. ‬وتدعو‭ ‬ICHOM‭ ‬ومبادرات‭ ‬PROMs‭ ‬في‭ ‬جراحة‭ ‬العظام‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬المرضى‭ ‬أنفسهم،‭ ‬مثل‭ ‬الألم،‭ ‬الوظيفة،‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬الرضا،‭ ‬العمل،‭ ‬وإعادة‭ ‬العمليات‭. ‬‮ ‬

خاتمة‭: ‬المشرط‭ ‬أداة‭.. ‬والقرار‭ ‬هو‭ ‬الطب

هذه‭ ‬ليست‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬العمليات‭ ‬الضرورية،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تمجيد‭ ‬العلاج‭ ‬التحفظي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المريض،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬محاكمة‭ ‬الطبيب‭ ‬الناشط‭. ‬الجراحة‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الرياضي‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬لاعباً‭ ‬إلى‭ ‬مسيرته،‭ ‬وتحمي‭ ‬مفصلاً‭ ‬من‭ ‬التدهور،‭ ‬وتصلح‭ ‬إصابة‭ ‬لا‭ ‬يصلحها‭ ‬الزمن‭. ‬لكن‭ ‬الجراحة‭ ‬العظيمة‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭: ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬قرار‭ ‬صحيح‭.‬

المجتمع‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬وهم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الأكثر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الأفضل‮»‬‭. ‬والطبيب‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬إثبات‭ ‬النجاح‭ ‬بعدد‭ ‬الإجراءات‭. ‬والإدارة‭ ‬الصحية‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬تكافئ‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬النشاط‭ ‬وحده‭. ‬وصانع‭ ‬القرار‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬سجلات‭ ‬ومؤشرات‭ ‬ومقارنات‭ ‬عادلة‭. ‬والمريض‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬إجراء‭ ‬العملية‭ ‬ليس‭ ‬دائماً‭ ‬رفضاً‭ ‬لعلاجه،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬احتراماً‭ ‬لجسده‭ ‬ومستقبله‭.‬

ليس‭ ‬كل‭ ‬ألم‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬عملية‭. ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬رنين‭ ‬مغناطيسي‭ ‬يستدعي‭ ‬تدخلاً‭. ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬اختلاف‭ ‬بين‭ ‬طبيبين‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أحدهما‭ ‬مخطئ‭. ‬الطب‭ ‬علم‭ ‬احتمالات،‭ ‬والنجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬نتيجة‭ ‬للمريض‭ ‬بأقل‭ ‬ضرر‭ ‬ممكن‭.‬

نجاح‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬يصنعه‭ ‬فردٌ‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬يُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الإجراءات،‭ ‬بل‭ ‬بروح‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الأطباء‭ ‬والفريق‭ ‬المعالج،‭ ‬وبقرارٍ‭ ‬علمي‭ ‬يحترم‭ ‬اختلاف‭ ‬الآراء‭ ‬ويضع‭ ‬مصلحة‭ ‬المريض‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار

 

 

 

د. عبدالله الجودر

  استشاري جراحة العظام  والطب الرياضي وجراحة المناظير وإعادة بناء الطرف السفلي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا