العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣١ - الأربعاء ٠١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

تراجع الإنتاجية في بيئات العمل..
المدير يتصدر الأسباب!

د. أكبر جعفري خلال الحوار مع «أخبار الخليج».

إعداد: محمد الساعي / تصوير‭:‬ عبدالأمير‭ ‬السلاطنة

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

دراسات‭: ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬وطردية‭ ‬ومباشرة‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬المدير‭ ‬وإنتاجية‭ ‬الموظفين‭ ‬وولائهم‭ ‬للعمل

المدير‭ ‬النرجسي‭ ‬يدير‭ ‬العمل‭ ‬بمزاجية‭ ‬وقرارات‭ ‬فوقية‭ ‬وعقلية‭ ‬معقدة‭ ‬تستهدف‭ ‬استغلال‭ ‬الموظفين‭ ‬وإرهابهم‭ ‬

شعور‭ ‬المدير‭ ‬بالنقص‭ ‬وانعدام‭ ‬الأمان‭ ‬وعدم‭ ‬الكفاءة‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تعامله‭ ‬السلبي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل

المدير‭ ‬الذي‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬استغلال‭ ‬هرمون‭ ‬السعادة‭ ‬لدى‭ ‬الموظفين‭.. ‬فاشل‭!‬


أكدت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Innovation‭ ‬and‭ ‬Entrepreneurship‭ ‬بعنوان‭ (‬أثر‭ ‬القيادة‭ ‬التحويلية‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الموظفين‭ ‬والإنتاجية‭)‬،‭ ‬وغطت‭ ‬أبحاثا‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2016‭ ‬و2023،‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬عمل‭ ‬الموظف‭ ‬بكامل‭ ‬طاقته‭ ‬وإنتاجيته‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الراتب‭ ‬والقوانين،‭ ‬بل‭ ‬يتأثر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بطريقة‭ ‬تعامل‭ ‬المدير‭ ‬معه‭. ‬وأن‭ ‬المدير‭ ‬الذي‭ ‬يشجع‭ ‬الموظفين‭ ‬ويمنحهم‭ ‬الثقة‭ ‬يرفع‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬والإبداع‭. ‬

فيما‭ ‬اكدت‭ ‬دراسة‭ ‬حول‭ (‬أثر‭ ‬القيادة‭ ‬السلطوية‭ ‬والمتشددة‭ ‬على‭ ‬الأداء‭) ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬Management‭ ‬Review‭ ‬Quarterly‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬السلطوية‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬انضباطاً‭ ‬سريعاً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬لكنها‭ ‬تؤدي‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬الحماس‭ ‬والدافعية‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬ويصبح‭ ‬الموظفون‭ ‬أقل‭ ‬إبداعاً‭ ‬وأكثر‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬والسيطرة‭ ‬تقلل‭ ‬روح‭ ‬المبادرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والإنتاجية‭.‬

وعلى‭ ‬الوتيرة‭ ‬ذاتها،‭ ‬أشارت‭ ‬دراسة‭ ‬أثر‭ ‬الإدارة‭ ‬الدقيقة‭ (‬Micromanagement‭) ‬على‭ ‬الإنتاجية‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬The‭ ‬Economic‭ ‬Times‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬يخضعون‭ ‬لمراقبة‭ ‬مفرطة‭ ‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬يشعرون‭ ‬بالإرهاق‭ ‬النفسي‭ ‬وتراجع‭ ‬جودة‭ ‬العمل‭ ‬والأداء‭ ‬والإبداع‭. ‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬تساؤلات‭ ‬مهمة‭: ‬ما‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬المدير‭ ‬وإنتاجية‭ ‬الموظفين؟‭ ‬كيف‭ ‬تؤثر‭ ‬تصرفات‭ ‬المدير‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬الوظيفي‭ ‬سلبا‭ ‬أو‭ ‬إيجابا؟‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬صفات‭ ‬المديرين‭ ‬الذين‭ ‬يتسببون‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬إنتاجية‭ ‬الموظف؟‭ ‬ثم‭.. ‬أيهما‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬على‭ ‬إنتاجية‭ ‬الموظف،‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬صحية‭ ‬أم‭ ‬مدير‭ ‬جيد؟

 

الإدارة‭ ‬والإنتاجية

محاور‭ ‬مهمة‭ ‬ناقشناها‭ ‬مع‭ ‬خبير‭ ‬الإدارة‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬المدير‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمؤسسة‭ ‬جفكون‭ ‬لتحسين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الدكتور‭ ‬أكبر‭ ‬جعفري،‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬حديثه‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬وطردية‭ ‬ومباشرة‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬المدير‭ ‬وإنتاجية‭ ‬الموظفين،‭ ‬حيث‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬تدهور‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬والإنتاجية‭ ‬لدى‭ ‬الموظف‭ ‬هو‭ ‬المدير‭ ‬السيئ‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تتأثر‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬التأثير‭ ‬شئنا‭ ‬أم‭ ‬أبينا‭. ‬فالعامل‭ ‬النفسي‭ ‬هو‭ ‬المحك‭ ‬هنا‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬وتشجيع‭ ‬من‭ ‬المدير‭ ‬يكون‭ ‬أداؤه‭ ‬مختلفا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يفتقد‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭. ‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬المدير‭ ‬وبين‭ ‬الولاء‭ ‬الوظيفي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الموظفين‭ ‬سواء‭ ‬الولاء‭ ‬للمدير‭ ‬أو‭ ‬الولاء‭ ‬للمؤسسة‭.‬‭ ‬وعندما‭ ‬يجتمع‭ ‬هذان‭ ‬الولاءان‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬أفضل‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬تحقق‭ ‬أفضل‭ ‬أداء‭ ‬وانتاجية‭. ‬

في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬إشكاليات‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬او‭ ‬أسلوب‭ ‬المدير‭ ‬وتعامله‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬إرباك‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وضعف‭ ‬في‭ ‬الولاء،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬الموظفين‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مبطنة‭ ‬وذكية،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الموظف‭ ‬يبرمج‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬إراديا‭ ‬لتقديم‭ ‬أداء‭ ‬متدن‭ ‬وجودة‭ ‬متراجعة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتأخير‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬وهذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬متعمدة‭ ‬فإنه‭ ‬يصعب‭ ‬رصدها‭ ‬ومحاسبتهم‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭. ‬وبالتالي‭ ‬يكون‭ ‬الإنتاج‭ ‬والعمل‭ ‬هو‭ ‬المتضرر‭ ‬بسبب‭ ‬تصرفات‭ ‬وسلوكيات‭ ‬المدير‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬ليست‭ ‬لديها‭ ‬خبرة‭ ‬كافية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئات‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬تجمعات‭ ‬بشرية‭ ‬داخل‭ ‬مساحات‭ ‬محدودة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالسلطة‭ ‬والشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان‭ ‬ونحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تجمعات‭ ‬بشرية‭ ‬هائلة‭. ‬فهناك‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬3‭.‬3‭ ‬مليارات‭ ‬إنسان‭ ‬يعملون‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬فيما‭ ‬يقارب‭ ‬2‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬مؤسسة،‭ ‬وهم‭ ‬يمثلون‭ ‬نحو‭ ‬81‭%‬‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬البالغين‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭.‬

أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬عمرها‭ ‬قصير‭ ‬جداً‭ ‬مقارنة‭ ‬بتاريخ‭ ‬الإنسان‭. ‬وبيئة‭ ‬العمل‭ ‬تعتبر‭ ‬بيئة‭ ‬دخيلة‭ ‬على‭ ‬البشرية‭ ‬ولا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمرها‭ ‬أربعة‭ ‬قرون،‭ ‬فأول‭ ‬شركة‭ ‬منظمة‭ ‬كانت‭ ‬شركة‭ ‬الهند‭ ‬الشرقية‭ ‬الهولندية‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1602،‭ ‬وكان‭ ‬اغلب‭ ‬الإداريين‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬عسكريين‭. ‬وبالتالي‭ ‬تمت‭ ‬ادارتها‭ ‬بنمط‭ ‬عسكري‭. ‬للأسف‭ ‬مازال‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬العسكري‭ ‬هو‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الشركات‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬فحسب‭ ‬وانما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭. ‬ومازلنا‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬خبرة‭ ‬كافية‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬داخل‭ ‬بيئات‭ ‬عمل‭ ‬مغلقة،‭ ‬فيها‭ ‬تفاعل‭ ‬مادي‭ ‬ونفسي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

ومع‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أيضا،‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬بالشكل‭ ‬الكافي‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬او‭ ‬الشركات‭ ‬او‭ ‬المسؤولين‭. ‬فمنظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬مثلا‭ ‬تضع‭ ‬حوالي‭ ‬44‭ ‬معيارا‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬فقط‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحالة‭ ‬النفسية‭ ‬وبشكل‭ ‬خجول‭.‬

لذلك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭. ‬وبالتالي‭ ‬أصبحت‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬أشبه‭ ‬بالسجون،‭ ‬ونسبة‭ ‬الرضا‭ ‬الوظيفي‭ ‬عالمياً‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬23‭%‬‭. ‬فمن‭ ‬يكون‭ ‬راضياً‭ ‬داخل‭ ‬السجن؟‭ ‬وكيف‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬الموظف‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬السجن‭ ‬أن‭ ‬يتفاعل‭ ‬بإبداع؟‭ ‬خاصة‭ ‬وأننا‭ ‬حررنا‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬ولم‭ ‬نحرر‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬يوجد‭ ‬هدر‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬الموارد،‭ ‬تصل‭ ‬نسبته‭ ‬إلى‭ ‬72‭%‬،‭ ‬ومعظم‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬والأسوأ‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬أمراً‭ ‬مسلماً‭ ‬به‭ ‬عالمياً‭.‬

خذ‭ ‬مثال‭ ‬البصمة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬للحضور‭ ‬والانصراف‭. ‬ما‭ ‬فائدة‭ ‬أن‭ ‬يحضر‭ ‬الموظف‭ ‬الساعة‭ ‬السابعة‭ ‬صباحاً،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬بالإنتاج‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬التاسعة؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نعطيه‭ ‬الفرصة‭ ‬ليتكيف‭ ‬ويعمل‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬إنتاجية؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نحاسبه‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬ساعات‭ ‬الحضور‭. ‬لذلك‭ ‬أقول‭ ‬دائما‭ ‬البصمة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬ضعف‭ ‬الإدارة‭.‬

المدير‭ ‬السلبي

‭* ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬صفات‭ ‬المدير‭ ‬الجيد‭ ‬والمدير‭ ‬السلبي‭ ‬الذي‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية؟

‭** ‬لكل‭ ‬مدير‭ ‬دوران،‭ ‬قيادي‭ ‬وإداري‭. ‬القيادي‭ ‬يكون‭ ‬استراتيجيا‭ ‬استشرافياً‭ ‬داعماً‭ ‬ومحفزاً،‭ ‬كما‭ ‬يكون‭ ‬إدراكيا‭ ‬وإرشادياً‭ ‬وتنموياً،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الفاعلية‭. ‬

أما‭ ‬الإداري‭ ‬فيكون‭ ‬تنفيذياً‭ ‬إجرائياً،‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬وإنجاز‭ ‬العمليات‭ ‬وضبط‭ ‬التكاليف‭ ‬وحماية‭ ‬الأنظمة‭ ‬والمعدات،‭ ‬أي‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والإدارة‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬الجانب‭ ‬القيادي‭ ‬يرتبط‭ ‬أكثر‭ ‬بالجوانب‭ ‬الإنسانية‭. ‬فالقيادة‭ ‬هي‭ ‬قيادة‭ ‬البشر،‭ ‬أما‭ ‬الإدارة‭ ‬فهي‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭.‬

والجانبان‭ ‬يكمل‭ ‬أحدهما‭ ‬الآخر‭. ‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬المديرين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬القيادة،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬تفكيراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬بالشكل‭ ‬الكافي‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬نلاحظ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬أنهم‭ ‬يأتون‭ ‬برئيس‭ ‬تنفيذي‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬لأن‭ ‬الموجود‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بالدور‭ ‬القيادي‭ ‬المطلوب‭ ‬بالشكل‭ ‬الكافي‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬القيادة‭ ‬الناجحة‭ ‬تركز‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الذاتية‭ ‬الكامنة‭ ‬داخل‭ ‬الموظف‭ ‬مثل‭ ‬التحفيز‭ ‬والتقدير،‭ ‬والاحترام‭.‬

وللأسف‭ ‬الدراسات‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬91‭%‬‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬لا‭ ‬يمارسون‭ ‬القيادة،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬سلبي‭ ‬جداً‭. ‬فجميع‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬خلصت‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لدى‭ ‬الموظف‭ ‬احتياجات‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬الحاجة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬هي‭ ‬التقدير‭ ‬والانتباه‭. ‬ثم‭ ‬تليه‭ ‬الجوانب‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬الأخرى،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الماديات‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬مؤقت‭ ‬وقصير‭ ‬المدى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬زيادة‭ ‬الراتب،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الموظف‭ ‬بأثرها‭ ‬لمدة‭ ‬ثم‭ ‬يعتاد‭ ‬عليها‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العنصر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬استثماره‭ ‬بشكل‭ ‬مستدام‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬الداخلية‭ ‬للموظف،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬دور‭ ‬المدير‭ ‬الناجح‭. ‬فمثلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربتي‭ ‬الشخصية،‭ ‬كنت‭ ‬مستشاراً‭ ‬لمدير‭ ‬تنفيذي‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وكان‭ ‬يشكو‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يزيد‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬بهدف‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تعود‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬كانت‭. ‬وبعد‭ ‬دراسة‭ ‬الوضع‭ ‬تأكدنا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬الحوافز‭ ‬المادية‭ ‬كانت‭ ‬مؤقتة‭ ‬ومرحلية‭ ‬رغم‭ ‬ضرورتها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الموظفون‭ ‬بحاجة‭ ‬أكبر‭ ‬اليه‭ ‬هو‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والحسية‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬المادية‭ ‬غير‭ ‬ضرورية‭. ‬ولكن‭ ‬تواصل‭ ‬المدير‭ ‬مع‭ ‬الموظفين‭ ‬واعتماده‭ ‬على‭ ‬التحفيز‭ ‬والتقدير‭ ‬اهم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬المستمر‭.‬

بالمقابل،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نماذج‭ ‬لمديرين‭ ‬يلعبون‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ومن‭ ‬أكثر‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬شيوعا‭ ‬هو‭ ‬المدير‭ ‬النرجسي‭ ‬والمدير‭ ‬الميكافيلي‭. ‬وهو‭ ‬المدير‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬بسلوكيات‭ ‬غير‭ ‬مقبولة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الاخرين،‭ ‬ولا‭ ‬يتوان‭ ‬عن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الانتهازية‭ ‬والتضليل‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحقق‭ ‬الغايات‭. ‬وبالتالي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المدير‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬اعتبار‭ ‬للجوانب‭ ‬الإنسانية‭ ‬وانما‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬بأي‭ ‬ثمن،‭ ‬ويدير‭ ‬العمل‭ ‬بمزاجية‭ ‬وبقرارات‭ ‬فوقية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭. ‬

وغالبا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬الشخصية‭ ‬النرجسية‭ ‬لدى‭ ‬المدير‭ ‬معقدة‭ ‬تدير‭ ‬توجهات‭ ‬سلبية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬معتقدات‭ ‬مثل‭: ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬الموظفين‭ ‬وتستغلهم،‭ ‬وترهبهم،‭ ‬وتخوفهم‭. ‬

وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬ليست‭ ‬محصورة‭ ‬بمجتمع‭ ‬معين،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬عالمياً‭. ‬فالنرجسية‭ ‬لدى‭ ‬المدير‭ ‬تنبع‭ ‬أحياناً‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬داخلي‭ ‬بالنقص‭ ‬أو‭ ‬انعدام‭ ‬الأمان‭. ‬والمدير‭ ‬الذي‭ ‬يفتقد‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬يحاول‭ ‬تفريغ‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬على‭ ‬الموظفين‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ناتجاً‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الكفاءة،‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬بذلك،‭ ‬فيعكس‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬على‭ ‬الموظفين‭ ‬وعلى‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬والمعاناة‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬داخلي‭.‬

لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬يوم‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مدير‭ ‬نرجسي‭ ‬وعدائي‭ ‬يتصرف‭ ‬بتصرفات‭ ‬غير‭ ‬عقلانية‭ ‬وغير‭ ‬واقعية‭ ‬ويستمر‭ ‬في‭ ‬اللوم‭ ‬والتوبيخ،‭ ‬لأنه‭ ‬يحمل‭ ‬داخله‭ ‬مخزوناً‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬الماضي‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬التربية‭ ‬والأسلاف‭.‬

وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬النرجسية‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬السلطة‭. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬شخصاً‭ ‬طيباً‭ ‬ومهذباً،‭ ‬لكن‭ ‬بمجرد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬المنصب‭ ‬يبدأ‭ ‬بالتعالي‭ ‬والتسلط‭ ‬واللوم‭.‬

علما‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الإدارة،‭ ‬كلما‭ ‬نزلنا‭ ‬إلى‭ ‬أسفل‭ ‬السلم‭ ‬الوظيفي،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقل‭ ‬اللوم‭ ‬الموجه‭ ‬إليهم،‭ ‬بينما‭ ‬يزداد‭ ‬اللوم‭ ‬كلما‭ ‬صعدنا‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬الأعلى‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬عالمياً‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يحدث‭ ‬بالعكس‭. ‬وعند‭ ‬وجود‭ ‬مشاكل‭ ‬مثل‭ ‬نقص‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬غالبا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يلام‭ ‬هو‭ ‬الموظف،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬تكون‭ ‬لدى‭ ‬الموظفين‭ ‬لأنهم‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الميدان،‭ ‬ولديهم‭ ‬معلومات‭ ‬وتفاصيل‭ ‬كثيرة‭ ‬يجب‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭.‬

ومن‭ ‬النماذج‭ ‬السيئة‭ ‬أيضا‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الموظفين‭. ‬والدراسات‭ ‬تؤكد‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تُتخذ‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬الإداري،‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬4‭%‬‭. ‬والباقي‭ ‬يتعثر‭ ‬خلال‭ ‬انتقاله‭ ‬عبر‭ ‬التسلسل‭ ‬الإداري‭ ‬حيث‭ ‬تتعرض‭ ‬المعلومات‭ ‬للتحوير‭ ‬والضياع‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬المدير‭ ‬والموظفين‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭. ‬لأن‭ ‬المدير‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬وإنجاز‭ ‬مهامه‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الموظفين‭. ‬وكلما‭ ‬عاش‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬سليمة‭ ‬ومحفزة،‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬إيجابياً‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬المدير‭ ‬نفسه‭. ‬لكن‭ ‬المدير‭ ‬النرجسي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬ذلك،‭ ‬لأن‭ ‬النرجسية‭ ‬تشكل‭ ‬حاجزاً‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والواقع،‭ ‬فيبدأ‭ ‬برؤية‭ ‬الموظفين‭ ‬كتهديد‭ ‬أو‭ ‬كأعداء،‭ ‬لا‭ ‬كفريق‭ ‬عمل‭.‬

وللأسف‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬الابتعاد‭ ‬عنه،‭ ‬فحاول‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬فيك،‭ ‬بل‭ ‬فيه‭ ‬هو‭. ‬ولا‭ ‬تجعل‭ ‬كلامه‭ ‬السلبي‭ ‬يؤثر‭ ‬عليك‭. ‬فهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬الأنظمة‭ ‬والقوانين‭ ‬والتعليمات‭. ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬ضبطه‭ ‬لفترة،‭ ‬فإنه‭ ‬يعود‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬طبيعته‭ ‬القديمة‭.‬

البيئة‭.. ‬أم‭ ‬المدير

‭* ‬أيهما‭ ‬أهم‭ ‬وأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والعمل؟‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬جيدة‭ ‬أم‭ ‬مدير‭ ‬جيد؟

‭** ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأمور‭ ‬المادية،‭ ‬ونحن‭ ‬نسميها‭ ‬عوامل‭ ‬خارجية‭ (‬Extrinsic‭) ‬وتعني‭ ‬الأمور‭ ‬المادية‭ ‬والبيئية‭. ‬بينما‭ ‬معاملة‭ ‬المدير‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬أو‭ ‬الذاتية‭ (‬Intrinsic‭) ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والمعنوية‭.‬

وهذه‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إهمال‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬توازن‭ ‬بينهما‭. ‬فحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المدير‭ ‬جيداً‭ ‬جداً،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬إنتاجية‭ ‬عالية‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬مناسبة،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يعد‭ ‬هدراً‭ ‬للطاقات‭ ‬الإدارية‭. ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬كثيراً‭. ‬فلدينا‭ ‬تجارب‭ ‬عديدة‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬تحسين‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود،‭ ‬لكن‭ ‬المدير‭ ‬يبقى‭ ‬غير‭ ‬سوي‭ ‬نفسياً‭ ‬أو‭ ‬إدارياً،‭ ‬فتفشل‭ ‬المنظومة‭. ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬للمدير‭. ‬فمثلا‭ ‬إذا‭ ‬زرعت‭ ‬شجرة‭ ‬ولم‭ ‬توفر‭ ‬لها‭ ‬سبل‭ ‬النمو‭ ‬الصحيح،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬تنمُ،‭ ‬من‭ ‬المسؤول؟‭ ‬الشجرة‭ ‬أم‭ ‬الفلاح؟

إذا‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬أب‭ ‬أربعة‭ ‬أبناء‭ ‬وكلهم‭ ‬فاشلون،‭ ‬من‭ ‬المسؤول؟‭ ‬الأب‭ ‬أم‭ ‬الأبناء؟‭ ‬ونفس‭ ‬السؤال‭ ‬نطرحه‭ ‬في‭ ‬العمل‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لديك‭ ‬مدير‭ ‬وموظفون‭ ‬مع‭ ‬إنتاجية‭ ‬متدنية‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬من‭ ‬المسؤول؟‭ ‬

لذلك‭ ‬أؤكد‭ ‬ان‭ ‬المدير‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬نفسها‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تجربتي‭ ‬الشخصية،‭ ‬عملنا‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬خشنة‭ ‬ومنهكة‭ ‬جدا،‭ ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نتذمر‭ ‬او‭ ‬نتهرب‭ ‬من‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لسبب‭ ‬مباشر‭ ‬وهو‭ ‬المدير‭ ‬الجدي‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نتعامل‭ ‬معه‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬عمل‭ ‬أخرى‭ ‬وبنظرة‭ ‬واحدة‭ ‬ان‭ ‬نرصد‭ ‬مؤشرات‭ ‬تكشف‭ ‬وجود‭ ‬خلل‭ ‬أو‭ ‬إشكالية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭. ‬وعند‭ ‬الدراسة‭ ‬والقياس‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتضح‭ ‬صحة‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭. ‬كأن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ركود‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الارتباك‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬الموظفين‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬استقرار‭ ‬نفسي‭ ‬حقيقي‭. ‬

ومهما‭ ‬قمت‭ ‬بتجميل‭ ‬البيئة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المادية‭ ‬كالقاعات‭ ‬الفخمة‭ ‬والطاولات‭ ‬الجميلة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إخفاء‭ ‬الحقيقة‭.‬

هرمون‭ ‬السعادة

‭* ‬اسمح‭ ‬لي‭ ‬بسؤال‭ ‬أخير،‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬الموظف‭ ‬نفسه؟‭ ‬ألا‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬نقص‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان؟

‭** ‬بالتأكيد،‭ ‬ولكننا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الموظف‭ ‬الطبيعي‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يكسب‭ ‬رزقه‭ ‬وقوت‭ ‬عائلته‭. ‬فما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفهمه‭ ‬الجميع‭ ‬خاصة‭ ‬المديرين،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الموظف‭ ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وفرنا‭ ‬له‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة،‭ ‬فإنه‭ ‬سيحب‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي‭ ‬ولا‭ ‬يتهرب‭. ‬

والسبب‭ ‬ببساطة‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬هرموناً‭ (‬دوبامين‭) ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أربعة‭ ‬هرمونات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسعادة،‭ ‬ينشط‭ ‬هذا‭ ‬الهرمون‭ ‬عندما‭ ‬ينجز‭ ‬الانسان‭ ‬وينهي‭ ‬المهمة‭ ‬بنجاح‭. ‬

والمدير‭ ‬الناجح‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يستغل‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬المدير‭ ‬الذي‭ ‬يزعج‭ ‬الموظف‭ ‬ويحبطه،‭ ‬يجعله‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬بالتالي‭ ‬الموظف‭ ‬لا‭ ‬يتهرب‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج‭ ‬وانما‭ ‬من‭ ‬تصرفات‭ ‬المدير‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الدراسات‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬76‭%‬‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬عانوا‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬نفسية‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بسبب‭ ‬المدير‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل‭.‬

وكما‭ ‬أسلفت‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬دولنا‭ ‬فحسب،‭ ‬فمثلا‭ ‬مشكلة‭ ‬العبودية‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬موجودة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أشد‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الجوانب،‭ ‬لكن‭ ‬يتم‭ ‬تقديمها‭ ‬بصورة‭ ‬جميلة‭ ‬إعلامياً‭.‬

وأحياناً‭ ‬نتصور‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وأوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وبالذات‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬لدينا‭ ‬جانب‭ ‬إنساني‭ ‬أعلى‭ ‬بحكم‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬والدين‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬وطبيعة‭ ‬القيادة‭ ‬الأبوية‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والدولة‭. ‬وهي‭ ‬قيادة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬إدارية‭ ‬بحتة‭.‬

ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬مشاكل‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬لدينا،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬المدير‭ ‬السيئ‭ ‬هو‭ ‬السبب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا