في زمنٍ تتسارع فيه التحولات العالمية نحو الطاقة النظيفة والاستدامة، يبرز برنامج «ناصر بن حمد لقادة طاقة المستقبل» كإحدى المبادرات الوطنية الرائدة التي تعكس رؤية البحرين الطموحة في بناء جيلٍ قادر على قيادة مستقبل الطاقة بعلمٍ وابتكارٍ ومسؤولية.
ويأتي هذا البرنامج النوعي ضمن مبادرات Bapco Energies، ليؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في النفط والغاز، بل في الإنسان البحريني القادر على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى إنجازات تخدم البحرين والعالم.
إن أهمية الولوج في هذا البرنامج لا تكمن فقط في كونه برنامج ابتعاث وتطوير مهني، بل لأنه منصة لصناعة القادة والمبتكرين والباحثين في قطاع الطاقة بمختلف مجالاته؛ فهو يفتح الباب أمام الشباب البحريني للمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل الطاقة، ويمنحهم الفرصة للتعبير عن أفكارهم وملاحظاتهم وطموحاتهم، بما يسهم في تطوير منظومة الطاقة محلياً وعالمياً.
ومن المهم أن يدرك الجيل القادم أن مستقبل الطاقة لن يعتمد على مصدر واحد، بل على التكامل بين مصادر الطاقة المختلفة، وعلى البحث والتطوير والبحث العلمي التطبيقي في مجالات الطاقة المتجددة، وتحويل الطاقة الأحفورية إلى طاقة أكثر نظافة واستدامة.
إن البحرين تمتلك إمكانيات واعدة يمكن استثمارها بذكاء وطموح، سواء في طاقة الشمس، أو الرياح، أو تيارات البحر، أو طاقة الأمواج، أو حتى الطاقة الحرارية الجوفية. وما قد يبدو اليوم طموحاً بعيداً، قد يصبح واقعاً قريباً بالإرادة والعلم والابتكار.
ولعل من الجميل أن نستذكر أن هذا التوجه لم يكن وليد اليوم؛ فبالإضافة إلى ما أشار إليه سمو الشيخ ناصر في كلمته الإبداعية عند تدشين هذه المبادرة، والتذكير بأن بابكو كانت موئلا للتدريب والتأسيس والتعليم وصناعة الكفاءات منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أسست برنامج Apprentice، وهو برنامج للتدريب المهني والفني لإعداد الكوادر الوطنية لشغل الوظائف الفنية والإدارية، وبدأت هذه الجهود بابتعاث الموظفين البحرينيين على بريطانيا في خمسينيات ومطلع ستينيات القرن العشرين.
كما أنه في شهر يونيو من عام 2014 أطلقت شركة بابكو Bapco مشروع توليد الطاقة الشمسية بسعة 5 ميجاوات، وكان يرأس مجلس الإدارة آنذاك الدكتور عبد الحسين ميرزا، وقد تشرفت بعضوية مجلس إدارة الشركة خلال الفترة من 2000 إلى 2006، عندما كان رئيس مجلس الإدارة المرحوم، بإذن الله، الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وخلفه سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، حيث تم طرح آنذاك فكرة أن تتبنى بابكو تجربة شركة Shell البريطانية في الاستثمار بالطاقة المتجددة، رغم كونها شركة عالمية تعمل في مجال الطاقة الأحفورية، وكان مبعث ذلك المساهمة في التخفيف من ضرر الاحتباس الحراري المؤدي إلى التغير المناخي، وحققت شركة شل أرباحا هائلة في هذا المجال، وخلقت الوظائف الخضراء في الشركة.
واليوم نرى كيف أصبحت تلك الرؤى أقرب إلى الواقع، وكيف أصبحت الاستدامة جزءاً أساسياً من مستقبل قطاع الطاقة في البحرين، خصوصا مع تولي سمو الشيخ ناصر زمام الشركة، ويسانده فيها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
ومن التجارب التي نفخر بها أيضاً في الأوساط العلمية ،نحن في البحرين، تنفيذ أول قاعة خالية من الانبعاثات الكربونية في الشرق الأوسط بحديقة الأميرة سبيكة، حيث كانت كهرباء القاعة بالطاقة المتجددة النظيفة، فكانت تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين عبر خلايا الوقود، وذلك بالتعاون مع شركة Heliocentris الألمانية حيث يتم توليد الهيدروجين بفصله عن الماء بالخلايا الشمسية، وتم نشر بحثين في كبرى المجلات العلمية وأولها كان في عام 2015 في مجلة Energy and Building (الطاقة والمباني)، وهي مجلة تصنيف الربع الأول، وأكسبت البحرين سمعة دولية علمية، أعقبها دعم شركة بابكو مشاركة جامعة البحرين في سباق العالم للقوارب بالطاقة الشمسية (هولندا) ، وكان رئيس الجامعة آنذاك سعادة الأخ الدكتور إبراهيم جناحي، وحققت الجامعة في المشاركة الثانية المركز الثالث لفئة معينة من القوارب بالطاقة الشمسية، بتصنيع من شباب جامعة البحرين تحت إشراف أساتذتها، علما بأن بابكو وضعت 5 ميجاوات من الخلايا الشمسية على أرض بجامعة البحرين، وتم نشر حوالي 4 أبحاث عالمية حول أدائها. لقد كانت تلك التجربة رسالة مبكرة تؤكد أن البحرين قادرة على أن تكون مختبراً عملياً للحلول المستقبلية في الطاقة النظيفة.
إن برنامج ناصر بن حمد لقادة طاقة المستقبل ليس مجرد برنامج أكاديمي أو مهني، بل هو مشروع وطني لصناعة العقول التي ستقود التحول القادم في قطاع الطاقة، ولذلك فإن الرسالة الموجهة إلى الشباب البحريني من فم سمو الشيخ ناصر الكريم، هذا الشاب الطموح والمبدع والمتألق والمنافس، والمتطلع للصدارة دائما بالعمل الجاد والجهد الكبير، ومثله أخوه سمو الشيخ خالد بن حمد، هي: «لا تكتفوا بالتعلم فقط، بل بادروا، وابتكروا، وابحثوا، وناقشوا، وقدموا أفكاركم بثقة؛ فالعالم اليوم يبحث عن العقول القادرة على صناعة حلول جديدة للطاقة والاستدامة.«
فربما تكون الفكرة القادمة التي تغيّر مستقبل الطاقة في البحرين والعالم، فكرةً تبدأ من أحد المشاركين في هذا البرنامج الوطني الرائد.
أستاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة الخليج العربي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك