
صدر كتاب «سؤال الأخلاق في مشروع الحداثة: جدل الحضور والغياب» لمؤلفه المفكر الدكتور أحمد زايد، عام 2024، عن مؤسسة سلطان العويس الثقافية في دبي، ليكون ضمن سلسلة «الفائزون 65»، ويقع في 400 صفحة. وقد صدر بمناسبة فوز الدكتور أحمد زايد (مدير مكتبة الإسكندرية) بجائزة مؤسسة العويس الثقافية عام 2021 في حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية.. من المهم أيضًا الإشارة هنا إلى أن الدكتور زايد عمل على هذا الكتاب مدة ست سنوات قبل إصداره.
في كتابه الموسوعي يشير الكاتب إلى عقدة أخلاقية معاصرة تتمثل في الفكرة الرئيسية التي ينطلق منها، هي: أن الأخلاق «حاضرة في النقاشات العامة والخاصة، لكنها غالبًا ما تغيب عن الممارسة اليومية»، وهذه العقدة تتجسد يوميًّا في مجموعة من السلوكيات والمظاهر التي نعيشها ونمارسها غالبًا من دون أن نشعر.
ويسعى المؤلف إلى بناء «علاقة حقيقية بين المعرفة الأخلاقية والواقع المعيشي، بحيث يكون للأخلاق حضور ملموس في الحياة الفردية والاجتماعية بعيدًا عن الرمزية النظرية أو الطابع الأكاديمي البحت»، وهكذا يواجه الكتاب التحدي المتمثل في كون الحديث عن الأخلاق حاضرًا «على مستوى الخطاب العالمي، لكنه يختفي ويكاد يغيب على مستوى التطبيق»، ويسعى لتحقيق «تقارب أخلاقي بين التفكير والسلوك» (د. أحمد زايد، في ندوة «قراءة في كتاب سؤال الأخلاق في مشروع الحداثة» بمعرض القاهرة الدولي للكتاب).
من أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب هو التأسيس السياسي للأخلاق، إذ بينما يغفل آخرون البعد الأخلاقي في نظريات العقد الاجتماعي، يرى المؤلف أن مبادئ سيادة القانون والعدالة والمساواة تمثل مبادئ أخلاقية وليست سياسية فقط.
وفي جانب سوسيولوجيا الأخلاق ومعضلات الحداثة يتناول المؤلف الأثر الأخلاقي للثورات العلمية والسياسية في المجتمعات الحديثة؛ ويلاحظ أن نجاح هذه الثورات في تعزيز العقلانية والحرية اقترن بتحقيق هدف جديد هو التقدم، في مقابل الاستقرار الذي كانت تطمح إليه المجتمعات السابقة. هذا التقدم لم يأتِ من دون ثمن، إذ استدعى تحولا أخلاقيًّا من «الفردية البدائية/الأنانية» إلى «فردانية حديثة» مختلفة تسعى لتحقيق هذا التقدم وما يلزمه من قيم أخلاقية ديناميكية. وهنا تكمن إحدى معضلات الحداثة: كيف يمكن التوفيق بين قيم التقدم والحرية والحفاظ على نسيج أخلاقي متماسك؟
وفي الجانب الآخر لا يكتفي الكتاب بالجذور الفلسفية والتاريخية، بل يتناول القضايا المستجدة والرهانات المعاصرة، ويناقش كيف تطرح قضايا راهنة أسئلة أخلاقية عميقة في التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي؛ وفي تغير المناخ وما يثيره من التزامات أخلاقية تجاه الأجيال القادمة والبيئة، وفي جدلية العلاقة بين الفقر والفساد والهيمنة السياسية وأبعادها الأخلاقية.
ينتهي الكتاب بثلاثة فصول تحاول تجاوز النقد إلى بناء رؤية للمستقبل، يسعى فيها للبحث عن إمكانيات ظهور أطر أخلاقية جديدة في مُقاربة العلاقة بين الدين والأخلاق لاستلهام أسس متينة؛ وفي طرح أفكار حول أهمية ثقافة التسامح في عصر العولمة؛ وفي بحث «الانبعاث الأخلاقي» كحاجة ملحة في العالم المعاصر، وسبل بنائه في «تكوين الذات وتكوين السياق».
الانفصال الأخلاقي..
التعايش مع التناقضات
يُعرف هذا التناقض بمصطلح «الانفصال الأخلاقي» (Moral Disengagement)، وهو قدرة الفرد على تبرير سلوكياته غير الأخلاقية لنفسه وللآخرين، ما يسمح له بارتكابها من دون الشعور بالذنب.. هذا المفهوم يشرح كيف نعيش حالة من التناقض والازدواجية، ومن أبرز أمثلة هذا الانفصال في حياتنا اليومية هو: 1- التناقض بين القول والفعل؛ عندما يشجب الفرد سلوكًا ما في العلن (الخيانة مثالا)، لكنه يمارسه في الخفاء، أو يطالب بالصدق والأمانة ولا يطبقهما في معاملاته التجارية. في هذه الحالة يحدث انفصال بين المبادئ النظرية والسلوك العملي. 2- الإنفاق الاستهلاكي؛ مثال عندما نُعَبّر عن قلقنا إزاء التغير المناخي وظروف العمال، وفي الوقت نفسه نستمر في شراء منتجات من شركات متورطة في انتهاكات بيئية، متجاهلين هذه الحقيقة لتبرير راحتنا الشخصية. 3- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ أي على سبيل المثال: نؤمن بأهمية احترام الخصوصية، لكننا ننشر صورًا ومعلومات عن الآخرين من دون إذنهم، أو نشارك في نشر الإشاعات والتنمر الإلكتروني وراء الشاشات؛ وكذلك قد نتبنى قيم التسامح والأخوة، لكننا ننخرط في خطاب كراهية أو تنمر رقمي ضد المخالفين في الرأي.
من الفرد إلى المجتمع.. استشراء الأزمة
هذه الممارسات الفردية ليست معزولة، بل تعكس أزمة أخلاقية أوسع؛ إذ تعاني العديد من المجتمعات من تراجع التأثير الأخلاقي وسط تحولات اقتصادية عمّقَت الفجوة بين القيم والمصالح. وقد أدى هذا التراجع إلى ظهور مظاهر خطيرة مثل: تطبيع السلوكيات الخاطئة عندما يصبح المجتمع أكثر تسامحًا مع الأخطاء الأخلاقية، بل أحيانًا «يتعايش» معها، بدءًا من الاعتداء على الممتلكات العامة وصولا إلى الحصول على مكاسب غير مستحقة. وكذلك تراجع سلطة الضمير كرادع داخلي تحت ضغط المصالح الفردية، فيتم تبرير السلوكيات المنحرفة تحت شعار «الواقعية» و«المصلحة».. ومع تراجع الأخلاق يبدأ استشراء أزمة الثقة العامة، وتتآكل الثقة في المؤسسات والقادة وفي النسيج الاجتماعي نفسه، ما يهدد التماسك المجتمعي.
إن ما يصفه المؤلف هو أزمة عميقة تتعلق بكيفية تحويل المعرفة الأخلاقية إلى سلوك حقيقي، وإن وعينا بهذه الفجوة هو الخطوة الأولى نحو تضييقها.
قيمة الكتاب وأهميته
يتميز الكتاب بأنه فكري «بالغ الخصوبة»، ويقدّم رؤية تتجاوز الرمزية النظرية إلى ربط المعرفة الأخلاقية بالواقع المُعَاش.. وقد نُظّمت حوله ندوات مهمة، بمشاركة مفكرين وأساتذة فلسفة.
وبالنسبة إلى أي قارئ مهتم بمصير الأخلاق في عالمنا المعاصر، يقدم هذا الكتاب أداة لفهم هذه العقدة العميقة، محللا إياها من جذورها الفلسفية إلى تجلياتها اليومية.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك