دراسات: رفع الأجور قد يفاقم المشكلة إذا لم يرتبط بزيادة الإنتاجية ونمو اقتصادي حقيقي
لماذا يختلف التضخم الرسمي عما يشعر به الفرد في السوق؟
إعداد: محمد الساعي
استعرضنا في الجزء الأول من هذا الملف بعض مفاهيم التضخم وتأثيرها على الراتب الاسمي والراتب الحقيقي وعلى تغيير أنماط الاستهلاك بسبب تراجع الدخل الحقيقي. إلى جانب أبرز المؤشرات التي يمكن اعتمادها لمعرفة تأثير التضخم على الدخل.
وهذا ما يقودنا الى تساؤلات حول العلاقة بين ارتفاع الأجور والتضخم، وكذلك تأثر التضخم على الطبقات المتوسطة في المجتمعات، وعلى تغير أولويات الاسر في هذه الطبقات.
غالبا ما يصاحب موجة التضخم مطالبات بزيادة الأجور، والبعض يعتقد ان ارتفاع الرواتب هو الحل الأمثل لمشكلة التضخم. فما مدى صحة هذه النظرة؟
رفع الأجور
في الواقع، ارتفاع الأجور قد يخفف مؤقتًا من أثر التضخم على الأفراد، لكنه لا يُعد حلًا كاملًا للمشكلة، بل قد يتحول أحيانًا إلى جزء من المشكلة إذا لم يكن مرتبطًا بزيادة الإنتاجية أو النمو الاقتصادي الحقيقي. فعندما ترتفع الأسعار، يطالب الموظفون بزيادة الرواتب للحفاظ على قدرتهم الشرائية. وهنا إذا استجابت الشركات الى هذه المطالب من دون خطط وبرامج لزيادة الإنتاجية والارباح، فقد تضطر لاحقًا إلى رفع أسعار منتجاتها وخدماتها لتعويض ارتفاع التكاليف، ما يؤدي إلى موجة تضخم جديدة متصاعدة. وهو ما يعرف في علم الاقتصاد بـ«دوامة الأجور والأسعار»، أي ارتفاع الأسعار أكثر مع كل زيادة في الأجور.
وتزداد المشكلة إذا كان التضخم يحدث بسبب عوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، واضطرابات سلاسل التوريد، وزيادة الطلب العالمين، وكذلك ارتفاع الإيجارات والسلع المستوردة. هنا يكون رفع الأجور أشبه بمحاولة لتعويض خسارة القوة الشرائية، وليس للتعامل مع السبب الأساسي للتضخم.
وبالتالي يؤكد الاقتصاديون أن زيادة الأجور، ولكي تكون نتائجه مثمرة، يجب أن يرتبط بعدة عوامل منها:
* أن تكون الزيادات مرتبطة بالإنتاجية.
* ألا تتجاوز قدرة الشركات والاقتصاد على التحمل.
* وجود سياسات تسيطر على الأسعار والتكاليف الأساسية.
بمعنى أن رفع الرواتب قد يكون جزءًا من الحل لحماية الأسر، لكنه ليس علاجًا سحريًا للتضخم، لأن الحل الحقيقي يتطلب جهودا أبعد من ذلك مثل استقرار السياسات النقدية، ودعم الإنتاج المحلي، وضبط تكاليف السكن والخدمات، وتحسين كفاءة الاقتصاد والإنتاجية. من هنا تسعى الحكومات والبنوك المركزية دائما لتحقيق توازن يعتبر صعبا وتحديا حقيقيا بين حماية القوة الشرائية للمواطنين ومنع تسارع التضخم بشكل أكبر.
هذا الاتجاه تدعمه الدراسات الاقتصادية، حيث تؤكد أن زيادة الأجور ليست حلًا مباشرًا للتضخم؛ فهي قد تساعد على حماية القوة الشرائية مؤقتًا، لكنها إذا لم تُرافق بزيادة الإنتاجية أو سياسات نقدية منضبطة فإنها قد تؤدي إلى «دوامة الأجور والأسعار». فمثلا يشير تقرير الأجور العالمي 2022–2023 الذي تصدره منظمة العمل الدولية إلى أن زيادة الأجور الاسمية وحدها لم تُعوض تآكل القوة الشرائية، بل أدت في بعض الحالات إلى فجوة أكبر بين الإنتاجية والأجور. وهو ما يؤكد أن رفع الأجور من دون إنتاجية يفاقم التضخم، بينما ربطها بالإنتاجية يحقق توازنًا أفضل.
كما توصلت دراسة «التضخم النقدي وأثره على الأجور والديون» التي نشرتها المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية عام 2019 إلى أن «ربط الأجور بالتضخم قد يكون عادلًا لحماية العمال، لكنه يحمل مخاطر إذا لم يُضبط بدقة، وقد يخلق غررًا ويزيد من الضغوط التضخمية».
لذلك نجد أن السياسات المتعلقة بالأجور والتضخم في منطقة الخليج راعت هذا الجانب، فمثلا في المملكة العربية السعودية نجد أنها لا تعتمد على زيادات عامة في الأجور لمواجهة التضخم، بل على إصلاحات هيكلية وزيادة الإنتاجية، وركزت المملكة على ربط الأجور بالإنتاجية وتوطين الوظائف أكثر من الاتجاه الى رفع الرواتب فقط. وربطت الإمارات الأجور بالكفاءة والإنتاجية، مع تقديم زيادات انتقائية مرتبطة بالأداء. أما البحرين فركّزت على التوازن المالي ودعم الرواتب في القطاع الخاص خلال الأزمات.
الطبقة المتوسطة
السؤال المهم هنا: ما تأثير التضخم على الطبقة المتوسطة بشكل خاص كونها العمود الفقري لأي اقتصاد والمحرك الأساسي للاستهلاك والإنتاج في المجتمع، وهي الشريحة الأكبر من القوة الشرائية التي تُبقي الأسواق نشطة ومتوازنة. هل يجعل التضخم هذه الطبقة أكثر هشاشة ماليًا؟
للأسف نعم.. ففي كثير من الاقتصادات الحديثة، جعل التضخم الطبقة المتوسطة أكثر هشاشة ماليا. وهذا لا يعني أنها أصبحت فقيرة، ولكن هامش الأمان المالي لديها تقلّص بشكل واضح، حيث تعتمد هذه الطبقة في الغالب على دخل ثابت وهو الراتب، ومع انخفاض قيمة الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية للراتب بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل أسرع من نمو الدخل نفسه، فإن هذا يعني أن نسبة أكبر من الدخل تُستهلك في الضروريات، ويقل ما يتبقى للادخار أو الاستثمار أو الترفيه او الحالات الطارئة.
وبالتالي تعيش الأسرة في حالة أن الراتب بالكاد يكفي حتى نهاية الشهر، مع تأجيل قرارات كبيرة مثل شراء منزل أو سيارة، وقد تلجأ الى الاعتماد على القروض أو البطاقات الائتمانية، مع تقليل الإنفاق على التعليم الخاص أو الترفيه أو السفر.
ولكن.. لماذا الطبقة المتوسطة هي الأكثر تأثرًا؟
باختصار.. لأنها تقع في منطقة وسط، فمن جانب، في كثير من الدول ليست لديها مساعدات حكومية كافية مثل الطبقات الأقل دخلًا. ومن جانب آخر، ليست لديها أصول واستثمارات كبيرة تحميها من التضخم مثل الطبقات الأعلى دخلًا.
وهذا ما تؤكده الدراسات مثل International Monetary Fund وOrganisation for Economic Co-operation and Development التي تشير الى أن التضخم في فترات الأزمات كما حدث فترة الجائحة، تضرب بشكل خاص الأسر متوسطة الدخل، لأن نمو الأجور لم يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن «تآكل القوة الشرائية» في الطبقة المتوسطة يؤدي إلى تراجع الادخار الوطني، وزيادة الاعتماد على الديون الاستهلاكية، مع تباطؤ الاستهلاك طويل الأمد.
وتذهب هذه الدراسات الى ان الخطر ليس اختفاء الطبقة المتوسطة، بل تراجع نمط حياتها، وتقليص قدرتها على الادخار والاستثمار، وزيادة اعتمادها على الدخل الثابت من دون أمان مالي كافٍ.
وبالتالي على الرغم من ان التضخم قد لا يتسبب في تراجع الطبقة المتوسطة او تقلصها، لكنه كفيل بان يجعلها أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات، وهذا ما يجعل وضعها المالي أقرب إلى «التوازن الحرج» بدل الاستقرار الذي يفترض ان تكون عليه بسبب ثبات الدخل.
التضخم الرسمي والمعاش
هل هناك فرق بين التضخم الرسمي المعلن في أي مجتمع والتضخم الذي يشعر به المواطن يوميًا؟
سؤال مهم ربما يثير الكثير من التساؤلات عند الأفراد بسبب شعورهم بوجود تباين بين الأرقام المعلنة وما يعيشونه في الواقع.
وفي الحقيقية لا يعكس ذلك خطا او نقصا في ارقام أي طرف، ولكن الفرق بين التضخم الرسمي والتضخم الذي يشعر به المواطن يوميًا يعود أساسًا إلى طريقة القياس مقابل التجربة الواقعية في السوق.
بمعنى ان التضخم الرسمي او ما يعرف بالرقمي، هو الرقم الذي تعلنه الجهات الإحصائية المختصة في الدولة، ويُحسب بناءً على (سلة ثابتة من السلع والخدمات) مثل الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة. ويقاس هذا التضخم عادة عبر مؤشر أسعار المستهلك (CPI) وبالتالي فإن هذا الرقم يعطي متوسطًا عامًا لتغير الأسعار في الاقتصاد ككل، ويُستخدم في السياسات الاقتصادية.
في حين ان التضخم الذي يشعر به الفرد، او التضخم المُعاش بشكل يومي، يعتمد على ما يلاحظه الفرد فعليًا في حياته اليومية عندما يذهب إلى التسوق او محطة الوقود او يتجه لدفع الإيجار ودفع الفواتير. هنا قد يشعر أن الأسعار ارتفعت أكثر بكثير من الرقم الرسمي.
وبمعنى مختصر، التضخم الرسمي يمثل متوسط إحصائي دقيقا للاقتصاد كله، والتضخم المُعاش يعكس ما يؤثر على ميزانية الفرد اليومية.
والسبب في وجود هذا الفرق بين الرقم الرسمي والرقم الذي يشعر به الفرد يعود الى عدة عوامل أهمها:
- اختلاف نمط الاستهلاك: فالمؤشرات الرسمية تعتمد على متوسط إنفاق «كل الناس» في حين ان لكل فرد نمط إنفاق وأولويات مختلفة.
- طبيعة السلع: فبعض الأسعار ترتفع بقوة أكثر من غيرها، مثل الإيجارات والوقود والغذاء الأساسي، مما يستنزف جزءًا كبيرًا من ميزانية الأسر، لذلك يشعر بها الناس أكثر من غيرها.
- التجربة المباشرة: ففي حين يعتمد الرقم الرسمي على متوسطات إحصائية، يركز الناس على الأسعار اليومية والسلع التي تمثل أولوية استهلاكية بالنسبة لهم، لذلك يكون الإحساس بالتضخم عندهم أعلى.
- التوقيت: فالتقارير الرسمية تصدر بشكل دوري مثل بداية كل شهر، بينما الأسعار في السوق قد تتغير بشكل أسرع وربما بشكل يومي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك