العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

المال و الاقتصاد

بين معدل الدخل والقوة الشرائية.. التضخم يغير قواعد اللعبة عالميا (2-3)
هل أصبحت زيادة الرواتب بلا جدوى أمام التضخم؟

الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

دراسات‭: ‬رفع‭ ‬الأجور‭ ‬قد‭ ‬يفاقم‭ ‬المشكلة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يرتبط‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ونمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي

لماذا‭ ‬يختلف‭ ‬التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬عما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬السوق؟


إعداد‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

 

استعرضنا‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بعض‭ ‬مفاهيم‭ ‬التضخم‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الراتب‭ ‬الاسمي‭ ‬والراتب‭ ‬الحقيقي‭ ‬وعلى‭ ‬تغيير‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بسبب‭ ‬تراجع‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أبرز‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬اعتمادها‭ ‬لمعرفة‭ ‬تأثير‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬الدخل‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يقودنا‭ ‬الى‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور‭ ‬والتضخم،‭ ‬وكذلك‭ ‬تأثر‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬الطبقات‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وعلى‭ ‬تغير‭ ‬أولويات‭ ‬الاسر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الطبقات‭.‬

غالبا‭ ‬ما‭ ‬يصاحب‭ ‬موجة‭ ‬التضخم‭ ‬مطالبات‭ ‬بزيادة‭ ‬الأجور،‭ ‬والبعض‭ ‬يعتقد‭ ‬ان‭ ‬ارتفاع‭ ‬الرواتب‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الأمثل‭ ‬لمشكلة‭ ‬التضخم‭. ‬فما‭ ‬مدى‭ ‬صحة‭ ‬هذه‭ ‬النظرة؟

رفع‭ ‬الأجور

في‭ ‬الواقع،‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور‭ ‬قد‭ ‬يخفف‭ ‬مؤقتًا‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬حلًا‭ ‬كاملًا‭ ‬للمشكلة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أو‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحقيقي‭. ‬فعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬يطالب‭ ‬الموظفون‭ ‬بزيادة‭ ‬الرواتب‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدرتهم‭ ‬الشرائية‭. ‬وهنا‭ ‬إذا‭ ‬استجابت‭ ‬الشركات‭ ‬الى‭ ‬هذه‭ ‬المطالب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خطط‭ ‬وبرامج‭ ‬لزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والارباح،‭ ‬فقد‭ ‬تضطر‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬منتجاتها‭ ‬وخدماتها‭ ‬لتعويض‭ ‬ارتفاع‭ ‬التكاليف،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬تضخم‭ ‬جديدة‭ ‬متصاعدة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بـ«دوامة‭ ‬الأجور‭ ‬والأسعار‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭.‬

وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التضخم‭ ‬يحدث‭ ‬بسبب‭ ‬عوامل‭ ‬خارجية‭ ‬مثل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والوقود،‭ ‬واضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬العالمين،‭ ‬وكذلك‭ ‬ارتفاع‭ ‬الإيجارات‭ ‬والسلع‭ ‬المستوردة‭. ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬رفع‭ ‬الأجور‭ ‬أشبه‭ ‬بمحاولة‭ ‬لتعويض‭ ‬خسارة‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وليس‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬السبب‭ ‬الأساسي‭ ‬للتضخم‭.‬

وبالتالي‭ ‬يؤكد‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الأجور،‭ ‬ولكي‭ ‬تكون‭ ‬نتائجه‭ ‬مثمرة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬بعدة‭ ‬عوامل‭ ‬منها‭:‬

‭* ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الزيادات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالإنتاجية‭.‬

‭* ‬ألا‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬والاقتصاد‭ ‬على‭ ‬التحمل‭.‬

‭* ‬وجود‭ ‬سياسات‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والتكاليف‭ ‬الأساسية‭.‬

بمعنى‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الرواتب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل‭ ‬لحماية‭ ‬الأسر،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬علاجًا‭ ‬سحريًا‭ ‬للتضخم،‭ ‬لأن‭ ‬الحل‭ ‬الحقيقي‭ ‬يتطلب‭ ‬جهودا‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬استقرار‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية،‭ ‬ودعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬وضبط‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والخدمات،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإنتاجية‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تسعى‭ ‬الحكومات‭ ‬والبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬دائما‭ ‬لتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬يعتبر‭ ‬صعبا‭ ‬وتحديا‭ ‬حقيقيا‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭ ‬ومنع‭ ‬تسارع‭ ‬التضخم‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭.‬

هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬تدعمه‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الأجور‭ ‬ليست‭ ‬حلًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للتضخم؛‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬لكنها‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُرافق‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أو‭ ‬سياسات‭ ‬نقدية‭ ‬منضبطة‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬دوامة‭ ‬الأجور‭ ‬والأسعار‮»‬‭. ‬فمثلا‭ ‬يشير‭ ‬تقرير‭ ‬الأجور‭ ‬العالمي‭ ‬2022–2023‭ ‬الذي‭ ‬تصدره‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الأجور‭ ‬الاسمية‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬تُعوض‭ ‬تآكل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬بل‭ ‬أدت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬فجوة‭ ‬أكبر‭ ‬بين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والأجور‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الأجور‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إنتاجية‭ ‬يفاقم‭ ‬التضخم،‭ ‬بينما‭ ‬ربطها‭ ‬بالإنتاجية‭ ‬يحقق‭ ‬توازنًا‭ ‬أفضل‭.‬

كما‭ ‬توصلت‭ ‬دراسة‭ ‬‮«‬التضخم‭ ‬النقدي‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬الأجور‭ ‬والديون‮»‬‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬المجلة‭ ‬الأردنية‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ربط‭ ‬الأجور‭ ‬بالتضخم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عادلًا‭ ‬لحماية‭ ‬العمال،‭ ‬لكنه‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُضبط‭ ‬بدقة،‭ ‬وقد‭ ‬يخلق‭ ‬غررًا‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‮»‬‭.‬

لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬السياسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأجور‭ ‬والتضخم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬راعت‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬فمثلا‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬زيادات‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬لمواجهة‭ ‬التضخم،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وركزت‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬الأجور‭ ‬بالإنتاجية‭ ‬وتوطين‭ ‬الوظائف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاتجاه‭ ‬الى‭ ‬رفع‭ ‬الرواتب‭ ‬فقط‭. ‬وربطت‭ ‬الإمارات‭ ‬الأجور‭ ‬بالكفاءة‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬زيادات‭ ‬انتقائية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأداء‭. ‬أما‭ ‬البحرين‭ ‬فركّزت‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬ودعم‭ ‬الرواتب‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭.‬

الطبقة‭ ‬المتوسطة

السؤال‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭: ‬ما‭ ‬تأثير‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬كونها‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لأي‭ ‬اقتصاد‭ ‬والمحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للاستهلاك‭ ‬والإنتاج‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهي‭ ‬الشريحة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬التي‭ ‬تُبقي‭ ‬الأسواق‭ ‬نشطة‭ ‬ومتوازنة‭. ‬هل‭ ‬يجعل‭ ‬التضخم‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬ماليًا؟

للأسف‭ ‬نعم‭.. ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة،‭ ‬جعل‭ ‬التضخم‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬ماليا‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬أصبحت‭ ‬فقيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬هامش‭ ‬الأمان‭ ‬المالي‭ ‬لديها‭ ‬تقلّص‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬دخل‭ ‬ثابت‭ ‬وهو‭ ‬الراتب،‭ ‬ومع‭ ‬انخفاض‭ ‬قيمة‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للراتب‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬نمو‭ ‬الدخل‭ ‬نفسه،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬تُستهلك‭ ‬في‭ ‬الضروريات،‭ ‬ويقل‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬للادخار‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬أو‭ ‬الترفيه‭ ‬او‭ ‬الحالات‭ ‬الطارئة‭.‬

وبالتالي‭ ‬تعيش‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬أن‭ ‬الراتب‭ ‬بالكاد‭ ‬يكفي‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر،‭ ‬مع‭ ‬تأجيل‭ ‬قرارات‭ ‬كبيرة‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬منزل‭ ‬أو‭ ‬سيارة،‭ ‬وقد‭ ‬تلجأ‭ ‬الى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬الترفيه‭ ‬أو‭ ‬السفر‭.‬

ولكن‭.. ‬لماذا‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا؟

باختصار‭.. ‬لأنها‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬وسط،‭ ‬فمن‭ ‬جانب،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ليست‭ ‬لديها‭ ‬مساعدات‭ ‬حكومية‭ ‬كافية‭ ‬مثل‭ ‬الطبقات‭ ‬الأقل‭ ‬دخلًا‭. ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬ليست‭ ‬لديها‭ ‬أصول‭ ‬واستثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬تحميها‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬مثل‭ ‬الطبقات‭ ‬الأعلى‭ ‬دخلًا‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الدراسات‭ ‬مثل‭ ‬International‭ ‬Monetary‭ ‬Fund‭ ‬وOrganisation‭ ‬for‭ ‬Economic‭ ‬Co‭-‬operation‭ ‬and‭ ‬Development‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬فترة‭ ‬الجائحة،‭ ‬تضرب‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬الأسر‭ ‬متوسطة‭ ‬الدخل،‭ ‬لأن‭ ‬نمو‭ ‬الأجور‭ ‬لم‭ ‬يواكب‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تآكل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الادخار‭ ‬الوطني،‭ ‬وزيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الديون‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬الاستهلاك‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬

وتذهب‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الخطر‭ ‬ليس‭ ‬اختفاء‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬بل‭ ‬تراجع‭ ‬نمط‭ ‬حياتها،‭ ‬وتقليص‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وزيادة‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬الثابت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أمان‭ ‬مالي‭ ‬كافٍ‭.‬

وبالتالي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬التضخم‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬او‭ ‬تقلصها،‭ ‬لكنه‭ ‬كفيل‭ ‬بان‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للتغيرات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وضعها‭ ‬المالي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التوازن‭ ‬الحرج‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬بسبب‭ ‬ثبات‭ ‬الدخل‭.‬

التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬والمعاش

هل‭ ‬هناك‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬المعلن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬والتضخم‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬المواطن‭ ‬يوميًا؟

سؤال‭ ‬مهم‭ ‬ربما‭ ‬يثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬عند‭ ‬الأفراد‭ ‬بسبب‭ ‬شعورهم‭ ‬بوجود‭ ‬تباين‭ ‬بين‭ ‬الأرقام‭ ‬المعلنة‭ ‬وما‭ ‬يعيشونه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬

وفي‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬ذلك‭ ‬خطا‭ ‬او‭ ‬نقصا‭ ‬في‭ ‬ارقام‭ ‬أي‭ ‬طرف،‭ ‬ولكن‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬والتضخم‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬المواطن‭ ‬يوميًا‭ ‬يعود‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬القياس‭ ‬مقابل‭ ‬التجربة‭ ‬الواقعية‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

بمعنى‭ ‬ان‭ ‬التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬او‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالرقمي،‭ ‬هو‭ ‬الرقم‭ ‬الذي‭ ‬تعلنه‭ ‬الجهات‭ ‬الإحصائية‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬ويُحسب‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ (‬سلة‭ ‬ثابتة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭) ‬مثل‭ ‬الغذاء‭ ‬والسكن‭ ‬والنقل‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭. ‬ويقاس‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬عادة‭ ‬عبر‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلك‭ (‬CPI‭) ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يعطي‭ ‬متوسطًا‭ ‬عامًا‭ ‬لتغير‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل،‭ ‬ويُستخدم‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬التضخم‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬الفرد،‭ ‬او‭ ‬التضخم‭ ‬المُعاش‭ ‬بشكل‭ ‬يومي،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يلاحظه‭ ‬الفرد‭ ‬فعليًا‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬عندما‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬التسوق‭ ‬او‭ ‬محطة‭ ‬الوقود‭ ‬او‭ ‬يتجه‭ ‬لدفع‭ ‬الإيجار‭ ‬ودفع‭ ‬الفواتير‭. ‬هنا‭ ‬قد‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬ارتفعت‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الرقم‭ ‬الرسمي‭.‬

وبمعنى‭ ‬مختصر،‭ ‬التضخم‭ ‬الرسمي‭ ‬يمثل‭ ‬متوسط‭ ‬إحصائي‭ ‬دقيقا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬كله،‭ ‬والتضخم‭ ‬المُعاش‭ ‬يعكس‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬الفرد‭ ‬اليومية‭.‬

والسبب‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الرقم‭ ‬الرسمي‭ ‬والرقم‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬الفرد‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬أهمها‭:‬

‭- ‬اختلاف‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭: ‬فالمؤشرات‭ ‬الرسمية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬متوسط‭ ‬إنفاق‭ ‬‮«‬كل‭ ‬الناس‮»‬‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬نمط‭ ‬إنفاق‭ ‬وأولويات‭ ‬مختلفة‭. ‬

‭- ‬طبيعة‭ ‬السلع‭: ‬فبعض‭ ‬الأسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬بقوة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬مثل‭ ‬الإيجارات‭ ‬والوقود‭ ‬والغذاء‭ ‬الأساسي،‭ ‬مما‭ ‬يستنزف‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسر،‭ ‬لذلك‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭.‬

‭- ‬التجربة‭ ‬المباشرة‭: ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬يعتمد‭ ‬الرقم‭ ‬الرسمي‭ ‬على‭ ‬متوسطات‭ ‬إحصائية،‭ ‬يركز‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬اليومية‭ ‬والسلع‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أولوية‭ ‬استهلاكية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم،‭ ‬لذلك‭ ‬يكون‭ ‬الإحساس‭ ‬بالتضخم‭ ‬عندهم‭ ‬أعلى‭.‬

‭- ‬التوقيت‭: ‬فالتقارير‭ ‬الرسمية‭ ‬تصدر‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬مثل‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬بينما‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬وربما‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا