لطالما ارتبطت العبقرية والإبداع بالحاجة الماسة إلى الهدوء، وهي فكرة لم تكن مجرد تفضيل شخصي للفلاسفة، بل تحوّلت إلى نظرية فلسفية متكاملة دعمها لاحقاً العلم الحديث. ويُعد الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور من أبرز من تناولوا هذه العلاقة، رابطاً بشكل مباشر بين القدرات الذهنية العالية والحساسية المفرطة تجاه الأصوات المزعجة. الضجيج عدو التفكير، ففي مقالته الشهيرة «عن الجلبة والضجيج» (1851)، جادل شوبنهاور بأن الذكاء يتناسب عكسياً مع القدرة على تحمل الضوضاء. وبالنسبة إليه، فإن العبقرية ليست سوى «قدرة العقل على التركيز المكثف على نقطة واحدة»؛ وعندما تتم مقاطعة هذا التركيز بفعل ضجيج خارجي يصبح العقل العبقري مساوياً للعقل العادي. وشبّه العقل المركز بالألماسة الكبيرة التي تفقد قيمتها إذا تحطمت، أو بالجيش الذي يفقد قوته إذا تشتتت صفوفه. كما ذهب شوبنهاور إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الأشخاص الذين لا يتأثرون بالضجيج هم غالباً يفتقرون إلى الحساسية تجاه الفن أو الشعر أو الأفكار العميقة، مرجعاً ذلك إلى «طبيعة أنسجة الدماغ» لديهم. لم يكن شوبنهاور وحده في هذا الموقف، فقد عُرف عن الفيلسوف إيمانويل كانط حاجته إلى الهدوء المطلق للكتابة، إلى درجة أنه قد يغيّر مكان سكنه هرباً من صياح ديك. أما العلم الحديث فقد قدم تفسيراً لهذه الظاهرة؛ إذ وجد باحثون في جامعة «نورث ويسترن» أن الإبداع مرتبط بضعف القدرة على «تصفية» المعلومات الحسية غير ذات الصلة. هذا النوع من «البوابات الحسية المثقوبة» يسمح للدماغ بدمج أفكار خارج نطاق التركيز المباشر، ما يعزز التفكير الترابطي والإبداعي، لكنه في الوقت ذاته يجعل الشخص أكثر عرضة للتشتت والتأذّي من الأصوات الخارجية. ويؤكد العلم والفلسفة أن العقل المبدع يعمل كمحرك عالي الضغط؛ يحتاج إلى بيئة نقية ليعمل بكفاءة، بينما يمثل الضجيج «وقوداً رديئاً» يعطل ميكانيكية التفكير العميق ويقتل اللحظات الإبداعية.
الصفحة الأخيرة
لماذا يكره الأذكياء والعباقرة الضجيج؟ إليك التفسير العلمي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك